الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ فخ الانتخابات.. حسابات الربح والخسارة

نجيب بلحيمر ـ فخ الانتخابات.. حسابات الربح والخسارة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

بسرعة خارقة سارت عملية الدفع باتجاه تنظيم الانتخابات، وقد كان لخطاب رئيس الأركان الذي ألقاه يوم 02 سبتمبر والعبارة التي تضمنها "من الأجدر استدعاء الهيئة الناخبة يوم 15 سبتمبر" مفعول السحر على سير عمل هيئة الحوار التي سارعت إلى الإعلان عن نتائج عملها، وبعدها تم تمرير القانون الخاص بإنشاء السلطة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات، والتعديلات التي أدخلت على قانون الانتخاب في آجال غير مسبوقة وبارتكاب خروقات قانونية فصل فيها الخبراء.

 

ماذا يعني تمرير قرار الانتخابات بهذه الطريقة ؟ 
من الناحية السياسية نحن أمام سياسة فرض الأمر الواقع، وهذا يحدث الآن على مستويين: الأول هو أن السلطة الفعلية تريد أن تضع نفسها أمام أمر واقع معتقدة أنها من خلال ذلك ستخلق ظروفا جديدة، فعدم إعلان تاريخ لتنظيم الانتخابات يبقي الوضع مفتوحا على كل الاحتمالات، ويجعل النقاش السياسي يتناول خيارات أخرى غير خيار الانتخابات السريعة، وعلى هذا الأساس رأى رئيس الأركان أن الحل يكمن في إعلان تاريخ محدد وإرغام الجميع على العمل من أجل بلوغ هدف تنظيم الانتخابات في الأجل المحدد، وما يعزز هذا التصور على مستوى الواقع هو الإسراع في إنشاء السلطة المستقلة عن طريق التعيين، وبالاعتماد على جهات حزبية، وباللجوء إلى أحزاب الموالاة وشبكات دعم بوتفليقة في استقطاب أعضاء هذه السلطة على المستوى المحلي، وكل هذا يؤكد أن الأولوية هي إيجاد السلطة وليس الحرص على كيفية أداء دورها بما يعطي مصداقية للعملية الانتخابية.
هذا يقودنا إلى الحديث عن المستوى الثاني من سياسة الأمر الواقع، ويتعلق بالعلاقة مع الشارع، فالسلطة تعتقد أن فرض الانتخابات سيؤدي إلى إشاعة حالة من اليأس، وسيزيد من الانقسام، غير أن السلطة لا تريد أن تنتظر ولذلك فقد سبقت الإعلان عن تاريخ تنظيم الانتخابات بتوسيع حملة الاعتقالات لإشاعة الخوف في صفوف المتظاهرين، والتقليل من أعدادهم، وتنطلق السلطة من الاعتقاد بأن هناك عناصر فاعلة في الشارع يمكن أن يؤدي تحييدها إلى إضعاف المظاهرات والتقليل من عدد المشاركين فيها، وهذا أمر لا علاقة له بالواقع، لأن اعتقالات سابقة لم تحقق هذا الهدف، كما أن حدة رد الشارع كانت في كل مرة تتصاعد مع تصعيد الخطاب الرسمي، والجمعة الأخيرة كانت مؤشرا صريحا على ذلك.

 

 

كيف يمكن للانتخابات أن تنجح ؟ 
جزء من الإجابة على هذا السؤال نجدها في مآل انتخابات 04 جويلية التي تم إلغاؤها بحجة عدم وجود مرشحين، وهذا يعني أن الانتخابات القادمة لا بد لها من مرشحين، وإلى حد الآن نحن لدينا مرشح واحد متحمس هو علي بن فليس، وشعبيته محدودة، وقد هاجمه الشارع بشدة بعد أن أعلن تأييده لخيار الانتخابات بالطريقة التي تريدها السلطة، وهناك مشكلة أخرى، وهي أن بن فليس صار اسمه متداولا كمرشح للسلطة، وهذا يزيد في ضرب مصداقية العملية الانتخابية.
من دون بن فليس لم تبد أي شخصيات ذات وزن ثقيل رغبتها في المغامرة، أكثر من هذا خرج من يحذر من أن المسار الحالي وما يجري على الأرض لا يشجع الجزائريين على الذهاب إلى الانتخابات، والأمر هنا لا يتعلق برفض الانتخابات كخيار بل يعكس الخشية من الثمن السياسي الذي سينجر عن المشاركة فيها في ظل غليان الشارع وتصميمه على رفض سياسة الأمر الواقع، ثم إن الفترة الفاصلة بين إعلان استدعاء الهيئة الناخبة ونهاية فترة تقديم الملفات سيترك مجالا واسعا للمناورة سيحاول الجميع استغلاله، وهو ما يعني أن القرار بالمشاركة لن يصدر بسرعة وهذا قد يدفع الشارع إلى مزيد من الإصرار على التظاهر السلمي والإيمان بقدرته على قلب ميزان القوة لصالحه.
بعد المرشحين يأتي عامل المشاركة، وهذا العامل يعطي الجزائريين ورقة مهمة هي المقاطعة، ورقة لا تكلف شيئا وقد تم التلويح بها في المظاهرات بشعارات مقتضبة وواضحة من قبيل "فوطي وحدك"، وتبدو السلطة مستعدة لهذا الاحتمال حيث بدأت أبواقها الإعلامية حملة مبكرة لتبرير نسب مشاركة ضعيفة بحجة أن نسب المشاركة في الديمقراطيات الكبيرة في العالم هي دون الخمسين بالمائة عموما، والحقيقة أن نسبة مشاركة ضعيفة ستؤدي إلى تعميق أزمة نظام الحكم وتفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدا، لأن الانتخابات التي تريد السلطة فرضها يجري تسويقها، في الداخل كما في الخارج، على أنها ستؤسس لنظام سياسي جديد، وهو أمر يتطلب دعما شعبيا صريحا للرئيس المنتخب، وإجماعا على نزاهة العملية والاعتراف بنتائجها، وهي شروط يستحيل توفيرها بالنظر إلى الطريق الذي سلكه المسار منذ البداية.

 

 

أي خيارات أمام "المعارضة" ؟ 
الطريقة التي فرضت بها الانتخابات أفرغت المطالب التي رفعتها بعض أحزاب المعارضة من محتواها، فالسلطة الوطنية للانتخابات بتشكيلتها وكيفية إنشائها، وتعديل قانون الانتخابات، بالكيفية التي مرر بها، لا يمكن للمعارضة القبول بهما لأن ذلك يمثل ضرب لمصداقيتها، بل إن اختزال أهداف الثورة السلمية في هذه المطالب كان خدمة جليلة قدمتها هذه الأحزاب للسلطة، وهو يكشف عن قصور كبير في إدراك حقيقة ما يجري في المجتمع وما يريده الجزائريون فعلا.
القبول بما جرى فرضه يقتضي المشاركة في الانتخابات وهذا خيار انتحاري من الناحية السياسية، وبصرف النظر عن مدى قدرة السلطة على تنظيم الاقتراع وفرض نتائجه، فإن الآثار السياسية لن تتوقف عند هذه المحطة، ومن هنا فإن المعارضة قد تكون أمام فرصة أخيرة لتصحيح قراءتها للواقع، واستدراك أخطائها قبل أن تصبح جزءا من النظام الذي أصبح استمراره أمرا مستحيلا.

 

 

ماذا عن الشارع ؟ 
الطرف الذي يبدو الآن في موقع قوة هو الشارع، فقد أثبتت خيارات السلطة أن هدفها هو تمديد عمر النظام، وأن الانتخابات التي تحول تنظيمها إلى هدف هي أداة هذا التمديد، وهذا يعزز قناعة الجزائريين بأن مواصلة الضغط عن طريق التظاهر السلمي هو خيارهم الوحيد لإجهاض هذه العودة لرموز عهد بوتفليقة، ولاستمرار ممارسات النظام، وأكثر من هذا فإن التمسك برفض أنصاف الحلول اكتسب اليوم مزيدا من المصداقية بالنظر إلى سيطرة زبائن النظام على العملية وعلى كل المستويات.
تحديد تاريخ الانتخابات يعطي للمتظاهرين هدفا واضحا يعزز وحدتهم، وسيكون هدفهم إجهاض محاولة المرور بالقوة هذه، وكل جمعة ستقربهم من هذا الهدف، تماما مثلما حدث مع الموعدين السابقين الذين أبطلهما الشارع، وإلى ذلك الحين سيكون على الآخرين البحث عن مخارج أخرى.

 

شوهد المقال 519 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats