الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ حوار شكلي لتسويق مسرحية الانتخابات

نجيب بلحيمر ـ حوار شكلي لتسويق مسرحية الانتخابات

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

يقول بعض الذين لبوا دعوة الحوار التي وصلتهم من هيئة كريم يونس إنهم فعلوا ذلك انطلاقا من قناعتهم بمبدأ الحوار الذي يمثل أفضل وسيلة للتوافق على الحلول, ومن الناحية النظرية يبدو هذا الكلام منطقيا, ثم إنهم يدفعون بحجة أخرى مفادها أنهم غير ملزمين بشيء لأنهم ذهبوا ليسمعوا أصواتهم كأفراد, وتولوا مهمة نقل المطالب التي يرفعها الجزائريون من خلال ثورتهم السلمية المستمرة, وهنا أيضا تبدو الحجة مقبولة لكن نظريا أيضا.
لرؤية أكثر موضوعية وواقعية يجب فحص هذه الحجج من خلال منهجية عمل هيئة الحوار, والعودة إلى مهمتها الحقيقية, والتذكير بتجارب سابقة للسلطة مع الحوار والمشاورات.
سواء تعلق الأمر بالحوار الذي اطلقته السلطة الانقلابية سنة 1994 ضمن ما سمي بندوة الوفاق الوطني, أو آخر مشاورات أجرتها السلطة لتمرير مشروع تعديل الدستور سنة 2016, مرورا بالمشاورات التي اجراها زروال عشية تنظيم انتخابات الرئاسة 1995 ووصولا إلى الحوار الجاري اليوم, فإن القاعدة عند السلطة هي اتخاذ القرار ثم البحث عن كيفية تسويقه, وهذا يؤدي إلى اختزال الحوار في الاستماع إلى من يلبي الدعوة وتدوين ما يقوله وتقديم وعد له بتضمين أفكاره ومقترحاته فيما سيصدر لاحقا على شكل تقرير أو مقترح, ولا حاجة للتذكير بأن كل حوار نظمته السلطة في السابق أفضى إلى ترسيم القرارات التي كانت وسائل الإعلام قد روجت لها سلفا.
المثال الذي قد يكون جديرا بالذكر هنا هو المشاورات التي سبقت تعديل الدستور, فقد حدث أن عبر المشاركون عن خيبتهم بمجرد أن كشف أويحيى عن التعديلات, وقد كان الرد على من خاب ظنهم سهلا بالقول إنه تم تضمين اهم المقترحات التي سمعناها, ولا أحد يجرؤ على القول بأن مقترحاته كان يجب أن تظهر في نص الدستور لأن ما قدمه هو مجرد رأي من ضمن آراء.
تضع السلطة نفسها فوق المتحاورين وتستحوذ على دور الحكم, وهو ما يتكرر مع لجنة كريم يونس التي تم تحديد مهمتها في خطاب بن صالح يوم 3 جويلية الذي أعاد صياغة الشروط التي وضعها رئيس الأركان مسبقا, ومن غير المعقول أن تتولى سلطة مطعون في شرعيتها, ويطالبها الملايين بالرحيل, وتعمل خارج الدستور المنكل به, دور التحكيم في عملية صياغة خارطة طريق لتنفيذ مطالب الجزائريين, ولا يمكن للأحزاب والتنظيمات والشخصيات التي انخرطت في هذا المسعى أن تتبرأ من التورط في توفير غطاء لخطة السلطة وقراراتها الجاهزة.
لقد بقيت المواجهة السياسية بين السلطة والشارع دائرة حول خيارين متباينين, الأول هو خيار تغيير النظام الذي ثبت عليه المتظاهرون لمدة ستة شهور, وقد أحبطوا محاولتين لتنظيم الانتخابات لقناعتهم بأن السلطة تستعمل الانتخابات لتمديد عمر نظام منتهي الصلاحية, أما الخيار الآخر فيقوم على الإسراع بتنظيم الانتخابات وتكليف الرئيس المنتخب بما يسمى الإصلاحات, وكانت هذه خطة العهدة الخامسة التي تم تحويرها لاحقا بمراوغات أبطلتها الثورة السلمية.
ما يجري الآن هو فرض الخيار الثاني من خلال جعل الانتخابات وما يتعلق بجوانبها التقنية هو موضوع الحوار الأوحد, وهذا يعني ببساطة أن الإطار لا يصلح لطرح مطالب الثورة السلمية, وإذا أضيف إلى ذلك طبيعة الهيئة المجردة من أي صلاحيات, وعدم مشاركة السلطة الفعلية في هذا الحوار, فإن وظيفة الجموع التي تشارك في هذا الاستعراض ستكون تسويق القرار المسبق الذي يمكن تلخيصه فيما قاله كريم يونس عن ميثاق الشرف الذي سيلتزم به كل مترشح للرئاسيات, وسيتحول ميثاق الشرف هذا إلى ورقة لإغراء الناخبين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع وانتظار ما سيفعله الرئيس الجديد الذي سيجد نفسه في مواجهة موازين القوى الحقيقية, أو ربما يكون عارفا بحدود التغيير التي رسمتها له السلطة الفعلية التي تفاوضت واتفقت معه سرا حفاظا على صفة "المعارض" التي سيدخل بها الانتخابات وسيفوز بها بكل "شفافية" و "نزاهة".
الهدف واضح تماما, وخطة بلوغه بدأت معالمها في الظهور, والذين يعتقدون أن رأيهم المقدم لهيئة الحوار سيؤثر في صناعة القرار لا يختلفون في شيء عن ذلك المواطن الصالح الذي كان يذهب لينتخب ويعود منتشيا وهو مقتنع تماما انه شارك في تقرير مصير الجزائر, مع فارق جوهري هو أن في الشارع يوجد اليوم من لديهم مفهوم مختلف تماما لما يجب أن يكون عليه المواطن الصالح.

 

شوهد المقال 130 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حارث حسن ـ الإحتجاجات العراقية.. حركة إجتماعية جديدة تتحدّى السلطة الطائفية

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي  تعكس الحركة الشعبية مواجهة متنامية بين لغة "الطوائف" القديمة وبين لغة جديدة مؤسّسة على المواطنة والعدالة الإجتماعية  
image

حسين بوبيدي ـ تزييف التاريخ القريب والحراك لم يخسر شيئا

د.حسين بوبيدي  الذي يصر على تحميل الحراك مسؤولية المشهد المسرحي البائس الماثل أمامنا يكذب في ذلك، بل ويزيف ويزور التاريخ القريب، لأن الحراك وشخصياته
image

مروان الوناس ـ جمعة الثبات وزخات الحرية

 في العادة الناس تفر وتختبئ أو تخرج المطريات مع أولى زخات المطر وهذا تصرف طبيعي جدا تلاحظه وانت تسير في الشارع مثل
image

نجيب بلحيمر ـ أمطار الحرية تغرق وهم الانتخابات

نجيب بلحيمر   لا تتابع توقعات أحوال الطقس، في كل الظروف ستكون الشوارع مليئة بطالبي الحرية، ذهبت الفصول وعادت وتحولت الثورة السلمية إلى ثابت في
image

شكري الهزَّيل ـ فلسطين الداخل : الضحية عندما تطلب حماية الجلاد.. نكران ولف ودوران حول أسباب جرائم العنف!؟

د.شكري الهزَّيل بعد عقود من الاحتلال والاختلال يبدو ان خارطة الوعي الفلسطيني بشكل عام وفلسطينيي الداخل بشكل خاص قد تداخلت واختلطت عليها الأمور
image

محمد محمد علي جنيدي ـ بشائر المصطفى

 محمد محمد علي جنيدي - مصر        يا مَنْ تُحِبُّ محمَّداً نورَ الهدى صِلِّ عليهِ دائماً طُولَ المدى اللهُ صلَّى والملائِكُ حَوْلَهُ والمؤمنون وكُلُّ صَبٍّ قد
image

حميد بوحبيب ـ المسار الانتخابي ...2 !

د.حميد بوحبيب  للمرة الثانية في تاريخ الدولة الوطنية الفتية، تلوح في الأفق بوادر توقيف المسار الانتخابي .في المرة الأولى، فعلها الجيش بمعية القوى التي تحالفت ضمن
image

رائد جبار كاظم ـ التظاهرات في العراق تعدد السيناريوهات وصراع الارادات

د. رائد جبار كاظم  واقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا
image

سعيد لوصيف ـ في مشروعية مطلب الثورة في تمدين الدولة ،،، هلاّ تحدّثنا بهدوء؟

د.سعيد لوصيف   يعتبر تناول موضوع الفصل بين السلطة العسكرية و السلطة المدنية، موضوعا يحوي على الكثير من الحساسيات لدى الكثير من النخب السياسية
image

رضوان بوجمعة ـ من المحاكم الخاصة إلى قضاة القوة العمومية!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 132  ستبني الجزائر الجديدة سلطة قضائية مستقلة عن باقي السلطات، عندما تنجح في بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون من قبل مجتمع

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats