الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ قوة على غير هدى

نجيب بلحيمر ـ قوة على غير هدى

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر

 

 

السلطة الفعلية تحكم وتتدخل في كل شيء لكنها بلا رؤية وغير قادرة على صياغة خطة للحل, إنها تملك البلاد ولا تعرف ماذا ستفعل بها, وحتى الذين يتزلفون لها لا يعرفون ماذا يسوقون وكل ما يفعلونه هو تأويل خطاب رئيس الأركان ومهاجمة ما دونه, وفي كثير من الحالات تنتهي هذه المغامرة بنقض خطابات سابقة لقائد الجيش فضلا عن نقض المواقف السابقة لهؤلاء المتحدثين الذين استهلكهم بوتفليقة طيلة سنوات حكمه عندما استعملهم في تبرير كل خطاياه.
تتجه قيادة الجيش إلى فرض خطة ما سيتم إعدادها وفق الأساليب البالية لنظام منتهي الصلاحية, ستتم المراهنة على الأحزاب واتحاد العمال والجمعيات التي استخدمت في السابق من أجل توفير غطاء سياسي مصطنع لخطة سيتم الترويج لها من قبل وسائل الإعلام تقع تحت سيطرة النظام, وسواء تعلق الأمر بمرحلة انتقالية أو الانتخابات الرئاسية فإن التحضيرات جارية لإعادة التجارب السابقة, وحتى اذا اقتنع الرئيس المنتخب بانه يرتكز على الشرعية الشعبية فإن أدوات لجمه والإطاحة به ستكون جاهزة وقد بدأ تحضيرها فعليا.
إن ما يجري الآن على مستوى الخطاب والممارسة هو هجوم منسق من أجل تدمير الثورة السلمية وإنهائها, فالقوة التي لا تهتدي بخطة حل أو تصور واضح لتغيير نظام الحكم, أو حتى تجديده, تتحول إلى تدمير القوة المقابلة التي تمثلها الثورة السلمية من خلال مواجهة شاملة لا تستثني حتى الواجهة التي حرص الخطاب الرسمي على تلميعها منذ أن أسقط الجزائريون بوتفليقة ومشروع الخامسة.
يقدم لنا تحول القضاء إلى مواجهة المتظاهرين بحجة رفع أعلام غير العلم الوطني, وما يثيره ذلك من شكوك حول استقلالية هذا القضاء باعتبار ان حبس متظاهرين ومحاكمتهم بهذه التهم جاء مباشرة بعد الخطاب الأخير لرئيس الأركان الذي تحدث عن أوامر لمعاقبة من يرفعون رايات غير العلم الوطني, يقدم لنا دليلا على أن الأولوية صارت لإنهاء الثورة السلمية بدل الاستمرار في تعزيز الثقة في القضاء بعد عمليات حبس مسؤولين كبار ورجال أعمال في قضايا فساد, وهذا يؤكد أن أقصى ما تريد السلطة الفعلية تقديمه هو حبس مزيد من "الفاسدين" في مقابل الإسراع في تجديد الواجهة المدنية للحكم دون إحداث أي تغيير في المنظومة.
الممارسات التي نراها على الأرض هي انعكاس لقراءة تقليدية لميزان القوى ولمفهوم القوة في حد ذاته, كما انها تعكس عجزا عن استيعاب ما يجري في الشارع منذ 22 فيفري والأسباب العميقة التي قادت إليه.
إن وجود ملايين الجزائريين في الشوارع خلال أربعة شهور أنهى ميزان القوة التقليدي الذي ظل قائما خلال العقود الماضية, فلم يعد الأمر متعلقا بأحزاب معارضة في مواجهة سلطة لديها احزاب ومنظمات وجمعيات تستعملها للسيطرة على الساحة السياسية بل صار قائما على مواجهة بين أغلبية المجتمع التي تبحث عن مشاركة سياسية حقيقية وواجهة سياسية مصطنعة تقوم على تعددية زائفة, وهنا سقط المفهوم التقليدي للقوة الذي لم يعد يعني ذلك الكم السياسي والإعلامي المصطنع الذي يكتم أنفاس المجتمع بل صار يتجلى في هذه القدرة على التواصل والتنظيم والنقاش والاقتراح خارج قنوات النظام وباستعمال أدوات ووسائط لا تقدر السلطة على السيطرة عليها أو تعطيلها.
إن أسوأ ما يمكن أن تواجهه السلطة في المرحلة القادمة هو القوة التعطيلية للشارع, ومن المؤسف أن التوجهات التي رسمتها الخطابات الأخيرة لرئيس الأركان تدفع الشارع نحو استعمال هذه القدرة, وسيكون إفشال انتخابات أخرى أو الدفع إلى تمريرها عنوة, ضربة قاتلة للسلطة يصعب التنبؤ بآثارها, وهذه القوة لا تمكن مواجهتها خاصة وانها قابلة للتفعيل حتى عن طريق الممارسة السلبية للسياسة من خلال المقاطعة ورفض كل مقترحات السلطة.
تدفع قراءة ما يجري في سياق تاريخي إلى التسليم بأن العجلة التي دارت لن تتوقف إلى غاية تحقيق التغيير الفعلي, وهذه العملية قد تستغرق وقتا طويلا يدوم سنوات والخيار الوحيد هو مسايرة هذه التحولات وتسهيلها لتجنيب الدولة والمجتمع كلفة عالية قد تصل إلى حد تهديد استقرار الدولة وانسجام المجتمع ووحدته.

 

شوهد المقال 453 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats