الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ هل من قارئ لكتاب الثورة ؟

نجيب بلحيمر ـ هل من قارئ لكتاب الثورة ؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

بسرعة تبخر الأثر السياسي المرجو من الإسراف في حبس كبار المسؤولين وجاء الرد حاسما عبر مظاهرات الجمعة السابعة عشرة من الثورة السلمية التي يزيدها الوقت صلابة في العزيمة ووضوحا في الهدف وإصرارا على بلوغه.
اختار الجزائريون الشارع في جمعة حارة على عكس ما تمنته السلطة الفعلية التي راهنت على حبس الأوزان الثقيلة من رموز النظام وخدمه والمستفيدين من رشوته، واقتصر مفعول تحويل أحمد أويحيى وعبد المالك سلال وعمارة بن يونس بالإضافة إلى رجال أعمال وإطارات، على التعبير عن فرح جاء مرفوقا بالتذكير بأن الهدف هو تفكيك نظام الفساد وبناء الدولة التي يسود فيها القانون وتمارس فيها الرقابة التي تقطع دابر الفساد قبل أن ينتشر، وفي حالات أخرى ألهمت تلك القرارات المتظاهرين لرفع سقف مطالبات الحساب، ففي عنابة انطلقت الحناجر مطالبة العدالة بجلب أبناء رئيس الأركان، وفي العاصمة اتجه المتظاهرون رأسا إلى المطالبة بمحاسبة بوتفليقة باعتباره من يتحمل مسؤولية كل تلك السياسات، وهذا يعني أن القرار الذي كان يفترض فيه تهدئة المتظاهرين يساهم في رفع سقف المطالب.
لا يتوقف الأمر هنا عند مجرد الرد على القرارات بل يتعداه إلى توجيه رسالة صريحة إلى السلطة الفعلية مفادها أن لعبة الوقت مكلفة ولن تكون في صالح من لجأ إليها، ومن هذه الزاوية قد تكون هذه الجمعة مؤشرا على احتمالات فشل عملية إخراج خطة الحل التي توحي عمليات الاعتقال الجارية، والتي قد تمتد إلى شخصيات أخرى الأسبوع المقبل، بأنها نضجت واقترب موعد إعلانها.
منذ أسابيع استقر سقف مطالب الثورة عند تغيير النظام بشكل جذري وحقيقي، وكرد على هذا المطلب يبدو أن خطة السلطة الفعلية تتلخص في التخلص من بدوي، وربما حكومته أيضا، وتعويضه بشخصية قد تعتبرها السلطة مقبولة في حين يتم إبقاء بن صالح في منصبه ويبدأ العمل على إنشاء سلطة مستقلة للانتخابات بما يفضي إلى إجراء انتخابات في أقرب الآجال قد لا تتعدى نهاية السنة، وهناك احتمالات قوية لأن يرفض الشارع هذه الخطة وهو قادر على الإطاحة بها مرة أخرى، وقد تلقت السلطة بعض التحذيرات من شخصيات لديها بعض القبول لدى الأوساط الحاكمة من إمكانية تكرار تجربة انتخابات الرابع جويلية التي رفضها الجزائريون.
الهوة الفاصلة بين تصورات السلطة ومطالب الثورة تبدو واسعة دون أن تبذل السلطة إلى اليوم أي جهد لجسرها، وكل ما فعلته هو الاستمرار في المراهنة على الوقت والنتيجة الآن هي مزيد من التمسك بمطلب التغيير الجذري الذي صار أكثر وضوحا ويتعلق بإنهاء الحكم بالوكالة، وفي مقابل ذلك لم تستطع السلطة الفعلية أن تتجاوز تصوراتها القديمة والتي جعلتها تتمسك بهدف تجديد الواجهة المدنية للحكم دون أي تغيير حقيقي في طبيعة النظام وأساليب عمله، وهو أمر أصبح الآن مستحيلا بالنظر إلى تعامل الثورة السلمية مع القرارات التي تصدر في كل أسبوع، وسيتعين على من يتخذ القرار أن يجيد قراءة الشارع بدل الاستماع إلى ما يقوله أشخاص لا يمثلون إلا أنفسهم، كما أن الاعتماد على جيوش من المتزلفين الذين يحتلون وسائل إعلام فاقدة للمصداقية، وكان معظمهم يسبح بحمد بوتفليقة، لتمرير أي خطة سياسية سيكون خطأ قاتلا يعطي مزيدا من المصداقية للتوجس القائم فعلا من كل ما يأتي من فوق.
لم يعد هناك مزيد من الوقت لتبديده في مناورات غير محسوبة، وجعل الانتخابات هدفا في حد ذاته سيزيد من خطر حدوث انتكاسة أخرى، وحتى الإسراع بالدفع برئيس ضعيف إلى الواجهة، مهما كانت حجج نزاهة الاقتراع التي قد يتم إخراجها للدفاع عن شرعية هذا الرئيس، سيرحل التغيير إلى مرحلة تكون أصعب لأن الاعتقاد بأن النظام يمكن انقاذه وهم كبير أسقطته الثورة، ومن عجز عن رؤية الحقيقة الساطعة تحت شمس الجزائر في هذا الصيف الحار سيكون مثل من اختار أن يفتح على نفسه أبواب الجحيم .

 

شوهد المقال 231 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حميد بوحبيب ـ المسار الانتخابي ...2 !

د.حميد بوحبيب  للمرة الثانية في تاريخ الدولة الوطنية الفتية، تلوح في الأفق بوادر توقيف المسار الانتخابي .في المرة الأولى، فعلها الجيش بمعية القوى التي تحالفت ضمن
image

رائد جبار كاظم ـ التظاهرات في العراق تعدد السيناريوهات وصراع الارادات

د. رائد جبار كاظم  واقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا
image

سعيد لوصيف ـ في مشروعية مطلب الثورة في تمدين الدولة ،،، هلاّ تحدّثنا بهدوء؟

د.سعيد لوصيف   يعتبر تناول موضوع الفصل بين السلطة العسكرية و السلطة المدنية، موضوعا يحوي على الكثير من الحساسيات لدى الكثير من النخب السياسية
image

رضوان بوجمعة ـ من المحاكم الخاصة إلى قضاة القوة العمومية!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 132  ستبني الجزائر الجديدة سلطة قضائية مستقلة عن باقي السلطات، عندما تنجح في بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون من قبل مجتمع
image

عثمان لحياني ـ كتاب واحد ..قاموس الأزمة

 عثمان لحياني   تقرأ السلطة من كتاب واحد ربطت عقلها اليها، وأعقلت خيلها وخيالها الى قاموس التسعينات ، تغرف من ديباجته حرفا بحرف وتدبير بتدبير، ولم
image

يسين بوغازي ـ إستراتيجية الأقلية السياسية من لا يملك الى من لا يستطيع ؟

يسين بوغازي   إن أخوف ما تخافه الأقلية السياسية رئيسا مدنيا ، وإذا اقول رئيسا فالمعنى نهاية المناورات السياسية والإعلامية التي تبثها  الأقلية
image

يوسف بوشريم ـ من الإعتقالات والسجون السياسية إلى غلق صفحات الفايسبوك ..مؤشرات نظام يحتضر

 يوسف بوشريم   من الاعتقالات والسجون السياسية إلى الإعتقالات والسجون الفايسبوكية مؤشرات نظام يحتضر  بعد فشله الذريع في كل أشكال الثورات المضادة التي تهدف إلى إجهاض و إحتواء
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون...موظف سياسي على باب القصر الرئاسي!

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 131سيحتفل عبد المجيد تبون بعيد ميلاده الـــ74 يوم 17 نوفمبر، وهو ما يصادف تاريخ الانطلاق الرسمي المفترض للحملة الانتخابية، فهل هي
image

عثمان لحياني ـ التاريخ يتحدث : تعاطي العقل العسكري

 عثمان لحياني  ثمة أطروحة تبريرية في تعاطي العقل العسكري راهنا مع الشأن العام وفرضه مسارا سياسيا محددا، ويعتبر أصحاب هذه الاطروحة (بحسن نية
image

نجيب بلحيمر ـ مرشح الفراغ

نجيب بلحيمر   عاشت الجزائر في ظل شغور فعلي لمنصب رئيس الجمهورية ست سنوات, وكانت هناك نية في تمديد فترة الفراغ لخمس سنوات أخرى.هذا هو الفراغ الذي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats