الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ مأزق الانتخابات وفسحة نوفمبر

نجيب بلحيمر ـ مأزق الانتخابات وفسحة نوفمبر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

خمسة أيام وتنقضي فترة إيداع ملفات الترشح للانتخابات الرئاسية التي تريد السلطة تنظيمها يوم 12 ديسمبر، وإلى حد الآن كل الوجوه التي تقدمت للسباق تم التعامل معها على أنها مكلفة بتسخين الأجواء، والأسماء التي يجري التعامل معها بجدية هي من رموز عهد بوتفليقة، في حين يمني أنصار الانتخابات النفس بإعلان اسم ما ترشحه في اللحظة الأخيرة، وعندها سيكون هذا الإسم الثقيل مرغما على إحداث معجزة جمع التوقيعات في ظرف قياسي، إنجاز بقي حكرا على الإدارة التي تسخر لخدمة مرشحي النظام في كل الانتخابات السابقة.
الصورة تبدو مخيبة، مرشحون لا علاقة لهم بالعهد الجديد الذي يفترض أن يبدأ بعد ثورة سلمية أثبت من خلالها الجزائريون إصرارهم على تغيير النظام (كما اعترف بذلك بن صالح في خطاب 15 سبتمبر الماضي)، أما الشخصيات التي عول عليها أنصار الانتخابات لإعطاء مصداقية للعملية فإنها لم تتوقف عند رفض الدعوة إلى المشاركة بل اختارت أن تضرب هذا الخيار في مقتل كما فعل مولود حمروش في حديثه إلى من قصدوا بيته لإقناعه، وكما فعل أيضا علي بن محمد، وشخصيات أخرى كانت ضمن الموقعين على بيان العشرين، فضلا عن عبد العزيز رحابي الذي رغم تحاشيه الحديث عن تاريخ 12 ديسمبر بشكل مباشر إلا أنه كان واضحا في القول بأن الظروف الحالية غير مناسبة لإجراء الانتخابات. أما على المستوى الحزبي فالوضع ليس أقل سوءا بالنسبة للسلطة، فقد أعلنت أحزاب المعارضة رفضها للمشاركة كحد أدنى، ورفضت الانتخابات في حالات أحزاب أخرى، وجاء بيان حركة حمس قويا إذ أنه حمل السلطة بشكل مباشر مسؤولية إفشال الانتقال الديمقراطي، وهو ما يعني ضمنا أن العملية الانتخابية هي أداة لهذا الفشل المبرمج.
كل التفاصيل تؤكد المأزق الذي وضعت السلطة نفسها فيه عندما أصرت على استدعاء الهيئة الناخبة حتى قبل أن تنهي هيئة الوساطة والحوار عملها، وقد جاءت عملية تشكيل سلطة الانتخابات على المستوى المركزي كضربة لمصداقية العملية عندما وضعت على رأسها وزيرا سابقا في حكومة بوتفليقة، ونائبا له من مساندي العهدة الخامسة، بينما حفلت قوائم اللجنة على المستوى المحلي بالعناصر التي طالما اعتمدت عليها أحزاب الأفلان والأرندي في تسيير حملات بوتفليقة الانتخابية، ثم جاء تمديد فترة التسجيل في القوائم الانتخابية ليثبت البداية المبكرة لعزوف كبير بما ينسجم مع المسيرات الحاشدة التي أعادت المظاهرات إلى مستويات البدايات الأولى للثورة السلمية.
مع مرور الوقت تتأكد للسلطة حقيقة أن المرور بالقوة ليس بالسهولة التي كانت تتصورها، فالاعتقالات لم تؤثر في درجة تجند الشارع، وحملات التضليل والتشويه التي تقوم بها قنوات التلفزيون العمومية والخاصة أعطت مفعولا عكسيا، والذين عبروا عن نيتهم في الترشح فشلوا في خلق الأجواء الانتخابية المغرية بالمتابعة، وبقي السؤال المطروح هو "هل ستجري الانتخابات أم لا؟" بدل أن يكون " من هو المرشح الأوفر حظا للفوز ؟ "، وبين السؤالين مسافة إقناع وتوفير شروط ليس أقلها شأنا إجراء حوار جدي يفضي إلى توافق واسع حول كيفية الذهاب إلى الانتخابات.
من الآن بدأ المتدخلون في القنوات التلفزيونية، الذين تولوا مهمة تبرير وتسويق كل خيارات السلطة على تناقضها، يتحدثون عن احتمال أن تكون نسبة المشاركة ضعيفة، وهم من خلال هذا الطرح يستبقون ما هو متوقع، ويهربون إلى القراءة القانونية التي تجعل انتخاب أقلية لرئيس الجمهورية تفصيلا لا يمكن أن يطعن في شرعيته، لكن هذا الطرح يتناقض أولا مع الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن إقبال منقطع النظير على التسجيل في القوائم الانتخابية، ويؤكد أن الأغلبية الساحقة من الجزائريين مع الانتخابات، ثم إنه يتناقض مع طبيعة الانتخابات في حد ذاتها، والتي يعتبرها الخطاب الرسمي انتخابات تأسيسية لأنها ستفرز الرئيس الذي سيكلف بتحقيق مطالب الشعب وأهمها التغيير الجذري للنظام السياسي، وهذه المهمة تتطلب شرعية كاملة لا يمكن أن تمنحها أقلية في انتخابات يرفضها جزء من المجتمع، ويعبر عن رفضها صراحة من خلال المظاهرات التي تعم مختلف مدن البلاد، فضلا عن أنها لا يمكن أن تسند لأحد رموز النظام.
باستثناء الأحزاب الموالية للسلطة، لا تجد الانتخابات أي سند سياسي أو شعبي معبر عنه بوضوح، ويحمل خطاب المعارضة دعوة صريحة إلى تأجيل الاقتراع، وهذا يعني فشلا ثالثا للسلطة يقتضي تغيير الخطة برمتها، لكن هذا الخيار يبقى أهون من فرض اقتراع 12 ديسمبر الذي يعني تعميق أزمة السلطة وبشكل تفقد معه كل الخيارات التي بقيت متاحة إلى حد الآن، وسيكون على أصحاب القرار اليوم أن يفاضلوا بين إنهاء مرور بالقوة فشل فعليا، والإصرار على الذهاب إلى المأزق الأكبر الذي سيبدأ مباشرة بعد 12 ديسمبر إن تم فرض الانتخابات.
بعد أيام سيلتقي الملايين من الجزائريين في الشوارع بمناسبة ذكرى ثورة نوفمبر، بنفس العزيمة التي حركت الآباء المؤسسين للدولة الجزائرية، ليعلنوا عزمهم على تفكيك النظام بسلاسة في ظل السلمية والهدوء، وإطلاق مشروع الجزائر على قاعدة توافق جديد وضعت أسسه الثورة السلمية، ومرة أخرى سيمنح نوفمبر فرصة تاريخية لمن يملكون سلطة القرار لقراءة الواقع بشكل صحيح والتصرف بما يليق بهذا الوطن ورصيده الثوري المجيد.

 

شوهد المقال 374 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عاشور فني ـ التاريخ الثقافي المقلوب ..الجزائر رسمت ابجديتها تاماهق

د. عاشور فني  على حجر عمقه آلاف السنوات أحاول أن أتهجى حروف اسمها. وامام خيمة تضيئها أشعة الشمس الأولى بعد الليلة الأولى بصحراء تادرارت
image

نجيب بلحيمر ـ العلاج بالحرية

نجيب بلحيمر   الأفكار لا تجابه بالسجن، والذين تزدري أفكارهم، أو تحسبهم جهلة، هم في النهاية يعتنقون فكرة مهما كانت مشوشة أو مشوهة. نعيش في مجتمع مغلق، ويحكمنا
image

السعدي ناصر الدين ـ زروال

السعدي ناصر الدين في اليوم الثاني من زيارتي بجاية حيث اقضي كل عام جزء من عطلتي السنوية توجهت مع الاولاد الى تيشي وقضينا يوما رائعا..عدنا
image

عثمان لحياني ـ بكل وضوح : عند رأي خبيه عندك

 عثمان لحياني  "عندك رأي خبيه عندك ، لا تكتبه في الفايسبوك، لا تخرج هن ولي الامر"..لن تستطيع المؤسسة الرسمية أن تكون أوضح من هذا الوضوح
image

رشيد زياني شريف ـ حتى لا يختلط علينا الأمر ونخطئ المعركة

رشيد زياني شريف   ما تطرقت إليه في منشورات سابقة وجديدة بشأن اللغة العربية وما يدور حولها من حديث وحروب، واعتبرتها فخا ومصيدة، لا يعني
image

محمد هناد ـ من وحي الحراك !

 د. محمد هناد  اعتبرني أحد المعلقين وكأنني اقترفت إثما عظيما بمقارنتي الحراك بحرب التحرير. ولعله، مثل الكثيرين، مازال يعتبر هذه الحركة، الضاربة في عمق
image

زهور شنوف ـ #الجمعة66 لا تختبروا صبر "الصبارة" أكثر!

 زهور شنوف    يوم الجمعة 10 جانفي 2020 التقطت هذه الصورة.. كانت تمطر يومها.. تمطر بغزارة، وهذا الشاب يقف تحت شجرة في شارع الشهيدة حسيبة بن
image

عبد الجليل بن سليم ـ نشطاء الحراك تشوه إدراكي إنحياز تأكيدي.. باش نفيقو

عبد الجليل بن سليم  منذ بدأ حراك الشعب و كل ما كتبته أو على الاقل حاولت كتابته كان نقد للنظام و سياساته و منذ عوام
image

وليد عبد الحي ـ عرض كتاب:ابن رشد وبناء النهضة الفكرية العربية(7)

أ.د . وليد عبد الحي يقع متن الكتاب الصادر عام 2017 في 305 صفحات (منها 20 صفحة مقدمة ومدخل) وتم تقسيمه الى 3 ابواب و
image

العياشي عنصر ـ الجيش؛ الجيل، التعليم والسياسة

 د. العياشي عنصر  عندما يطرح موضوع الجيش في الجزائر خلال المناقشات ، ويقع التطرق الى مكانته ودوره في الحياة السياسية عامة، وموقفه من الحراك الشعبي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats