الرئيسية | الإفتتاحية | نوري دريس ـ دولة مدنية مقابل دولة قانون

نوري دريس ـ دولة مدنية مقابل دولة قانون

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. نوري دريس

 

 

الانزعاج الكبير الذي ظهر على لسان قائد الجيش من شعار "دولة مدنية وليست دولة عسكرية" لا اعتقد أنه يعكس رغبة الجيش في ممارسة السلطة بشكل مباشر، بقدر ما يعكس انزعاجه باتهامه بأنه يريد تحويل الجزائر الى ديكتاتورية عسكرية...

الجزائر ليست دكتاتورية عسكرية، لأن الجيش لا يمارس السلطة بشكل مباشر بشرعية القوة والسلاح، بل يكتفي بمراقبة السلطة المدنية ويضع لها حدودا يمنع تجاوزها.

في مستويات معينة، يرفض أن تكون هذه السلطة موضوعا للتنافس الانتخابي المفتوح، ولكن في مستويات أخرى بدأ يتنازل( البلديات، الولايات، وبعض الشيء في البرلمان)، وسينتهي الأمرالى اكتساح الشرعية الانتخابية لكافة مستوبات السلطة بما في ذلك رئاسة الجمهورية...هي قضية وقت، لأن ديناميكية تحويل الشرعية نحو الشعب انطلقت منذ 30 عاما، ومكرسة في الدستور، ولا يمكن التراجع عنها...

انزعاج قائد الجيش اليوم هو لشعوره أننه هنالك من يريد اتهامه ( و اتهام المؤسسة) أنها تريد التراجع عن مكتسبات دستورية مكرسة، في حين أن اللأمر ليس كذلك...

 

مفهوم الدولة المدنية لا أساس له في الفلسفة السياسية الحديثة،
والمعنى الذي استخدم فيه عند هوبز ليس للإشارة الى أنه نقيض الدولة العسكرية، بل نقيضه هو الحالة الطبيعية( etat de nature

 

الحالة الطبيعية هي مجرد فرضية افترضها هوبز ليعطي الشرعية لتصوره للدولة، ولا وجود لها في التاريخ...

 

وجود الدولة( سلطة) ستنقل المجتمع من حالة اللادولة( الفوضى، اي الحالة الطبيعية) الى حالة الدولة( الحالة المدنية etat civil)
في الحقيقة طبيعة السلطة في الحالة المدنية لم تكن ديمقراطية، بل شمولية( الليفيتان)، يحصل فيها الملك على تفويض مطلق من الشعب دون أن يكون له أي التزام معهم..

 

في الحالة المدنية، يمكن اذا أن تكون السلطة شمولية، تستند الى تفويض مطلق دون اية قيود...

تم اعادة بعث مفهوم الدولة المدنية في سياق تحضير العسكر في مصر لازاحة مرسي، فرموا بالمفهوم الى الىساحة للنقاش ليزيح مفهوم آخر هو دولة القانون..

تمت مقابلة الدولة المدنية بالدولة التيوقراطية، دون اية اشارة الى دولة القانون و الحريات العامة و استقلالية القضاء وحرية المبادرة الاقتصادية...

وفعلا، استعاد العسكر السلطة من االاسلاميين بالقوة تحت ذريعة المحافظة على الطابع المدني للدولة وتجنب السقوط او الانتكاسة الى الحالة الطبيعية اذا ما حكم الاسلاميون، وخاصة ان تجارب حكم اسلاموية في افغانستان بينت كيف تنتكس الحالة المدنية الى الحالة الطبيعية..

الاسلاموية تتوافق مع المجتمع الأيديولوجي، اي ان السلطة تستمد شرعيتها من الأيديولوجيا المهيمنة او المفروضة بالقوة العارية....

في حين تتوافق دولة القانون مع المجتمع المدني..حيث تستمد السلطة شرعيتها من قوانين مدنية وضعية، تضعها سلطة تشريعية منتخبة مسقلة صاحبة سيادة على نفسها...

السلطة في المجتمع الأيديولوجي وظيفتها تتوافق مع طبيعة الشرعية التي ترتكز عليها: حماية الدين وتطبيق الشريعة،

 

في حين أن وظيفة السلطة في المجتمع المدني هي الفصل في النراعات و الخلافات التي تنشأ بين افراد المجتمع في ممارستهم لمختلف الانشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية...
السلطة في المجتمع المدني يحب أن تستمد شرعيتها من أفرادها( الفرد صاحب حق وموضوع قانون) ، كونها ( السلطة) مكلفة بحل خلافاتهم و الحفاظ على السلم الاجتماعي الضروري لاشتغال الخياة الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية و السياسية...

 

اما السلطة في المجتمع الايدبولجي( مجتمع غير معلمن) فوظيفتها حماية الدين، و تجسيد الارادة الإلهية، وهذا لا يكون الا بالقوة و العنف و تطهير المخالفين وهو ما سينتهي الى الانتكاسة الى الحالة الطبيعية...

تحول السيسي في مصر الى ليفيتان هوبز، واستخدم كل الوسائل للحفاظ على الحالة المدنية( الدولة المدنية)

 

بشكل من الأشكال، العسكر هم من يحول دون الانتقال من الحالة المدنية الى دولة القانون، من خلال منع انتقال الشرعية الى الشعب يمارسها بشكل مباشر عن طريق الاقتراع العام...
لا يستمد الجيش صلاحية تعيينه للرئيس من امتلاكه للسلاح، بل يستمدها من التاريخ الثوري ومن الطابع الشعبي للجيش نفسه... ولهذا الجزائر ليست دكتاتورية عسكرية... بل نظام تسلطي، يحتل قلبه الجيش، والادارة تأتي في الدائرة الثانية، والزبائن الذين يتم اختيار افراد الادارة منهم في الدائرة الثالثة...

 

الشرعية الثورية ووفرة الريع، ومستوى العلمنة الضعيف هي الموارد التي تسمح لهذا النظام بتزييت و تشحيم مفاصله و اجزاءه الصلبة، و بالتالي صيانته والحفاظ على استمراره...كلما ضعف مورد من هذه المواد الثلاث سوف يتم تعويضه بالقوة العارية للحفاظ على النظام العام...

 

ما يجب العمل عليه اليوم هو توفير الشروط الموضوعية للانتقال من الحالة المدنية( مجتمع يسوده السلم، يمتلك سلطة مركزية لها سيادة) الى دولة قانون.
الدولة المدنية ليست بالضرورة دولة قانون، بل هي افضل مطية للعسكر، لأنه وتحت مبرر الحفاظ على الحالة المدنية، يتدخل في كل مفاصل الدولة، و يضع نفسه القوة الوحيدة القادرة على حماية الطابع المدني للمجتمع، حمايته من العدو الخارجي، من الاسلاميين، من الانفصاليين،.... في الثقافة العسكرية هنالك دائما عدو متربص لا يمكن تحييده الا بالقوة العسكرية التي يحوز عليها الجيش....

 

اذا كانت هنالك من خدمة يمكن للجيش أن يقدمها للأمة الجزائرية، التي لا تزال تعاني من ضعف العلمنة في الحقل الاجتماعي( اي التهديد بالعودة الى المجتمع الايديولوحي) ، فهو تجنب تسييس الابعاد الاجتماعية التي تم تحييدها ( ولو بشكل غير مكتمل) خلال المسار التاريخي الذي تشكلت فيه الأمة الجزائرية ..

ان تسييس الهوية، الدين، اللغة، او توفير ظروف تؤدي الى الدفع بتسييسها سوف ينتهي الى رفع تكلفة الانتقال من الحالة المدنية الى دولة القانون، هذا إن لم يؤد الى الانتكاسة من الحالة المدنية الى الحالة الطبيعية...

أما مرافقة الانتقال الى دولة القانون، فهو الضامن الوحيد للحفاظ على المكتسبات الحالية...

حينما يطالب الجزائريون بدولة قانون( ولو باستخدام مفهوم الدولة المدنية) فهذا ليس اتهاما للجيش بأنه يريد السطو على الدولة،

بل لتذكير النخب الوطنية فقط أن العصابة التي يسعى الجيش الى القضاء عليها، قد تشكلت بسبب منع بعض الجنرالات( و على رأسهم توفيق الذي سجن في البليدة بسبب التآمر على الدولة) لحصول هذا الانتقال الى دولة قانون.

العصابة التي تشكلت حول الرئيس السابق وقائد جهاز الاستعلام والأمن المسجون، هي إفراز طبيعي لهذا المنع...اي منع الجزائريين من تزويد أمتهم بدولة قانون تحول دون ظهور عصابات تتآمر على المؤسسات، وتهدد بتسييس الدين، التاريخ، الهوية، اللغة،.....

شوهد المقال 302 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يسين بوغازي ـ من الطغم الكلاسيكية الى طغم ما بعد الحراك؟

يسين بوغازي  ليس سهلا  هذا التناول على الاطلاق ، لكني سأخوض فيه مستعينا بتحولات جديدة للكثير من المفاهيم  التي غدت تنطبق على كيانات لم
image

محمد هناد ـ بعد 12/12، لن تقوم الساعة ! سلمية... سلمية ! حذار من اعتراض سبيل من أراد التصويت !

 د. محمد هناد    إن جرت الانتخابات كما هو مقرَّر لها، ستكون نسبة المشاركة فيها مخزية، لكن أبواق السلطة قد بدأت تستعد للرد على
image

ستار سامي بغدادي ـ ايران مستمرة في اذية العراق

ستار سامي بغدادي   ليس في ثقافتي شيءّ من الكراهية صديقتي ، لم تُعلمني إياها أمي ، ولم يكن أبي يسمح بذكرها فنسيتها تماماً ..الحب وحده
image

نجيب بلحيمر ـ وحدها السلمية ستقبر نظام العنف

نجيب بلحيمر  كثير من الدروس تتهاطل علينا هذه الأيام، يدور معظمها حول حرية الرأي، والديمقراطية، ونبذ العنف، أما المناسبة فهي تصاعد أشكال الرفض
image

نهاد مرنيز ـ الصحافة الجزائرية هي صحافة "قُروب الساعة"

 نهاد مرنيز   الصحافة الجزائرية هي صحافة "قُروب الساعة" بامتياز كما سماها زميلي محمد دلومي ...لا تُفرق بين قراءة أسئلة جاهزة من ورقة يُكرر ترديدها
image

مروان الوناس ـ عارنا الإعلامي في الجزائر

 مروان الونّاس  قبل أسبوعين اضطرَّ المفكر عزمي بشارة إلى تخصيص حلقة كاملة للحراك الجزائري، بعد حلقة سابقة من برنامج بثّه التلفزيون العربي، تناول
image

شويحة سليمان ـ الحل لقلـب الوضع الراهن لصالح الشعب !

شويحة سليمان   في ظل مخرجات السلطة المستقلة للإنتخابات والتي أفرزت ترشيحاتها عن خمس مرشحين كانوا في الأمس القريب يسبحون بحمد النظام وفي ظل تجاذب وتنافر بين
image

محمد محمد علي جنيدي ـ البحث عن بقايا إنسان

محمد محمد علي جنيدي- مصر          في بُحُورِ الدُّجَى غارِقٌ في أقْصَى الْألَم فى بِلادِ النُّهَى باحثٌ عَنْ
image

فوزي سعد الله ـ مدينة الجزائر العثمانية...الديار والقصور...بالأرقام

فوزي سعد الله   في تلك الحقبة العثمانية من تاريخ الجزائر، التي يصفها بعض "المتنورِّين" في داخل وخارج البلاد بـ: "الظلامية"، كانت عملية إعمار المدينة "المحروسة
image

السعدي ناصر الدين ـ المارتنيكي سفير الجزائر فرانز فانون

السعدي ناصر الدين   في امتحان البكالوريا عام 1973 ـ مادة الفلسفة كان السؤال " قال فرانتز فانون : ان طبقة الفلاحين هي الطبقة الثورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats