الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات ستجري، ومن يعترض على تنظيمها سيجد عصا القضاء الغليظة في وجهه، مع تذكير بأن من يتظاهرون في العاصمة يأتون من خارجها، يوم 19 سبتمبر تم تحذير أصحاب المركبات التي قيل إنهم ينقلون الناس لرفع أعداد المتظاهرين، وفي 15 أكتوبر صارت التهمة أثقل: المال القذر هو من يجلب الناس للتظاهر في العاصمة، لكن في النهاية لا شيء تغير، السلطة ماضية في حالة الإنكار التي تطبع سلوكها منذ بداية الثورة السلمية، لكن الذي يستحق الانتباه هو البيان الذي صدر ساعات فقط قبل خطاب رئيس الأركان، والذي كان خليطا بين مطالب قديمة سبق رفضها، وترك للباب مفتوحا أمام إمكانية أن تكون الانتخابات حلا حتى بأسوأ الشروط على الإطلاق.
قائمة الموقعين على البيان تدرجت من أحمد طالب الإبراهيمي الذي طالما رفعت صوره في المظاهرات، وعادت للظهور في آخر جمعة، لتشمل عبد العزيز رحابي، وناصر جابي، وأسماء ارتبطت بالثورة السلمية منذ بداياتها، واتسعت لتشمل الشيخ الهادي الحسني فيما يمكن أن يقرأ كمحاولة لتوسيع قواعد الدعم للبيان لتضم تيارا متشككا وداعما للانتخابات بالطريقة التي تريدها السلطة في المجمل رغم بعض الملاحظات والاعتراضات على قضايا تفصيلية، ومن الواضح أن قائمة الموقعين اختيرت بعناية من أجل إعطاء البيان فرصة نيل تعاطف قواعد واسعة، وهذا أمر جيد من الناحية المبدئية، بل إنه يشير إلى إمكانية تحقيق التوافق الذي يساعد في بناء تصور لحل حقيقي.
من ناحية الزمن وجب القول إن البيان جاء في توقيت غريب، فلو كان رد فعل على استدعاء الهيئة الناخبة فإن الوقت يكون تأخر كثيرا، ثم إنه لا يرفض انتخابات 12 /12 صراحة رغم انه يشير إلى أن ظروف إجرائها غير مناسبة، ولم يتضمن البيان أي خطة جديدة مقارنة مع وثيقة عين بنيان التي كان رحابي أهم الفاعلين في وضعها من خلال تنظيم الندوة التي انبثقت عنها، ومن هنا لم يكن من مبرر للبيان إلا توسيع قاعدة الداعمين لتلك الوثيقة رغم عدم الإشارة إليها، ثم إن التوقيت يصبح أكثر غرابة لأن البيان يلقي بالتوازنات الجديدة التي تفرضها الثورة السلمية جانبا ويتجه بكليته إلى السلطة متوددا وطالبا بعض التنازلات في مقابل دعوة المتظاهرين إلى التخلي عن بعض الشعارات والمقصود بوضوح تلك الشعارات التي ترفع ضد رئيس الأركان وجنرالات الجيش، أما ما هو مطلوب من السلطة فهو تلك المطالب التي رفعتها لجنة كريم يونس، وهي متضمنة في وثيقة عين بنيان أيضا، والتي رفضها رئيس الأركان في خطاب غاضب ونسبها إلى العصابة. 
يعتقد من يقف وراء البيان أن عزيمة الجزائريين وعودة الثورة السلمية إلى مستويات عالية من التجنيد يمثل فرصة مناسبة للضغط على السلطة، وهذه قراءة صحيحة وواقعية تماما، خاصة وأن محاولات القمع، وحملات الاعتقال، فشلت كلها في إضعاف المظاهرات، كما أن مظاهرات الأحد الرافضة لمشروع قانون المحروقات أكدت أن الثورة السلمية تحتل مزيدا من المساحات وهي سائرة على طريق التجذر، وكان يفترض أن تؤدي هذه المؤشرات إلى مراجعة القراءة الخاطئة التي تبنتها المعارضة وبعض النخب التي اعتبرت أن خروج الجزائريين إلى الشارع هو فرصة لفرض انتخابات بقواعد جديدة، وهو أمر التفت عليه السلطة كالعادة عندما أفرغت مطالب الحوار، والسلطة المستقلة للانتخابات، وتعديل قانون الانتخابات من محتواها، وحولتها إلى مجرد ذرائع لفرض انتخابات في أجواء التضييق والتخويف والخروقات القانونية التي ترزح البلاد تحت وطأتها.
إن الشروط التي يضعها البيان كانت في الأصل شروطا لإجراء الحوار تنازل عنها أعضاء لجنة يونس، وهي باقية اليوم في ظرف مغاير تماما بما يوحي بأن موقعي البيان أيضا يعيشون حالة الإنكار مثل السلطة تماما، وأن تحليلهم للوضع لم يختلف عما كان عليه أثناء انعقاد ندوة مزفران قبل خمس سنوات والتي كانت هي أصل مقترحات سلطة الانتخابات وتعديل قانون الانتخابات وفكرة العهدة الانتقالية للرئيس المنتخب، ومن المحزن حقا أن تعجز هذه النخب السياسية عن استيعاب ما يمثله 22 فيفري حتى تبقى على نفس المطالب بعد ثمانية أشهر من ثورة سلمية مبهرة، ومحزن أكثر أن يفتح البيان الباب أمام إمكانية إجراء انتخابات بالشروط الحالية رغم الاعتراض عليها.
قد يجد البعض كثيرا من الأعذار لموقعي البيان وأولها الواقعية السياسية، وقد تكون الإشارات الضمنية التي نجدها في النص موضع خلاف في التأويل، لكن عبد العزيز رحابي أسعف الجميع بحوار نشره موقع أوراس، وفيه يتحدث عن الانتخابات كأمر واقع، بل إنه يعتبرها من ضمن المؤشرات على عدم الذهاب نحو الصدام حيث يقول "القطيعة مع النظام السابق ضرورية لكنها تنطلق من داخل المؤسسات وفي إطار قانوني، ناهيك عن ووجود انتخابات رئاسية تجري في ظروف لا أتمناها في ظل التضييق على العمل السياسي والصحفي"، ووجب التنبيه إلى أنه سيتم الاقتباس من حوار رحابي على اعتبار انه يمثل رأي أحد أهم الموقعين على البيان، وبالنظر إلى دوره في ندوة عين بنيان أيضا والتي لا تنفصل عن الجهود التي بذلتها النخبة السياسية في فرض الانتخابات كموضوع وحيد للنقاش السياسي بعد 22 فيفري، وهو الخيار الذي أوصلنا إلى الوضع الحالي من محاولة السلطة المرور بالقوة لتجديد واجهة نظام منتهي الصلاحية.
يتحدث رحابي عن الانتخابات وكأنها قدر محتوم، ولا يشير في أي موضع من الحوار إلى رفض الشعب للانتخابات، بل إنه يتوجه إلى من يسميه رئيس ما بعد 12 ديسمبر، ويبرر عدم مشاركته في الانتخابات بعدم توفر الشروط المذكورة آنفا، لكنه يقول " ذا لم تتقدم شخصية معارضة لخوض غمار هذه الانتخابات تضفي نسبة من المصداقية، وتركت الساحة السياسية فارغة لهم وحدهم يمكن القول أن الانتخابات انتهت قبل أن تبدأ، لأنها ستتحول إلى عملية إدارية لتمديد عمر نظام بوتفليقة ونكون في عهدة رئاسية خامسة، لذلك أنا أعيب شيئا ما على الطريقة التي تعاملت بها قيادة الجيش عندما تسرعت في استدعاء الهيئة الناخبة دون الوصول الى اتفاق سياسي شامل، قد تكون لديها معطيات لا نعرفها إلا أنها لم تتحدث عن أسباب تسريعها للعملية الانتخابية بسبب طبيعة النظام الجزائري المغلوق على نفسه"، وهو ما يترك الباب مفتوحا أمام إمكانية مشاركة شخصية من "المعارضة"، وهو يشير ضمنا إلى أن الظروف مختلفة الآن وقد لا يكون التزوير متاحا كما كان الحال في السابق حتى ولو بقيت الإدارة نفسها وحكومة بوتفليقة هي من تنظم الانتخابات : "الإدارة لا تزال كما هي، فلا يمكن أن تتغير في ظرف 7 أو 8 أشهر، وحكومة بوتفليقة التي نظمت انتخابات 2014 هي من تنظم الانتخابات اليوم، لكن حجم التزوير لن يكون بنفس الحجم في الاستحقاقات التي سبقت، لأنها تدرك أنها تحت مجهر المواطن اليوم، فبفضل الحراك الذي نقلنا من مرحلة الشعب يخاف السلطة إلى مرحلة السلطة تخاف الشعب".
سيجد من يطالع الحوار كل الصيغ الدبلوماسية لرجل حريص على ترك الباب مفتوحا أمام كل الاحتمالات، لكنه لن يجد أثرا للشعب وثورته، ولن يجد أي تحليل جدير بالزلزال الذي أتى على النظام يوم 22 فيفري وهو اليوم يخلخل ركائزه، ولن تنقذه هذه النوافذ التي تفتحها نخب بقيت مشدودة إلى تجربة مريرة في ممارسة السياسة جعلت هشاشتها مزمنة، ومن الحوار يمكن أن نفهم النفسية التي حركت صياغة ذلك البيان الذي نسي موقعوه أن يتركوا أبواب المكتب مشرعة حتى تصلهم أصوات المتظاهرين الهادرة لأنها أفضل معين على قراءة موازين القوى بشكل صحيح.

 

شوهد المقال 401 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عاشور فني ـ التاريخ الثقافي المقلوب ..الجزائر رسمت ابجديتها تاماهق

د. عاشور فني  على حجر عمقه آلاف السنوات أحاول أن أتهجى حروف اسمها. وامام خيمة تضيئها أشعة الشمس الأولى بعد الليلة الأولى بصحراء تادرارت
image

نجيب بلحيمر ـ العلاج بالحرية

نجيب بلحيمر   الأفكار لا تجابه بالسجن، والذين تزدري أفكارهم، أو تحسبهم جهلة، هم في النهاية يعتنقون فكرة مهما كانت مشوشة أو مشوهة. نعيش في مجتمع مغلق، ويحكمنا
image

السعدي ناصر الدين ـ زروال

السعدي ناصر الدين في اليوم الثاني من زيارتي بجاية حيث اقضي كل عام جزء من عطلتي السنوية توجهت مع الاولاد الى تيشي وقضينا يوما رائعا..عدنا
image

عثمان لحياني ـ بكل وضوح : عند رأي خبيه عندك

 عثمان لحياني  "عندك رأي خبيه عندك ، لا تكتبه في الفايسبوك، لا تخرج هن ولي الامر"..لن تستطيع المؤسسة الرسمية أن تكون أوضح من هذا الوضوح
image

رشيد زياني شريف ـ حتى لا يختلط علينا الأمر ونخطئ المعركة

رشيد زياني شريف   ما تطرقت إليه في منشورات سابقة وجديدة بشأن اللغة العربية وما يدور حولها من حديث وحروب، واعتبرتها فخا ومصيدة، لا يعني
image

محمد هناد ـ من وحي الحراك !

 د. محمد هناد  اعتبرني أحد المعلقين وكأنني اقترفت إثما عظيما بمقارنتي الحراك بحرب التحرير. ولعله، مثل الكثيرين، مازال يعتبر هذه الحركة، الضاربة في عمق
image

زهور شنوف ـ #الجمعة66 لا تختبروا صبر "الصبارة" أكثر!

 زهور شنوف    يوم الجمعة 10 جانفي 2020 التقطت هذه الصورة.. كانت تمطر يومها.. تمطر بغزارة، وهذا الشاب يقف تحت شجرة في شارع الشهيدة حسيبة بن
image

عبد الجليل بن سليم ـ نشطاء الحراك تشوه إدراكي إنحياز تأكيدي.. باش نفيقو

عبد الجليل بن سليم  منذ بدأ حراك الشعب و كل ما كتبته أو على الاقل حاولت كتابته كان نقد للنظام و سياساته و منذ عوام
image

وليد عبد الحي ـ عرض كتاب:ابن رشد وبناء النهضة الفكرية العربية(7)

أ.د . وليد عبد الحي يقع متن الكتاب الصادر عام 2017 في 305 صفحات (منها 20 صفحة مقدمة ومدخل) وتم تقسيمه الى 3 ابواب و
image

العياشي عنصر ـ الجيش؛ الجيل، التعليم والسياسة

 د. العياشي عنصر  عندما يطرح موضوع الجيش في الجزائر خلال المناقشات ، ويقع التطرق الى مكانته ودوره في الحياة السياسية عامة، وموقفه من الحراك الشعبي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats