الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ جمعة تحييد العنف وحماية الجزائر

نجيب بلحيمر ـ جمعة تحييد العنف وحماية الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. نجيب بلحيمر 

 

 

"حاشدة".. هذا هو الوصف الذي يمكن اطلاقه على مسيرات الجمعة الرابعة والثلاثين من الثورة السلمية. في العاصمة كما في مختلف مدن البلاد كان كل شيء يوحي بأن تجند الجزائريين لإنقاذ بلادهم من النظام المتهالك وصل مستويات لم يكن يتوقعها أحد بعد كل حملات التضليل التي مارستها النخب المنفصلة عن المجتمع، والمسفهة للشارع، وبعد حملة الاعتقالات التي كانت تبحث عن رأس الثورة لتقطعه، ولتبث بعد ذلك الرعب في قلوب الجزائريين، ورغم التعتيم الذي تمارسه وسائل الإعلام العمومية وملحقاتها الخاصة، ورغم الإصرار على فرض موضوع الانتخابات، وصعود المهرجين على الخشبة لأداء مسرحية الإلهاء الكبرى.
ازداد عدد الصور التي رفعها المتظاهرون بعد تمدد قائمة المعتقلين، وازداد المتضامنون الذي يرفعون صور من لا يقاسمونهم ميولهم السياسية وأفكارهم لكنهم يعتبرونهم رفاقهم في معركة تحرير الجزائر من نظام الفساد والاستبداد، وما اعتبرته السلطة رأسا مدبرا للمظاهرات قطعته ونقلته إلى السجن، تحول إلى حجة أخرى على أن هذه الثورة السلمية كلها جسد واحد، وكل سائر في الشارع هو الرأس والجسد، ومن لم يستوعب هذه الحقيقة سيضيع مزيدا من الوقت قبل أن يهتدي إلى طريق الحل الحقيقي الذي لا يمكن أن يبتعد عن الاستجابة لمطلب الشعب في تفكيك هذا النظام والانتقال إلى بناء الجزائر الجديدة.
هتف المتظاهرون منددين بالعنف الذي سلط على الطلاب يوم الثلاثاء الماضي، وأكدوا مرة أخرى انهم جسد واحد، وأنهم بسلميتهم وكثرتهم، لن يسمحوا لهذا النظام بالتقاط ورقة العنف مرة أخرى وهم الذين حيدوها بذكائهم وإصرارهم منذ الثاني والعشرين فيفري، ولن يكون هناك من سبيل لحرف هذه الثورة السلمية عن مسارها، أو دفعها لتغيير أسلوبها، والتخلي عن سلاحها الأمضى "السلمية"، وبهذا الإنزال بعث الجزائريون برسالة واضحة إلى السلطة تفيد أن عهد الاستفراد بالمناضلين وتخويف الناس بالسجن ولى إلى غير رجعة، رسالة اختصرها أحد المتظاهرين عندما رفع لافتة كتب عليها "السجن أحب إلينا مما تدعوننا إليه"، وبهذا التصميم تكون خطة الاعتقالات قد فشلت فعليا ووجب التفكير في بديل آخر لأن رفض الانتخابات يزداد وضوحا، والمتظاهرون ماضون نحو إفشال هذا المرور بالقوة.
في الشارع سقطت نظريات "النخبويين"، وتحليلات "الحكماء"، واكتشف أصحاب النظرة الاستعلائية الذين طالما احتقروا الشعب وسفهوه، أن هؤلاء السائرين ليسوا مجرد دهماء تتلاعب بها الشبكات والأجهزة الحزبية، بل يعرفون جيدا ما تريده السلطة المأزومة من خلال سعيها لتمرير قانون المحروقات الجديد، ولذلك فقد أصدروا حكمهم غير القابل للاستئناف بالخيانة على كل من يتورط في بيع الجزائر، ومن اليوم هم يضربون للبرلمان موعدا الأحد القادم، وعلى الذين يجتمعون للنظر في القانون المذكور أن يختاروا مصيرهم بأيديهم.
الجمعة الرابعة والثلاثين مؤشر قوي على ما يمكن أن تكون عليه جمعة أول نوفمبر، استدعاء لرموز ثورة تحرير، وشهدائها، وروحها، وإصرار على عدم التفريط في الفرصة التاريخية التي تمثلها الثورة السلمية، أما الذين اختاروا السير على هامش التاريخ، فسيكتشفون قريبا جدا أنهم ماضون على طريق مأزق كبير، وأن أمامهم فرصة للعودة من قريب ما دام أبواب التوبة مشرعا، وصدر الشعب مفتوحا لكل عائد إلى جادة الصواب.

 

شوهد المقال 187 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ ويوم يعض الناخب على يديه .. ويقول يا ليتني لو اتخذت مع الشعب سبيلا ..

 د. العربي فرحاتي  انتخبوا أو لا تنتخبوا ..قبلتم بهؤلاء الخمس أم لم تقبلوا ..هم من العصابة أم من غير العصابة لا يهم ..هم من أحزاب
image

مخلوف عامر ـ عز الدين ميهوبي تَحْيا السلطة، يموت الشعر

د. مخلوف عامر  غَرضُ المدح شائع في الأدب العربي ما جعل كثيراً من الدارسين يعدُّونه صفحة سوداء في تاريخ هذا الأدب.لكن الشعراء يتفاوتون في
image

حميد بوحبيب ـ ضرورة التفكير فيما بعد 12 دوجمبر

د. حميد بوحبيب  التركيز المطلق على ضرورة إفشال الانتخابات وكأنه المطلب الجوهري الوحيد للحراك ، قد يؤدي بنا إلى خيبة كبيرة بعد 12 دوجمبر .علينا جميعا
image

ناصر جابي ـ لماذا لن أشارك في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

 د. ناصر جابي   لن أكون الوحيد الذي لن يشارك في هذه الانتخابات ـ اللغم التي دعت إليها السلطة في الجزائر. الكثير جدا من الجزائريين
image

رضوان بوجمعة ـ سلطة ضد الدولة وأمة تقاوم تفكيك الدولة!

 د. رضوان بوجمعة الجزائر الجديدة 140 تعيش الجزائر في هذه الأيام حربا نفسية منظمة تستخدم كل الوسائل والأدوات لفرض اقتراع مرفوض شعبيا ويراد فرضه أمنيا
image

يسين بوغازي ـ من الطغم الكلاسيكية الى طغم ما بعد الحراك؟

يسين بوغازي  ليس سهلا  هذا التناول على الاطلاق ، لكني سأخوض فيه مستعينا بتحولات جديدة للكثير من المفاهيم  التي غدت تنطبق على كيانات لم
image

محمد هناد ـ بعد 12/12، لن تقوم الساعة ! سلمية... سلمية ! حذار من اعتراض سبيل من أراد التصويت !

 د. محمد هناد    إن جرت الانتخابات كما هو مقرَّر لها، ستكون نسبة المشاركة فيها مخزية، لكن أبواق السلطة قد بدأت تستعد للرد على
image

ستار سامي بغدادي ـ ايران مستمرة في اذية العراق

ستار سامي بغدادي   ليس في ثقافتي شيءّ من الكراهية صديقتي ، لم تُعلمني إياها أمي ، ولم يكن أبي يسمح بذكرها فنسيتها تماماً ..الحب وحده
image

نجيب بلحيمر ـ وحدها السلمية ستقبر نظام العنف

نجيب بلحيمر  كثير من الدروس تتهاطل علينا هذه الأيام، يدور معظمها حول حرية الرأي، والديمقراطية، ونبذ العنف، أما المناسبة فهي تصاعد أشكال الرفض
image

نهاد مرنيز ـ الصحافة الجزائرية هي صحافة "قُروب الساعة"

 نهاد مرنيز   الصحافة الجزائرية هي صحافة "قُروب الساعة" بامتياز كما سماها زميلي محمد دلومي ...لا تُفرق بين قراءة أسئلة جاهزة من ورقة يُكرر ترديدها

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats