الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ العنف.. غواية قاتلة

نجيب بلحيمر ـ العنف.. غواية قاتلة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

قمع غير مسبوق سلطته قوات الشرطة على المشاركين في مسيرة الطلبة الثلاثاء الماضي، انتهى الأمر بوضع طالب وخمسة مواطنين شاركوا في المسيرة تحت الرقابة القضائية في حين تم إطلاق سراح نحو عشرين آخرين تعرضوا للاعتقال، كما تعرض المتظاهرون للضرب والتعنيف، وهي مشاهد كانت قد حدثت يوم السبت أيضا، ولم تستثن الصحافيين الذين كانوا يقومون بعملهم، عندما نظم مواطنون تجمعا في ساحة الشهداء إحياء لذكرى أحداث أكتوبر 1988، وفي الحالتين ظهر واضحا أن القمع تحول إلى خيار قد تلجأ إليه السلطة خلال الأيام القادمة، وهو جزء من الإجراءات المتخذة من أجل فرض الانتخابات في التاريخ المعلن.
لا يمكن النظر إلى العنف الذي سلط على المتظاهرين السلميين خارج سياق حملات الاعتقال التي طالت المتظاهرين والنشطاء والمناضلين، والتضييق على وسائل الإعلام والضغط عليها من أجل الامتناع عن تغطية المظاهرات منذ أشهر، وإقصاء كل الأصوات المعارضة من الظهور عبر وسائل الإعلام العمومية وقنوات التلفزيون الخاصة، ويضاف إلى ذلك التدخل الفج في عمل القضاء الذي يخضع للضغط بحسب آخر بيان صدر عن نقابة القضاة، وتؤكد الشهادات التي أدلى بها محامون في ندوة صحافية عقدوها الاثنين أن الوضع الحقوقي يمر بمرحلة عصيبة.
تبدو هذه الصورة القاتمة غير متناسبة تماما مع الخطاب الرسمي الذي يفاخر باستمرار بتحرر القضاء بعد القضاء على "العصابة"، وأكثر من هي لا تنسجم إطلاقا مع الوضع الذي يفترض أن الثورة السلمية قد أفرزته بعد ثمانية أشهر من المظاهرات في مختلف مدن البلاد، فمن الناحية النظرية كان يفترض أن نكون الآن في وضع أكثر تحررا لكن الواقع أن أجواء من الخوف تسيطر على الحياة العامة بسبب الاعتقالات العشوائية، والتضييق على الحريات، والإسراف في اللجوء إلى الحبس المؤقت الذي تحول إلى قاعدة، والأحكام القاسية، والمتناقضة في بعض الحالات، بتهم قال قضاة إنها أصلا غير موجودة قانونا كما هو الأمر مع تهمة رفع الراية الأمازيغية التي حكم على أحد المتابعين بها في قسنطينة بالسجن سنة نافذة، رغم أن قاضية في عنابة كانت قد برأت شابا في شهر أوت الماضي من نفس التهمة وأمرت بتسليمه الراية باعتبارها ليست من الممنوعات قانونا.
قد نجد القراءة السياسية لهذا الجنوح إلى العنف من جانب السلطة في السعي إلى فرض الانتخابات وإجراءها في التاريخ المعلن، لكن السلطة لم تكن لتجرؤ على الأخذ بهذا الخيار وهي تواجه ضغطا شعبيا، ومظاهرات مستمرة، لو لم يتوفر لها غطاء، ولو لم تشعر بأن هناك ضمانات تجعلها في مأمن من أي مساءلة.
لقد سار التضييق على المتظاهرين في العاصمة بغلق مداخل المدينة، وغلق أهم ساحاتها وشوارعها، جنبا إلى جنب مع خطاب سياسي تبناه جزء من النخبة ( أحزاب وصحافيون وأساتذة جامعات ومثقفون) يقوم على الزعم بأن هناك جهات تتلاعب بالمتظاهرين وتوجههم، وقد تم ربط مظاهرات العاصمة تحديدا ( والتي صارت تختزل في ساحة أودان والبريد المركزي رغم غلقهما من طرف قوات الشرطة منذ أشهر) بمن يسميهم الخطاب الرسمي "العصابة"، وتم التركيز على العاصمة تحديدا دون غيرها من المدن، رغم تماثل الشعارات والمطالب في جميع مدن البلاد، بما يؤكد الرغبة في كسر الثورة السلمية في أهم مدن البلاد ليسهل القضاء عليها في بقية المدن، وقد لعب هذا التشكيك، والتلويث الذي قامت به هذه النخب، دورا حاسما في استعادة السلطة لزمام المبادرة وشجعها على فرض الانتخابات بعد أن فرضت حوارا على المقاس.
اختارت هذه النخب منذ البداية الانتصار لأنانياتها، ونظرتها الإيديولوجية الضيقة، أو حساباتها الانتخابية، ولم تجد أي حرج في الاصطفاف خلف سلطة تسعى إلى تمديد عمر نظام متهالك، ولم تتخذ، إلى اليوم، الموقف الذي يفرضه الواجب الأخلاقي، والالتزام السياسي للتعبير عن رفض القمع، وعمليات الاعتقال العشوائية، والتضييق على الحريات، والخرق الفاضح للقانون، والتدخل في عمل القضاء والاستمرار في استعماله كأداة سياسية من قبل السلطة القائمة، ويعكس الصمت على هذه التجاوزات حالة متقدمة من الإفلاس الأخلاقي تضاف إلى الإفلاس السياسي الذي كشفته الثورة السلمية، والذي يريد البعض تداركه اليوم من خلال بيانات بائسة تدعي إسداء النصح للسلطة لكن دون الجرأة على تذكيرها بما ترتكبه من تجاوزات، وهكذا استفادت السلطة من نخب مفلسة بررت التضييق على الحريات، وهي بسكوتها على القمع تقدم الغطاء نحو مزيد من الانزلاق نحو أسوأ الخيارات الذي لا يمنعنا من الوقوع فيها إلا تمسك المتظاهرين بسلميتهم، ورفضهم الوقوع في فخ الاستفزاز.
على صعيد آخر يبدو أن السلطة تقرأ الموقف الخارجي على أنه رسالة واضحة تفيد بغض الطرف عن كيفية تسيير الوضع، فالبيان الصادر عن الاتحاد الأوروبي تم تأويله على أنه دعم صريح لخيار الانتخابات بالشروط التي تفرضها السلطة، وربما تم تأويله على انه قبول بالطرق التي ستعتمد لإسكات معارضي الانتخابات، وانطلاقا من قراءة ساذجة للوضع الدولي تكون السلطة قد استنتجت أن إلغاء قاعدة 59 /41 واعتماد قانون المحروقات الجديد بما يخدم مصالح الشركات النفطية سيضمن إسكات الخارج نهائيا، خاصة إذا وصلت بعض الأصداء عن موقف أمريكي شبيه بالموقف الأوروبي، لكن هذه القراءة سطحية، وفيها كثير من التضخيم للأثر الذي ستتركه القرارات المذكورة على مصالح القوى الكبرى.
إن قراءة جدية ومسؤولة لتداعيات أي خيار تفرض نفسها في الظرف الحالي، وخيار اللجوء إلى العنف تحديدا يجب التفكير ألف مرة قبل الوقوع تحت إغراء استعماله، وهنا يجب التنبيه إلى أن أكبر عدو للمصالح الخارجية (الاقتصادية منها على وجه التحديد) في أي دولة هو عدم الاستقرار (على المستويات السياسية والأمنية وحتى التشريعية)، لكن قبل هذا سيكون تكريس أزمة الثقة في النظام السياسي أكبر خسارة لا يمكن لأي دعم خارجي أن يعوضها، وفي حالة النظام الجزائري، الذي اصبح تغييره مصلحة وطنية باعتبار انه بات يشكل خطرا على استمرار الدولة، فإن اللجوء إلى العنف سيكون بمثابة انتحار حقيقي يجلب عليه لعنة الداخل والخارج في آن واحد.

 

شوهد المقال 648 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خلجات ...علاء الأديب

دلوني على بلاد لا تجف فيها الأنهار. ولا يحترق فيها القمح ولا يعيش فيها الانسان مهان ولا يموت فيها كموتة الديدان دلوني على بلاد أنام
image

حتى لا يستمر الخذلان

قال الشاعر الشيعي وهو يعبر عن الشيعة، ( أنا شيعي وعندي قصة ويه الحسين ) وما ظهر لي من قصة الشيعي مع سيدنا الحسين رضي
image

فروسية - قصة قصيرة

قصة قصيرة لم يسبق لى أن امتطيت خيلا ولا تعلمت الفروسية، ولا رأيت فارسا فى الحقيقة رغم مقابلتى لكثير من الخيول بحكم تواجد الخيل
image

سماسرة : منظومة الفساد ومافيا تصاريح العمل تستغل العمال الفلسطينيون الى حد العبودية!!

د.شكري الهزَّيل **فلسطيني عن فلسطيني يفرق وعلى جميع السماسره الفلسطينيون على ضفتي الوطن المُحتل ان يخجلوا من السمسرة واستغلال احوال اخوانهم واخواتهم العمال الفلسطينيون اللذين
image

أسباب انخفاض حماسة الشبان الإسرائيليين للالتحاق بالجيش بقلم : حماد صبح

يتوجع عسكريون وساسة إسرائيليون من انخفاض حماسة الشبان الإسرائيليين للالتحاق بالجيش ، في دولة قيل عنها يوما إنها جيش له دولة . ومن أشد العسكريين
image

هل الولايات المتحدة دولة إرهابية ؟! ترجمة : حماد صبح

لا مفر من الإجابة : نعم ، أميركا دولة إرهابية . غالبا ما تشير كلمة " الإرهاب " إلى هجمات عنيفة منظمة على
image

لا لمُعدل أقل من عشرة في البكالوريا والجامعة ليست مكانا للهو.

مبارك لكل الناجحين والناجحات في بكالوريا هذه السنة التي صنعت الإستثناء للمرة الثالثة على التوالي بتبني وإقرار مُعدل 9,5للظفر بالباك أو الثانوية العامة كما يُطلق
image

ما وراء الجدار!!

  د.شكري الهزَّيل في طفولتي المشاغبة لم اترك شئ لم اكتب او ارسم عليه رسمة ما,كتبت على الرمل والحيطان والاشياء وحجارة الرغمون وكنت دائما اشعر اني
image

تحت عجلة التدوير...الشاعرة ريم النقري ..سوريا

أنا لا أكتب الآن بل أتخيّل بطولاتكم على وقع مزامير عقمكم قد تصبحين دمية كبيرة زاحفة باتجاه الموج تترسّب عليها الكثير من
image

دستور نوح فيلدمان يلفظ أنفاسه، وتونس جزء من الأمة بجناحيها العربي والإسلامي

  في كتابه "سقوط وصعود الدولة الإسلامية" الصادر سنة 2008 يقول البروفيسور الأمريكي نوح فيلدمان أن على الإدارة الأمريكية دعم الجماعات الإسلامية في البلاد العربية والتحالف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats