الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ مزاج الفريق ومجازفة الانتخابات

نجيب بلحيمر ـ مزاج الفريق ومجازفة الانتخابات

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر

 

 

قبل ساعات قليلة من بث كلمة قايد صالح من ورقلة, كان الحديث يدور عن التقرير الذي سيصدر عن هيئة الحوار والوساطة, وعن خلاصة عملها بخصوص تعديل قانون الانتخاب, وإنشاء سلطة مستقلة لتنظيم الانتخابات, وقد يبدو غريبا أن بيانا صدر عن حركة البناء, وهي قريبة من السلطة ومتحمسة لخطتها, ينتقد بشدة ما تلقته من وثائق من هيئة الحوار, لكن الخطاب الذي سيبث لاحقا سيغطي على هذا الموقف وعلى الهيئة ككل.
هذه هي المرة الثالثة التي يتدخل فيها رئيس الأركان بصفة مباشرة في عمل الهيئة التي يقودها كريم يونس, كانت الأولى مباشرة بعد استقبال أعضاء الهيئة من قبل بن صالح, وقد عبر الفريق حينها عن رفضه الشديد للشروط المسبقة للهيئة والتي تتعلق بإطلاق سراح معتقلي الحراك, وإقالة الحكومة, وتخفيف القيود على المتظاهرين ورفع الحواجز التي تمنع المواطنين من دخول العاصمة في يوم الجمعة, وقد كان رفض قايد صالح لهذه الشروط صارما وجاء بصيغة الهجوم على الهيئة. أما المرة الثانية فكانت قبل أسبوع عندما رفض فكرة ميثاق الشرف التي طرحها يونس, وطالب بالإسراع في إنشاء السلطة المستقلة للذهاب سريعا إلى الانتخابات, وجاءت الثالثة قاضية بتجاوز الهيئة والقفز على كل ما قامت به من عمل.
سيكون مفيدا التذكير بأن هيئة الحوار تم تشكليها بمشاركة مباشرة من الجيش الذي اتصل بأشخاص ليعرض عليهم الالتحاق بها, وهذا أمر أقر به بعض المعنيين, وحتى إن كان قد ترك للأعضاء حرية استقدام أعضاء آخرين فإن عينه بقيت متابعة لكل التفاصيل, ومن هنا فإن تدخلات رئيس الأركان من خلال خطاباته تثير سؤالا جوهريا حول هذا التضارب وعلاقته بطريقة قيادة الجيش في تسيير الوضع.
أول ملاحظة يمكن تسجيلها هي أن التصور العام كان الذهاب إلى انتخابات في أقرب الآجال, وهذا هو هدف الحوار, غير أن التفاصيل لم تكن جاهزة, وقد جاءت الهيئة لتوفر الغطاء لتمرير تعديل قانون الانتخاب وإنشاء سلطة تنظيم الانتخابات, وكانت الفكرة الأولية هي عقد لقاءت مع كل الاحزاب والنقابات والجمعيات والنشطاء الذين يلبون دعوة الحوار, على ان تتم صياغة تقرير يتضمن ما تم جمعه من مقترحات بخصوص ما يجب ان تكون عليه السلطة المستقلة, والتعديلات التي ستدخل على قانون الانتخاب, على أن يتم رفع المقترحات إلى ندوة وطنية كان مزمعا عقدها مع نهاية شهر سبتمبر الجاري, وكانت الندوة ستناقش فكرة أن يتولى الرئيس المننتخب تنفيذ إصلاحات تفضي إلى وضع نظام جديد ضمن ما عرف بعهدة رئاسية انتقالية, وهي الفكرة التي صاغها كريم يونس تحت عنوان ميثاق شرف سيلزم به كل مرشح للرئاسة.
خلال أسبوع واحد تسارعت الأحداث, فقد رفض رئيس الأركان فكرة ميثاق الشرف دون ذكرها, ودعا إلى الإسراع في إنشاء السلطة المستقلة للذهاب سريعا إلى الانتخابات, وهو ما يعني الجيش لم يكن يعمل ضمن خطة منسقة مع هيئة الحوار, وأن رئيس الأركان يبني مواقفه بمعزل عن المسار الذي تأخذه المشاورات وتقدم الهيئة في عملها, وهذا يضعنا أمام عملية غريبة لصناعة القرار تجعل التنبؤ بالخطوة القادمة للجيش صعبا, فمزاج رئيس الأركان صار عاملا حاسما في تحديد الوجهة التي تأخذها الأحداث, والتي قد تكون مفاجئة كما حدث أمس عندما وضع قايد صالح تاريخا لاستدعاء الهيئة الناخبة.
لم يذكر قائد الجيش الجهة التي يوجه إليها خطابه, وفضل أن يستعمل كلمة "الأجدر" بما تحمله من دلالات الأفضلية والواقعية والعقلانية, مستعيرا صيغة الأمر المبطن التي استعملها عندما ضغط على بوتفليقة للاستقالة قائلا إن المخرج موجود في تطبيق المادة 102 من الدستور.
يقوم خطاب رئيس الأركان على تصوره لمفهوم القوة, مفهوم يرتكز على السلطة التي يمنحها المنصب, وعلى العوامل المادية للقوة التي يمثلها الجيش الذي يقوده, وهذا التصور يحكم العلاقة مع الجيش, حيث يتدخل القائد في التفاصيل, ويغير الخطط كما يشاء, كما يؤثر على العلاقة مع الفاعلين السياسيين والمجتمع ككل حيث يعتبر نفسه قائدا لمؤسسة تمثل مركز الثقل في النظام السياسي وتختزل الدولة برمتها, أما ما بقي من مظاهرات وما قد ينتج عنها من ديناميكية سياسية فيصبح مجرد تفاصيلها يمكن إجمالها تحت عناوين فرعية من قبيل أفعال العصابة وأذنابها. 
بعد الذي حدث لأعضاء هيئة الحوار, وبصرف النظر عن مواقفهم, سيكون من الصعب على السلطة الفعلية إيجاد شركاء جديين لصياغة بدائل جديدة, كما أن الطريقة التي تعامل بها قايد صالح مع هيئة يونس ترسم صورة على ما ستكون عليه العلاقة بين الجيش والرئيس القادم إذا ما انتخب وفق ما يريده رئيس الأركان, وهذا يعني ببساطة أن الانتخابات والترشح لها صارا مجازفة غير مأمونة العواقب.

 

شوهد المقال 500 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم
image

العربي فرحاتي ـ لنتعامل مع الحقيقة التاريخية لا مع تجار الحقيقة التاريخية

د. العربي فرحاتي  فسر لجوء بومدين بعد انقلابه على بن بلة ١٩٦٥ إلى تجميع رفاة قادة الثورة وإعادة دفنهم تكريما لهم..بأنه بحث عن شرعية ثورية
image

طيبي غماري ـ الذاكرة والتاريخ ..والسيدة التي ساعدتنا في مركز ارشيف ماوراء البحار بفرنسا

 د. طيبي غماري   بمناسبة النقاش حول الذاكرة والتاريخ والأرشيف ومراكزه، ساقص عليكم هذه القصة التي أتذكرها دائما وارغب في روايتها كلما أتيحت لي الفرصة. في
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا
image

عثمان لحياني ـ يأتي الشهداء..يصمت الجميع

 عثمان لحياني  عندما ذهب الزعيم نلسون مانديلا في أول زيارة له الى باريس عام 1994 ، كان أول مطلب قدمه هناك ، استرجاع رفاة سارتجي
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats