الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ الدعاية والكراهية لإسكات الحقيقة

نجيب بلحيمر ـ الدعاية والكراهية لإسكات الحقيقة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

كان يوما مروعا، لا يشبه في شيء الحادي عشر من سبتمبر 2001 الذي غير وجه العالم بعد تلك الهجمات على نيويورك وواشنطن، لكنه كان حادي عشر سبتمبر جزائري، حيث القصف بالخطب، وبالحرب الدعائية والنفسية التي تقودها وسائل الإعلام العمومية والخاصة من أجل تمرير الانتخابات الرئاسية بكل الوسائل، لأن الانتخابات صارت هدفا مقدسا باعتبارها الوسيلة الوحيدة لكسر الثورة السلمية وإجهاض المشروع الوطني الذي تحمله.
عندما كان رئيس أركان الجيش يخطب من مقر قيادة الناحية العسكرية الخامسة بقسنطينة، كانت صحافية التلفزيون، التي لن نرى وجهها أبدا، تنقل لنا رأي "مواطن" فيما يجب أن يفعله الجزائريون، كان المتحدث مثل كل المتدخلين في التلفزيون العمومي مقتنعا بأمرين اثنين الأول هو أنه لا بد من الذهاب إلى الانتخابات، والثاني هو أن رئيس الأركان هو وحده من يملك الحقيقة ويسعى إلى خدمة الوطن، لكن هذه المرة دفع المتحدث، الذي يرسم ابتسامة ماكرة، الأمور إلى أبعد من هذا، لقد قال إن من يرفضون الانتخابات هم "زواف"، ولم يجد التلفزيون العمومي أي حرج في بث التصريح في نشرات أخبار رئيسة يفترض أن عدد متابيعها كبير.
لا مجال للخطأ هنا، فمنذ وقت غير قصير تم غلق التلفزيون العمومي أمام أي رأي مخالف، وقد تم اللجوء إلى طرق بدائية في انتقاء المتدخلين، وبثت تصريحات لأشخاص يغيرون ملابسهم ليتم تقديم بصفات مختلفة، فهم مواطنون حينا، وممثلون للمجتمع المدني حينا آخر، وظهر منهم من كان مرشحا مفترضا وهزليا لانتخابات 19 أفريل التي أطاحت بها الثورة السلمية، كان هؤلاء المترشحون قد تم إعدادهم لدور محدد بدقة وهو تسفيه كل من يفكر في منافسة بوتفليقة، وإغراق الساحة بمهرجين تسابقت وسائل الإعلام على تقديمهم كتذكير للمشاهدين بالنعمة التي يمثلها بقاء بوتفليقة في الحكم رغم المرض والعجز.
منذ أشهر اختار التلفزيون العمومي العودة إلى هذه الأساليب البدائية دون الاكتراث إلى حقيقة الزمن الذي نعيش فيه حيث تتولى التكنولوجيا كسر كل رقابة، وتقدم لكل باحث عن الحقيقة أدلة دامغة على التدليس، وهو ما حدث فعلا عندما فضح مدونون التلفزيون وممارساته، لكن رحلة الهبوط نحو الجحيم لم تتوقف، فقد تجرأت الإذاعة الوطنية على الكذب عبر موقعها على الانترنيت عندما قالت إن المتظاهرين خرجوا يوم الجمعة للمطالبة بالإسراع في تنظيم الانتخابات، وهو أمر كذبته تغطيات القناة الثالثة وجيل أف أم التي تنتمي إلى نفس المؤسسة الإعلامية.
في ظل هذا الانحراف كان متوقعا أن تنتقل الكراهية والدعاية التي تمارس عبر فيسبوك من خلال صفحات وحسابات يجهل من يسيرونها، إلى وسائل الإعلام العمومية، وهكذا بدأ التطبيع مع هذا الخطاب الفاشي من خلال تمرير تصريح ذلك "المواطن" الذي يصف من يعارض إجراء الانتخابات في الظروف الحالية، بأنهم "زواف"، والكلمة تمت استعارتها من سياق تاريخي معروف ليتم تعميمها على منطقة القبائل تحديدا، وهي اليوم تعني في نظر أغلبية المتلقين المنحدرين من منطقة القبائل وكل من يعارض خارطة طريق السلطة، وبصرف النظر عن بعض المراوغات التي يلجأ إليها من يستعملون هذه المفردة فإن الرسالة التي يريدون إيصالها هي رمي منطقة القبائل برمتها بالعمالة لفرنسا، والغريب أن قيادة الجيش لم تنتبه إلى خطر هذا الخطاب العنصري وسكتت على من يتبنونه وفي نفس الوقت يرفعون لواء الدفاع عن المؤسسة العسكرية وخياراتها السياسية.
لقد تسلل خطاب الكراهية والتفرقة الذي انتشر على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي إلى الرسالة الإعلامية للتلفزيون، ولو سكت الجزائريون على هذا الانحراف، فإن هذا الخطاب الذي ينقل اليوم على لسان "مواطن" بسيط، سيصبح غدا على لسان "المحللين" و"الخبراء" الذين يحتكرون التدخل في برامج القنوات العمومية والخاصة، ومنهم كثير من مروجي الكراهية والعنصرية عبر صفحاتهم وفي مجالسهم الخاصة، وهم يعتقدون انهم يقدمون خدمة لرئيس الأركان وقيادة الجيش بعد أن أصبح الخطاب الرسمي مثقلا بالإيحاء أن المعارضة صارت محصورة في منطقة واحدة من الجزائر دون غيرها، وليس من الصعب العثور على شذرات مما ينشر على فيسبوك في خطابات رئيس الأركان وافتتاحيات مجلة الجيش.
في خطابه الأخير قال الفريق أحمد قايد صالح مهاجما معارضي خطته الذين وصفهم بالشرذمة الضالة بأنها:"تريد أن تفرض رؤيتها المنحرفة على أغلبية الشعب الجزائري، من خلال توظيف فروعها الإعلامية داخل وخارج الوطن وتجنيد بعض الأبواق المأجورة التي تنعق من خلال وسائل التواصل الاجتماعي"، ويوحي هذا الكلام بأن وسائل الإعلام في الجزائر مفتوحة أمام الرأي المختلف والحقيقة عكس ذلك تماما، فمنذ شهر ماي الماضي تلقت القنوات التلفزيونية الخاصة أوامر صريحة بعدم تغطية المظاهرات، وتكفي متابعة ما تبثه هذه القنوات في أيام الجمعة والثلاثاء للتأكد من الأمر، كما يتم اختيار نفس الوجوه المساندة لخيارات السلطة الفعلية للمشاركة في البرامج السياسية لهذه القنوات، ولا يخلو النقاش من تسفيه للمتظاهرين، وتخوين للمعارضين، فضلا عن التعتيم بشكل كامل على ما يجري على أرض الواقع.
قد يكون قايد صالح بحاجة إلى من يذكره بأن الإعلام الذي يكيل المديح له اليوم هو الإعلام الذي استمات في الدفاع عن بوتفليقة وسوق لمشروع الخامسة، والأرجح انه ليس بحاجة إلى من يخبره بأن القنوات الخاصة نشأت بفكرة من العقيد فوزي الذي كان مسؤول مديرية الإعلام بجهاز المخابرات في عهد الجنرال توفيق، وأن الهدف منها كان تحييد قناة المغاربية تحديدا بعد أن بدأت أحداث الربيع العربي تخيف النظام الجزائري، ولعل الخطة نجحت في السنوات الماضية، لكن هذه الأدوات الدعائية استهلكت مصداقيتها في سنوات حكم بوتفليقة، وكل من سيحاول اليوم الاعتماد عليها سيعرض مصداقيته لامتحان عسير.
لقد تم تعطيل تطبيق القانون المتعلق بالسمعي البصري، والذي صدر في الجريدة الرسمية يوم 27 مارس 2014، وألغي المرسوم المتضمن دفتر الشروط الخاص بإنشاء قنوات السمعي البصري والذي صدر في جويلية 2016، من أجل أن تبقى هذه الوسائل أدوات في يد السلطة القائمة تستعملها من أجل فرض رؤيتها وتمرير خياراتها، لكن النتيجة كانت ذلك الشعار الذي يرفعه المتظاهرون في مختلف مدن البلاد "المغاربية قناة الشعب"، ليس انتصارا لمشروع إعلامي لا يعرفون تفاصيله، ولكن تأكيدا على أن الجزائريين لم يعد لهم من منبر ينقل صوتهم غير هذا الذي ينقل في بث مباشر ما يجري على الأرض، وتأتي ممارسات التلفزيون العمومي، وتسويقه لخطاب الكراهية المنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليؤكد للجزائريين بأنهم محاصرون من كل جانب، ومن يحاصرهم يريد إسكات صوتهم تماما كما يفعل بمن يعتقلهم بالقوة في المظاهرات، أو على حين غفلة من الناس عندما يأتي رجال أمن بزي مدني لأخذهم إلى وجهة مجهولة.
من سوء حظ السلطة أنها صارت بلا صوت عندما أصرت على تلطيخ سمعة القنوات العمومية والخاصة، ولن تنفعها الشتائم التي يحفل بها الخطاب الرسمي في ضرب مصداقية وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت صوت الشعب الذي يراد إسكاته لتمرير انتخابات هدفها بعث الروح في نظام ميت.

 

شوهد المقال 78 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوعلام زياني ـ صندوق لعجب التلفزيون العمومي الجزائري في خدمة الإستبداد

بوعلام زياني  يسمونها الأرضية لان مستواها يمسح الارض ولا يعانق أحلام الجزائريين الكبيرة ،سموها سابقا باليتيمة لانها لم تنعم بدفء العائلة وعاشت مشردة يستغلها
image

وليد عبد الحي ـ دبلوماسية ترامب بين النووي الايراني وفلسطين

 أ.د.وليد عبد الحي  في إطار اعداد المسرح الاقليمي والدولي لاعلان ترامب عن تفاصيل " صفقة القرن" بُعيد الانتخابات الاسرائيلية القريبة ، وبعد أن ضمن
image

نجيب بلحيمر ـ الجزائر على موجة الثورة السلمية

نجيب بلحيمر   غاب كريم طابو عن الجمعة الثلاثين من الثورة السلمية لأنه في السجن، لكن الثمن الذي يدفعه الآن من حريته الشخصية لا يساوي شيئا
image

صدر حديثا أناشيد الملح - سيرة حراڴ للجزائري العربي رمضاني

المتوسط للنشر :  صدر حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، الإصدار الأول للكاتب الجزائري العربي رمضاني، بعنوان: "أناشيد الملح - سيرة حراڴ"، وهي من
image

المرصد الأوروالمتوسطي لحقوق الإنسان : اعتقال النشطاء السلميين صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر

جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم إنّ السلطات الجزائرية اعتقلت أخيرًا عدد من النشطاء السلميين في خطوة تشكّل صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر.     المثير للقلق
image

اليزيد قنيفي ـ العهد الجديد ..بين التفاؤل والتشاؤم ..!!

اليزيد قنيفي  على مدار عهد طويل تعرضت البلاد إلى حالة من التدمير والحرق والإهانة والسخرية والتجريف والنزيف غير مسبوقة ..استبداد وغلق وفساد معمم وشامل... ورداءة وفضائح
image

علاء الأديب ـ أدباء منسيون من بلادي..الروائي العراقي فؤاد التكرلي

 علاء الأديبعلى الرغم من أن الروائي العراقي المرحوم فؤاد التكرلي لم يكن غزيرا بكتابة الرواية من حيث عددها إلا إنه يعتبر من أوائل الروائيين العراقيين
image

العربي فرحاتي ـ حراك الشعب في الجمعة 30 ..المدنية هي شرط قوة الشعب والجيش

د. العربي فرحاتي  الجيش يقوى بقوة الشعب ..ويبقى قويا مادام الشعب قويا.. ويضعف بضعف الشعب ويبقى كذلك مادام الشعب ضعيفا...ولا يمكن لشخص مهما كان
image

محمد محمد علي جنيدي ـ حكاية بلد

محمد محمد علي جنيدي- مصر   كنتُ كُلَّما سافرتُ إلى بلدِها صباحاً لزيارةِ عَمَّتي العجوز، رأيْتُها تقطعُ الطَّريقَ لتذهبَ إلى محلِ الوردِ الذي تعملُ فيه، فإذا ما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats