الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ لا معجزة لإنقاذ الانتخابات

نجيب بلحيمر ـ لا معجزة لإنقاذ الانتخابات

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

"لا زلت عند قناعتي بأن متطلبات المرحلة لا يمكن الاستجابة لها بمجرد وعود. هي تتطلب التزامات أكثر صراحة، أكثر قوة، أكثر شساعة، وأكثر شمولا".

بهذه الكلمات المباشرة التي وردت في بيان مقتضب، برر مولود حمروش رفضه الترشح لانتخابات الرئاسة، ومن خلال هذه العبارات يمكن قراءة الموقف من الانتخابات ككل، وهي بهذا لا تتوجه إلى الذين طالبوا حمروش بالترشح فحسب، بل تمثل ردا على كل الذين اعتقدوا بأن هذه الانتخابات يمكن أن تشكل فرصة تاريخية يستطيع من خلالها تجسيد المطالب التي ترفعها الثورة السلمية منذ ثمانية أشهر.
لقد اعتقد البعض أن الانتخابات يمكن أن تكون بداية لعهد جديد، وقد حاول هؤلاء المتحمسون تجاهل المؤشرات التي تخبر عن مآل هذه الانتخابات، من غلق كامل لوسائل الإعلام أمام الرأي المختلف، وحملة الاعتقالات التي تشيع أجواء من الخوف، وخطاب رسمي غارق في التخوين والإقصاء والتهديد، وتضييق على الحريات الفردية والجماعية، وضغط مباشر على القضاء اعترفت تحدثت عنه نقابة القضاة علنا، بالإضافة إلى الطريقة التي تم بها تمرير تعديل قانون الانتخاب والقانون الخاص بإنشاء سلطة الانتخابات، وتشكيلة هذه النخبة، تجاهل المتحمسون للانتخابات كل هذه المؤشرات واختاروا التبشير بإمكانية بروز مرشح يدعمه الشعب بالتصويت عليه، وبالانخراط في مراقبة العملية الانتخابية عبر مراحلها كافة، أو بدعوة شخصية من "الوزن الثقيل" للترشح كما فعل بعض أنصار مولود حمروش.
كانت هذه الأفكار والمقترحات محاولات للالتفاف على المشكلة الحقيقية بدل التركيز على حل حقيقي يؤدي إلى تجسيد المطلب الذي يحقق الإجماع وهو تغيير النظام، وبصرف النظر عن النوايا التي حركت أصحاب هذه الرؤية فإن مساعيهم كرست التعامل مع الانتخابات كهدف في حد ذاتها، وهي الرؤية التي يعبر عنها الخطاب الرسمي بوضوح، وتأكدت من خلال الطريقة التي أعلن بها رئيس الأركان قرار استدعاء الهيئة الناخبة في خطاب ألقاه يوم 02 سبتمبر وقال فيه إنه من "الأجدر استدعاء الهيئة الناخبة يوم 15 سبتمبر"، قرار تم ترسميه فعليا من خلال خطاب ألقاه عبد القادر بن صالح بصفته رئيسا للدولة في 15 سبتمبر، ومنذ ذلك الحين يجري تقديم الانتخابات التي حدد تاريخ إجرائها يوم 12 ديسمبر كأولوية، ولم يسمح بأي نقاش جدي في وسائل الإعلام حول مدى توفر شروط إجراء انتخابات في تلك الفترة.
يقوم الخطاب الرسمي على اعتبار الانتخابات مصلحة وطنية، ومن وجهة النظر هذه فإن تهمة المساس بالمصلحة الوطنية ستطال جميع من يدعو إلى مقاطعة هذه الانتخابات، وقد يدخل هؤلاء تحت طائلة الوعيد الذي أطلقه رئيس الأركان في خطابه الأخير عندما قال إن كل من يعرقل الانتخابات يكون قد ظلم نفسه، وقد يبقى فعل العرقلة هذا مفتوحا ليشمل الكتابة والنشر والتظاهر أمام مكاتب الاقتراع، ومقاطعة العمل في المكاتب، وغيرها من الأفعال التي يمكن أن يعبر من خلالها الجزائريون عن رفض هذه الانتخابات، والمفارقة هنا هي أن الرافضين لاقتراع 12 ديسمبر يبررون موقفهم بالدفاع عن المصلحة الوطنية.
عندما يسعى الشعب إلى استعادة سلطته، وتجسيد إرادته، فإنه بالضرورة يعيد صياغة مفهوم المصلحة الوطنية، وينهي احتكار السلطة القائمة لتعريف هذه المصلحة واتخاذ القرارات، وتبرير السياسات باسم الدفاع عن هذه المصلحة الوطنية أو تحقيقها، وقضية الانتخابات اليوم تؤكد هذا التناقض في وجهات النظر بين السلطة القائمة وقطاعات واسعة من المجتمع، فضلا عن كثير من الأحزاب والجمعيات والنخب، والتي تعتبر أن الانتخابات في الظروف القائمة وبالشروط المتوفرة الآن، يمكن أن تدفع البلاد نحو مأزق حقيقي، وقد جاءت مواقف الأحزاب الرافضة للمشاركة في الانتخابات، وهي أحزاب تتوزع على تيارات متباينة، وإحجام شخصيات عن الترشح رغم الدعوات التي تلقتها من أنصارها، لتؤكد أن الشارع ليس وحيدا، وأن الموقف المعبر عنه في المظاهرات ليس معزولا، ولا يعكس رأي جهات سياسية أو تيارات، أو شبكات، استطاعت أن تخترق الشارع وأن تحرفه عن أهدافه لتجعله في خدمة أجندة سياسية وإيديولوجية معينة، بل يعكس مخاوف مشروعة من تجديد واجهة النظام وتأجيل التغيير إلى مرحلة بما يرفع الثمن الواجب دفعه ويزيد المخاطر التي يتعين على البلاد مواجهتها.
مع مرور الوقت يبدو إجراء الاقتراع في التاريخ المحدد أكثر صعوبة، ولا يعني هذا سقوط احتمال فرض الانتخابات الذي يبقى قائما، لكن العجز عن جلب مرشحين مقنعين يمثل علامة مبكرة على الفشل في منح المصداقية المطلوبة، وفي إحداث الإثارة، بل إن الأعداد الكبيرة من المرشحين، وارتباط أكثرهم شهرة بعهد بوتفليقة، جعل العملية كلها مثار شك وسخرية.
اختار حمروش أن يشكر من طلبوا منه الترشح دون أن ينسى تذكريهم بأن التزامه سيبقى كاملا، وأمله، كما أملهم يبقى قائما، ولعل الأمل هنا هو في أن تجد دعوته إلى بناء توافق آذانا صاغية لدى من يعنيهم الأمر، لكن الواضح أن الرجل مقتنع، مثل أولئك الذين يتظاهرون كل ثلاثاء وجمعة في مختلف أنحاء البلاد بأن الانتخابات لن تكون الاستجابة الأفضل للثورة السلمية المستمرة، وهذا في حد ذاته يدعونا إلى الانتباه إلى أن التوافق المقصود بناؤه لا علاقة له بمرشح توافقي الذي يراد له أن يكون نظيرا لمرشح الإجماع الذي استولى على الحكم في 1999 بإرادة السلطة وقاد البلاد إلى الخراب الذي نعرفه جميعا.
إن التوافق الذي يراد له أن يكون مدخلا للتغيير السلس والآمن، والذي يأتي عبر حل متفق عليه وبمشاركة فعلية وفعالة من الجيش، لا يشبه في شيء التوافق على مرشح لانتخابات فاقدة لمعايير النزاهة والإنصاف، ولا يمكن لها إلا أن تمنحنا رئيسا ضعيفا، ومثلما كان السطو على فكرة الحوار وإفراغها من محتواها، فإن فكرة التوافق يتم تشويهها الآن لتطرح كخدعة لتمرير الانتخابات.
تتراكم المؤشرات على عزلة السلطة التي لم تجد من سند غير شبكات الدعم التي اعتمد عليها بوتفليقة من أحزاب الموالاة والجمعيات والتنظيمات المرتبطة بها، وبدل البحث عن خيارات أكثر واقعية اختارت السلطة خطاب التهديد والتخويف، خطاب يرد عليه الجزائريون بمزيد من الاحتماء بالشارع وبتجديد الرفض لسياسة الأمر الواقع، وهم اليوم أكثر تمسكا بأمل تتقاسمه معهم شخصيات طالما حظيت بالاحترام.

 

شوهد المقال 778 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ حوار حول الأمازيغية ..المتجدد للإلهاء

د. العربي فرحاتي  " القايد " صاحب خطاب الثكتات وقد أفضى إلى ما قدم..أدخل الجزائريين في نقاش هامشي حول الراية الثقافية الامازيغية وربطها بالعلم الوطني..وأثار فتنة
image

وليد عبد الحي ـ نماذج التنبؤ بعدم الاستقرار السياسي

أ.د.وليد عبد الحي تشكل ظاهرة عدم الاستقرار السياسي احد الظواهر التي يوليها علم السياسة اهتمامه الكبير،وتتعدد اشكال ومستويات وحدة ومدة ظاهرة عدم الاستقرار السياسي، وقد بدأت
image

مرزاق سعيدي ـ واقع لا نراه!

مرزاق سعيدي  في الآونة الأخيرة، لاحظت وجود «ظاهرة إعلامية» لها حدّان، كلاهما غريب، وكلاهما مرتبط بـ»واقع» نراه، أو نقرؤه، أو نشاهده في التلفزيون.الظاهرة على شذوذها، وقلّة
image

ثامر ناشف ـ بين قدسية اول نوفمبر54 و"وعد عرقوب" وجوب إسقاط دستور الخيانة ب (لا)!

د. ثامر ناشف  لقد دأب في مفهوم نشأة الدول والامم سياسيا الاستناد لوثيقة تعتبر مرجعية في تأسيس الدول والاحتكام إليها في صناعة دساتيرها وقوانينها الملحقة وذلك
image

وليد عبد الحي ـ حماس : الطريق الى جهنم معبد بالنوايا الحسنة

أ.د.وليد عبد الحي تنبئ اجتماعات تركيا بين الفصائل الفلسطينية ، وقبلها اجتماعات بيروت، وسلسلة البيانات والتصريحات من القيادات الفلسطينية خلال الايام القليلة الماضية عن فصل
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكل مرض وصفة علاج Jürgen Habermas فعال

د. عبد الجليل بن سليم  حراك الشعب لم يثر ضد نظام له توجه ايديولوجي بالعكس النظام الجزائري يستعمل شيء أخطر من إلايديولجية و هو إستعمال وسائل
image

رضوان بوجمعة ـ من ديسمبر الانتحار إلى نوفمبر الإنكار والاحتقار

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 186 تظهر كل المؤشرات أن السلطة تسير عكس التيار، وهي لم تفهم ولا تمتلك أدوات فهم حركية المجتمع منذ 22 فيفري
image

عثمان لحياني ـ النظام..دورة حياة ثانية

عثمان لحياني   وفرت الانتخابات الرئاسية الماضية جرعة أوكسجين للنظام والمؤسسة الحاكمة ، كانت في غاية الحاجة اليها ، بعدما كان الحراك قد خنقها الى الحد الذي
image

حميد بوحبيب ـ تداعيات العدم

د. حميد بوحبيب           
image

بشير بسكرة ـ ذكريات مع حراك 22 فيفري

بشير بسكرة  لا يزال ذلك اليوم عالقا في الذاكرة. أستذكره بكل تفاصيله كأنه حدث بالأمس، و أنا اليوم أعيش أثره النفسي و الفكري بكل فخر ..

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats