الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ "الغولة" التي اسمها فرنسا

نجيب بلحيمر ـ "الغولة" التي اسمها فرنسا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

"فيما يخص الرئيس الفرنسي ما نجاوبوش" ثم عاصفة تصفيق وهتافات انخرط فيها صحافيون وأعضاء حملة تبون، كانت لحظة حماس لأن الكلام كان ردا على سؤال بخصوص تصريح ماكرون بأنه أخذ علما بفوز تبون في انتخابات 12 ديسمبر، ولأن الحماس في القاعة المزدحمة كان ملتهبا فقد استرسل تبون متحدثا عن الرئيس الفرنسي "هو حر يسوق البضاعة لي يحب في بلادو وانا انتخبني الشعب الجزايري ولا أعترف إلا بالشعب الجزايري" وتصفيق وهتاف مرة أخرى، كان واضحا السعي إلى تسويق صورة "عدو فرنسا" لقضاء حاجة ما قبل أن تتبخر بفعل حقائق الواقع.
عندما كان تبون وزيرا للسكن خصص جزء كبيرا من وقته لمتابعة إنجاز جامع الجزائر الذي سيبقى الرمز الأكثر حضورا للبوتفليقية، قال إن فرنسا تقف وراء الحملة ضد المشروع لأن شركة فرنسية فشلت في الظفر به، ولا يذكر كثير من الذين يفاخرون بقوله "سنصلي في الجامع الأعظم ولو كره الفرنسيون" انه جاء ضمن حملة منظمة للرد على الوزير الأول الفرنسي إمانويل فالس الذي زار الجزائر في أفريل 2016 والتقى بوتفليقة الذي كان في وضع صحي بالغ السوء وقد نشر صورته التي أظهرته في حالة يرثى لها، وقد كان نشر تلك الصورة سببا في إطلاق مسؤولين جزائريين تصريحات حادة ضد الوزير الأول الفرنسي دون أن يعلم أحد إلى أي مدى تأثرت العلاقات بين البلدين بتلك الحادثة، ودون أن يذكر أحد بأن متابعة إنجاز مشروع جامع الجزائر نزعت من المكتب الألماني الذي أشرف على دراسة المشروع لتمنح لمكتب فرنسي بحجة أن الألمان كانوا يبالغون في التشدد في مراقبة الشركة الصينية المكلفة بالإنجاز، وأن ذلك كان يؤخر استلام المشروع حتى يدشنه بوتفليقة، نعم في الجزائر يمكن أن تكون ضد فرنسا وأنت تعقد معها الصفقات، ويمكن أن تسميها العدو وأنت تسلمها أسرار صحة رئيس بلدك الذي يعالج في مستشفياتها العسكرية والمدنية، بل ويمكن أن تلعنها وتشن عليها الحملات الإعلامية وتفتح أجواء بلادك أمام طائراتها الحربية كي تنفذ مهماتها في البلدان المجاورة لك.
كل ما ذكر سابقا فعله بوتفليقة الذي صارت وسائل الإعلام تمتلك الشجاعة لوصفه بعميل فرنسا الذي سلم لها البلد خلال فترة حكمه، ولا نعرف كيف يمكن لدولة أن تغير تحالفاتها، وتنهي مصالح دولة كبرى خلال أشهر معدودات، ولا أحد يمنحنا الأرقام بخصوص الخسائر الاقتصادية لفرنسا منذ ذهاب من يسمونها العصابة، فعندما يتعلق الأمر بفرنسا يمكن للإنشاء تعويض كل شيء حتى أنني قرأت تصريحا لشخص يقدم على انه خبير في الاقتصاد يتحدث عن نهاية الهيمنة الفرنسية وعن العودة الألمانية والإسبانية والإيطالية دون أن يقدم رقما يذكر أو يشير إلى قطاع أو مشروع، يكفي أن تقول إن فرنسا تتلقى الصفعات، وأن العزاء في باريس، وأن ماكرون يتخبط.
قد يكون مفيدا التذكير بحالات كثيرة من الفتور الشديد في العلاقات بين الجزائر وفرنسا في مراحل سابقة، ولعل فترة حكم بوتفليقة كانت حافلة أكثر من غيرها بأحداث من هذا النوع، ومنها تصريحه الشهير أثناء أول زيارة دولة قام بها إلى فرنسا في جويلية 2000 عندما قال ردا على سؤال صحافي فرنسي حول إمكانية السماح للحركى بالعودة إلى الجزائر " إن هذا بالنسبة للجزائريين مثل الطلب من مقاوم فرنسي مصافحة أحد عملاء النازية"، وقد أثار هذا التصريح استياء كبيرا في فرنسا أصدر على إثره الإيليزي موقفا رسميا يعبر عن رفض المقارنة التي تنطوي على إهانة للجيش الفرنسي من خلال تشبيهه بالجيش النازي، وفي تلك الأثناء هب الإعلام الجزائري لتمجيد موقف بوتفليقة الذي قرر بعد أشهر من ذلك المشاركة، ولأول مرة في التاريخ، في قمة الفرانكفونية.
بعدها بسنوات اختار بوتفليقة أن يستعمل التاريخ في حملته لتسويق ميثاق المصالحة، وفي خضم تلك الحملة هاجم بشدة قانون تمجيد الاستعمار الذي صدر في 23 فيفري 2005 والحقيقة ان كل كلامه كان موجها للاستهلاك المحلي، حيث لم تفعل الجزائر الرسمية شيئا مقارنة بما فعله إيمي سيزار للدفع نحو تعديل فقرة من المادة الرابعة من القانون، ولقد أبقت السلطة في الجزائر دائما ملف الذاكرة حكرا عليها تستعمله لتحقيق مكاسب داخلية دون أن تسعى لتحصيل أي حق معنوي من فرنسا أو تعزيز موقعنا مقابلها.
أثناء الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى الجزائر في ديسمبر 2007 انتقد وزير المجاهدين محمد الشريف عباس فرنسا في حوار نشر في جريدة الخبر وأشار إلى الأصول اليهودية لساركوزي وقد كلفه الأمر الطرد من الوفد الرسمي الجزائري مع إصدار بيان عنيف من الرئاسة يذكر بأن الرئيس وحده من يعبر عن الموقف الرسمي للدولة في قضايا السياسة الخارجية، ولعل عباس، الذي يعيش في فرنسا منذ أن غادر منصبه، فهم أن الحديث عن فرنسا من موقع رسمي يختلف تماما عن مهاجمتها من منبر منظمة المجاهدين، وأن كثيرا من الحماس يضر ولا ينفع.
ما زالت السلطة في الجزائر تعتقد أن انتقاد فرنسا، تصريحا أو تلميحا، يكفي لإثبات الوطنية والشجاعة، لكن في عصر الانترنيت وتدفق المعلومات قد تخبرنا الأرقام بأشياء أقل إثارة للفخر، وقد نكتشف أن كثيرا مما نحسبه إنجازات هو مجرد هراء لمنح نظام خرب البلاد صك الوطنية.

 

شوهد المقال 188 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats