الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ وكأن شيئا لم يكن

نجيب بلحيمر ـ وكأن شيئا لم يكن

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر

 

 


خرج الجزائريون إلى الشارع في الجمعة الثالثة والأربعين من ثورتهم السلمية أكثر تصميما على تعرية نظام الفساد والاستبداد الذي يريد أن يجدد واجهته بالخديعة والتزوير، ضبط المتظاهرون شعاراتهم بما يتناسب مع البهتان الانتخابي، وأعلنوا بوضوح لا يترك أي مجال للبس أنهم لا يعترفون بمن سمته السلطة رئيسا، الرسالة واضحة نحن كنا في الشارع ولم نكن في مراكز الاقتراع، ومن تمنحونه اليوم صفة رئيس هو شخص معين بدأنا من الآن السير لإسقاطه.
طوت السلطة صفحة الانتخابات لكنها لم تتنفس الصعداء، عبر الشوارع تدفقت الحشود لتذكير من يعينه الأمر أن المشكلة ما زالت هنا، إنها مشكلة قديمة قدم النظام المهترئ، كانت تؤجل بمبررات مختلفة، أما اليوم فقد سقطت كل الأوهام وصارت منظومة التعيين عارية تماما، ولذلك فإن الشارع سيتوجه اليوم غدا إلى من يملك سلطة التعيين ليخبره بأن الوقت قد حان ليستعيد الشعب سلطته ويمارس سيادته ويجسد إرادته في اختيار الحكام ومراقبتهم وعزلهم عندما تستدعي مصلحة البلاد ذلك.
على وقع المظاهرات السلمية، والتقارير الفاضحة للإعلام الدولي الذي جلبه النظام المتذرع برفض التدخل الأجنبي، اكتشفت السلطة أن لا فرق بين الخميس والجمعة، ومن تمت تسميته رئيسا فاقد للشرعية الشعبية بحكم الشارع الصريح، وفاقد لمشروعية السلطة بعد أن تم فرضه في خرق واضح للدستور الذي أطاح بشرعية بن صالح يوم 09 جويلية، وبعدم احترام التزام السلطة بجعل تحديد تاريخ الانتخابات من صلاحيات ندوة تدعو إلى تنظيمها هيئة الحوار والوساطة، لقد بدا المسار طويلا فاختارت السلطة أن تختزله لتفرض تنظيم انتخابات بأعوان بوتفليقة، وانتهت بتزكية هذا الأخير الذي جاء ليصوت عنه شقيقه بالوكالة، وليتم بعدها إعلان تعيين الصديق الوفي للمخلوع، والملتزم بعدم التجرؤ على منافسته ما دام حيا، في منصب الرئيس لتتحول العملية برمتها إلى أكبر مهزلة في تاريخ الانتخابات.
لم يكن الأمر يهم الجزائريين إلا من حيث الحفاظ على سلمية ثورتهم، ولذلك نزلوا إلى الشوارع بكثافة لإعلان مواصلة مسيرة الحرية، مسيرة باتوا يعرفون اليوم انها طويلة وأهدافها أكبر من أن تغطي عليها محاولة نظام منتهي الصلاحية وقف حركة التاريخ بتنظيم مهزلة، وقبل أن ينزلوا كانوا قد حكموا على المرشحين الخمسة بأنهم خارج التاريخ، لكن الخيال السقيم للسلطة، وقلة ذكائها كان مفاجئا خاصة عندما تم اختيار شخص كان اسمه متداولا منذ 2017 لخلافة بوتفليقة بنفس المنطق القديم الذي اعتمده النظام منذ الاستقلال والذي يقول "الحكم شأننا ولا شأن للشعب به".
جاء تبون كإشارة واضحة إلى أن التوافق الذي كان مستحيلا قبل نهاية العهدة الرابعة بقي مستحيلا بعدها، والصراع الذي تفجر داخل السلطة بفعل الثورة السلمية جعل المتغلبين يفرضون خيارهم على المغلوبين ليظهر الرئيس الذي قد يكون آخر رؤساء الأمر الواقع بحكم أن القرار الشعبي بإسقاطه أعلن حتى قبل أن يتولى مهمته بصفة رسمية.
استنفذ النظام كل أوراقه، واستهلك جميع وجوهه ولم يكن له من خيار إلا العودة إلى الأرشيف ليضع في الواجهة من كان إلى عهد قريب يقسم بأن "برنامج فخامة الرئيس لن يتوقف"، ولفرض هذه الواجهة لم تكن هناك من أدوات غير تلك التي ثبتت حكم بوتفليقة طيلة عشرين عاما انتهت بخراب شامل، وأمام هذا العجز لا يجد النظام إلا الدعاية والكذب والتضليل لفرض شرعية وهمية مستحيلة التحقيق، والمراهنة على رجل لا يملك الحد الأدنى من ثقافة الدولة ولا أدنى معرفة بما يجري في محيط الدولة القريب وفي العالم الواسع والخطير الذي نعيش فيه، فكل هذا ربما لا يساوي شيئا في نظر سلطة تريد أن تمسك بالبلد إلى آخر قطرة نفط دون أدنى اهتمام بما سيحدث لاحقا.
استفاق دعاة الانتخاب من قناصي الفرص واللاهثين وراء الحصص والامتيازات وهم في حالة عري تام، لا النظام يعترف لهم بالفضل، ولا الشعب يحفظ لهم الود والاحترام، لقد راهنوا وخسروا كل شيء وبقي لهم أن يحزموا أمتعهم للمغادرة مع النظام في رحلة بات موعدها قريبا، ومع هؤلاء يقف مثقفون مزيفون، وإيديولوجيون مصطفون يعدون خسائرهم بعد أن سقطت أوهام النظام الجديد، والانتقام من سادة التسعينيات فهنيئا لهم الرئيس الذي كان في جبهة الاستئصال المتقدمة سنة 1992 وليحتفظوا بصور أصابعهم المطلية بالحبر وبطاقات انتخاباتهم المختومة بالأحمر كلون الشمع الذي ختم على بصائرهم.
وحدهم السائرون على درب الحرية يعرفون أهدافهم ويبصرون الطريق إليها، ووحدهم سيأخذون بأيدي الجميع نحو بناء الجزائر التي تليق بشعبها الأبي.

 

شوهد المقال 430 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ بداية ما بعد تبون

نجيب بلحيمر   لا يترك لقاء عبد المجيد تبون مع الصحافيين المجال للتعامل مع الوضع انطلاقا من موقف سياسي من الرجل والطريقة التي وصل بها
image

محمد بوعبد الله ـ مراد هوفمان هدية أوروبا للإسلام

محمد بوعبد الله*  استعرتُ هذا العنوان الجميل الذي كتبه الدبلوماسي الألماني المسلم الأستاذ مراد هوفمان عن صديقه وأستاذه الذي تأثر به كثيرا، المفكر النمساوي
image

محمد محمد علي جنيدي ـ بوح الحقيقة

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           أين الطيور الصادحات أين الوجوه الباسمات أين ابتسام الصبح من نبض الحنين أين ارتشاف العطر من ورد السنين أين الرفاق الطيبون
image

فوزي سعد الله ـ طرابلس..بنغازي..درنة... الأندلسيون والموريسكيون في ليبيا

فوزي سعد الله   "....قد تبدو ليبيا الأندلسيون في ليبيا بعيدةً عن المجال الجغرافي الأندلسي وارتداداته ومشاكله وهموم سُكَّانه، لكن التاريخ والآثار العمرانية الأندلسية الطابع
image

حارث حسن ـ ما الذي يريده الصدر؟

د. حارث حسن  اعتقد ان ما نسميه بـ "التيار الصدري" هو حركة بهوية معقدة ومتعددة الأبعاد، هو من جهة تيار "وطني" مع ماتعنيه تلك الكلمة
image

أحمد سعداوي ـ العراق في الطور الثالث للتظاهرات الاحتجاجية

 أحمد سعداوي   نحن الآن، وبحسب رأي الكثير من المراقبين، في الطور الثالث للتظاهرات الاحتجاجية.ـ الأول: صدمة اكتوبرـ الثاني: ما بعد 25 اكتوبرـ الثالث: ما بعد مهلة
image

شنون شعيب ـ الشيخ سليمان بشنون عالم زاهد ألف أكثر من 20 كتابا كرس 7 عقود من العطاء في مجال العلم و الإصلاح

شنون شعيبسليمان بشنون مجاهد و كاتب  من مواليد 6 ماي 1923 براس فرجيوة خرج من رحم الحياة الريفية عائلته تنتمي الى قبيلة بني عمران التي
image

حكيمة صبايحي ـ درس أول من وحي الخيانة الوطنية استرتيجية السياق وخطورة العدائين في أروقة الوهم

د.حكيمة صبايحي خارج السياق، كل الدراسات في العلوم الإنسانية: المعرفية والعرفانية، باطلة، باطلة، باطلة. تظلم الدراسات الخاصة بالعلوم الإنسانية البشرية جمعاء وعلى مدار الأبد،
image

حميد بوحبيب ـ * وقتها وماشي وقتها !*

د. حميد بوحبيب  الذين يعتقدون أنهم خلفاء كرونوس، ويعرفون علم الميقات ليقولوا لنا أن هذه المطالب لم يحن وقتها بعد ، أو أن تلك المسائل فات

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats