الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ الانتخابات المستحيلة وإعادة اختراع "الشعب"

نجيب بلحيمر ـ الانتخابات المستحيلة وإعادة اختراع "الشعب"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

ثلاثة أيام من الحملة الانتخابية كانت شاقة وطويلة على المرشحين الخمسة. كل المؤشرات تقول بأن المخاطرة لم تحسب جيدا من طرف السلطة الفعلية، ومن طرف الذين غامروا بالتورط فيها، فعلى كل الجبهات تبدو الانتخابات مستحيلة من الناحية السياسية حتى وإن بقي تمريرها بالقوة أمرا واردا من الناحية النظرية.
المشكلة لا تطرح في تلك القطاعات الواسعة من المجتمع التي ترفض الانتخابات فحسب بل تمتد إلى الفشل الذي منيت به محاولات السلطة إنتاج صورة الانتخابات العادية في حدها الأدنى، وقد كان واضحا منذ البداية أن معركة الصورة هذه هي الأهم في نظر السلطة حيث كانت الخطة تقتضي أن تركز قنوات التلفزيون (العمومية والخاصة) على العملية الانتخابية لتقديم صورة مقبولة عن العملية تتجاوز آثار الرفض الشعبي لها، ويضاف إلى هذا تضخيم المسيرات التي يجري تنظيمها من قبل الإدارة لخلق الانطباع بوجود سند شعبي للانتخابات، ليتم تقديم كل هذا تحت عنوان الانقسام المجتمع بين مؤيد للانتخابات ومعارض لها، وقد شكلت هذه المسألة الجزء الأهم من خطاب المرشحين الخمسة في الأيام الثلاثة الأولى من الحملة التي انطلقت الأحد الماضي.
كان بوسع السلطة أن تكسب هذه المعركة في عصر آخر، لكنها أهملت العامل الأهم الذي أخرجته الثورة السلمية إلى الواجهة وهو التكنولوجيا (أكثر من هذا هناك من يقول بأن التكنولوجيا هي من صنعت هذه الثورة السلمية وهذا يجعل إهمال هذا العنصر أمرا أكثر غرابة)، فالوضع اليوم مختلف تماما عما كان عليه سنوات التسعينيات عندما كانت تنظم المسيرات "العفوية" في أجواء حرب مزقت المجتمع وتجري في ظل تعتيم كامل غير قابل للاختراق، ولأن أكثر من 23 مليون جزائري يملكون حسابا على فيسبوك، ويتم استعمال هواتف ذكية بعدد يماثل عدد السكان أو يفوقه، فإن فقدان قنوات التلفزيون لمصداقيتها دفع بالمعركة إلى ميدان افتراضي أظهر تفوقا كاسحا للأغلبية التي لم تعد تجد نفسها في المؤسسات السياسية التقليدية ولا في وسائل الإعلام التقليدية الخاضعة للسلطة بصرف النظر عن ملاكها.
ذهب المرشحون إلى الأماكن التي تحتضن تجمعاتهم فوجدوا في الشارع من يهتف برفض الانتخابات، وقد سبقت صور الرفض هذه نشاطات المرشحين كما حدث في تلمسان وأدرار وقالمة ومدن أخرى، وفي مقابل صور اختيرت بعناية، والتقطت من زاوية ثابتة، ظهرت الصور الأخرى التي تظهر الحجم الحقيقي للمشاركين في التجمع الانتخابي كما حدث في وادي سوف، بل وظهرت معه كاميرات وسائل الإعلام التي يصطحبها معه المرشح وهي منصوبة في وسط القاعة تماما حتى لا يظهر الجزء الفارغ من المكان، في حين اختارت القنوات التي تنقل خطابات المرشحين على المباشر الاعتماد على كاميرا واحدة ثابتة تجنبا لإظهار الحجم الحقيقي للحضور مع العلم أن الخيار كان عقد التجمعات في قاعات صغيرة مراعاة للظرف الذي تجري فيه العملية، وكل هذه التفاصيل تم الاطلاع عليها بفضل منصات التواصل الاجتماعي التي تنقل الوجه المخفي للحقيقة.
هكذا تحول دور وسائل الإعلام إلى تغييب الشعب عن الحملة الانتخابية، وهو تغييب للمشاركين والمقاطعين على حد سواء، وفي مقابل ذلك تمت الاستعانة بالخبرات القديمة في تركيب صور بوتفليقة المريض من أجل إخراج صور مقبولة لمسيرات ينظمها الولاة بتعليمات فوقية، وحتى هذه ظهرت صورها الحقيقية وتحولت إلى إساءة كبيرة للدولة والجيش الذي تم إقحامه في مسيرات دعم الانتخابات بطريقة فجة وغير مبررة.
الجبهة الأخرى التي فتحتها السلطة كانت ضد المتظاهرين، فقد بدأت حملة اعتقالات واسعة في صفوف المشاركين في الاحتجاجات السلمية ضد الانتخابات، وصدرت أحكام قاسية ضد بعض المتظاهرين ( الحكم بثمانية عشر شهرا حبسا نافذا في حق أربعة متظاهرين سلميين في تلمسان) لكن حملة الاعتقالات هذه لم تنجح في إنهاء الاحتجاجات في كل الولايات التي قصدها المرشحون، وبعد اليوم الأول تحولت الإجراءات الأمنية المشددة التي تحيط بالمرشحين إلى دليل آخر على الطابع المستحيل لهذه الانتخابات، تماما مثلما أثبتت أن الرفض لها شامل في جميع أنحاء الوطن بما فيها الجنوب الذي اكتشفت السلطة متأخرة انه لم يعد ميدانا مناسبا لتصوير مسرحية انتخابية.
في اليوم الثالث من هذه المسيرة نحو المجهول ألقى رئيس الأركان خطابا من الناحية العسكرية الرابعة بورقلة، تحدث فيه عن جميع فئات الشعب التي هبت عن بكرة أبيها للتعبير عن تأييدها للانتخابات، وقد تبين من خلال الخطاب أنه ليس لدى السلطة ما تقدمه غير ورطة الانتخابات، فهي لا تؤمن إلا بما اصطنعته هي، وما تروجه من خلال إعلامها، أي تلك الصورة التي تريدها بديلا عن الحقيقة الساطعة التي يراها العالم بأسره، وليس الجزائريون وحدهم، وفي إصرار غريب على السير عكس حركة التاريخ، انتقل خطاب رئيس الأركان من الحديث باسم الشعب إلى إعادة اختراع هذا الشعب من خلال اختزاله في المشاركين في تلك المسيرات البائسة التي نظمتها الإدارة.
رئيس الأركان جدد التذكير بأن لا طموحات سياسية للجيش، والحقيقة انه كان يكرس القاعدة التي تضع الجيش فوق الجميع، فالسياسة كانت، ولا تزال، مهمة الموظفين الكبار من المدنيين، أما الحكم فمسألة يختص بها الجيش باعتباره السلطة الفعلية، وهذا تفصيل بسيط مقارنة باحتكار معرفة الشعب وما يريده، وبالاستئثار بالوطنية.
لم يسعف خطاب رئيس الأركان المرشحين الخمسة في شيء، ولم يقدم أي دفع للعملية الانتخابية، فقد تم استعمال كل ما لدى السلطة، وأظهرت القوة محدودية تأثيرها في مواجهة شعب مصر على إعادة صياغة قواعد اللعبة بكل سلمية وبعيدا عن الفلكلور الانتخابي الذي تحول إلى مادة للسخرية.

 

شوهد المقال 249 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون.. بورتريه الرئيس الجزائري الجديد .. الذي اصبح رئيسا للجزائر؟

د. رضوان بوجمعة  من هو عبد المجيد تبون؟ هنا استعادة عن "مرشح السلطة الفعلية" الذي "ينفّذ أجندة عصب وشبكات تريد أن تعيد إنتاج المنظومة،
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار للتمديد للاستبداد

نجيب بلحيمر   بلغة المنتصر قدم الرئيس المعين عرض حوار مبهم لجهة سماها "الحراك" لا يجرؤ أحد على الحديث باسمها أو ادعاء تمثيلها، المتحدث يحسب نفسه
image

العربي فرحاتي ـ الحراك ..والوعود بالجنات النعيم

د. العربي فرحاتي  الندوة الصحفية للرئيس المنتخب من بعض الجزائريين - في إطار تجديد سلطة الأمر الواقع دستوريا- يبدو أنها كانت فرصة لاستدراك ما
image

سعيد لوصيف ـ لنتحدّث بهدوء هذه المرّة أيضا عن عنف النظام...

د. سعيد لوصيف   « Le malaise est effectivement inlassablement provoqué et subi en Algérie. Des pratiques sociales le prouvent à l’évidence. Elles animent
image

نوري دريس ـ لماذا لا يمكن للحراك ان يكون حزبا سياسيا..؟

د. نوري دريس   الحراك ليس هو انت واصدقائك في صفحة الفيسبوك او تويتر لي تشاركهم نفس الافكار و الايديولوجياالحراك هو موجة ثورية تضم ملايين الجزائريين. 
image

عثمان لحياني ـ في المدرسة والحوار

عثمان لحياني   الحراك مدرسة استوعب فيها الجزائريون دروس استدراك سريعة حول العقيدة السلمية ومكامن القوة وممكنات التغيير ، وجامعة سياسية تدربوا فيها حول الأسئلة
image

العياشي عنصر ـ الدعوة للحوار وكيفية التعامل معها !

 د. العياشي عنصر ان الدعوة التي وجهها السيد عبد المجيد تبون على المباشر للحراك من اجل الحوار في اول تصريح له بعد
image

يسين بوغازي ـ لماذا لا تعترف الأقلية السياسية بأخطائها الاستراتيجية ؟

  يسين بوغازي    لماذا لا تعترف الأقلية السياسية  أنها اقترفت من اخطاء الاستراتيجية في حق  الحراك واشهره  واختياره السياسي  ما
image

العياشي عنصر ـ الدور الحاسم للنخب

د. العياشي عنصر  بمناسبة الوضع الذي وصلت اليه البلاد بعد ثورة سلمية دامت عشرة اشهر كاملة ، اود هنا التذكير بأهمية ودور النخب في
image

المرصد الأورمتوسطي لحقوق الإنسان : الانتخابات ليست عملية صورية ولا ينبغي للسلطات الحاكمة فرض إرادتها على الجزائريين

جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنّ إجراء الانتخابات الرئاسية الجزائرية في أجواء غير توافقية، وإعلان نتائجها اليوم، لن يرسّخ العملية الديمقراطية، وسيفضي إلى مزيد من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats