الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ دولة الحاجب ودرع المقاتل

نجيب بلحيمر ـ دولة الحاجب ودرع المقاتل

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

تتقاطع الشهادات عن لحظة تخلي رئيس الأركان عن بوتفليقة ودعوته إلى الاستقالة دون إبطاء عند نقطة واحدة وهي أن "الرئيس" كان غائبا تماما عن المشهد وان شقيقه هو من كان يتولى محاولات البقاء في الحكم لمزيد من الوقت لضمان مخرج أكثر أمانا على الأرجح.
البيان الذي أصدره اليامين زروال بعد حديث رئيس الأركان عن الاجتماع المشبوه أكد أن سعيد بوتفليقة كلف الجنرال توفيق بنقل اقتراح له يقضي بتوليه الإشراف على المرحلة الانتقالية، وبعدها جاء الجنرال خالد نزار ليخبرنا بأن سعيد بوتفليقة اتصل به مرتين للبحث عن مخارج من الوضع الذي تعقد بعد أن ثار الجزائريون سلميا ضد النظام، وقد استنتج نزار بأن عبد العزيز بوتفليقة كان محيدا تماما عن المشهد، وقبل هؤلاء جميعا كان رئيس الأركان قد تحدث صراحة يوم 30 مارس عن العصابة وما سماها القوى غير الدستورية ورفض الاعتراف بالبيان الذي صدر قبل ذلك بيوم عن الرئاسة والذي أشار إلى أن بوتفليقة سيتخذ قرارات هامة قبل إعلان استقالته قبل 28 أفريل.
هذه الشهادات تعيدنا إلى أصل المشكلة وهي حكم الظل الذي كان يستعمل اسم بوتفليقة وختم الرئاسة، لكن هذه المشكلة لا تعود إلى 22 فيفري وما بعده، بل بدأت مباشرة بعد النوبة الإقفارية التي أقعدت بوتفليقة وجعلته غير قادر على النهوض بأعباء منصب الرئيس، وقد بدأ ترسيم حكم الظل فعليا مع بداية معركة العهدة الرابعة لإبقاء بوتفليقة في منصبه رغم المرض والعجز.
لقد منحت الوضعية الشاذة التي آلت إليها المهمة الرئاسية قوة خارقة لسعيد بوتفليقة، ولا تنبع تلك القوة عن دهاء سياسي بقدر ما هي نتاج لمزج غير عقلاني بين الشخصي والرسمي، فالرئيس تحول من مؤسسة إلى شخص، وبحكم المرض انتقلت صلاحيات المؤسسة وقوتها إلى من يرعى المريض ويتولى الحديث باسمه، وهنا تتحول علاقة القرابة إلى ما يشبه المؤسسة الدستورية، التي ستوصف فيما بعد القوة غير الدستورية.
من الناحية الإنسانية تحتفظ العائلة بحق رعاية المريض وتحديد من يمكنه رؤيته والحديث إليه ومتى، وفي حالة بوتفليقة يصبح الشقيق بقوة الحاجب الذي تتحدث عنه قصص السلاطين والملوك، وهكذا وجدت شخصية بثقل أنجيلا ميركل ومع كل القوة التي تمثلها ألمانيا، نفسها مجبرة على العودة من المطار بعد أن أبلغها الحاجب أن الرئيس مريض ولا يمكنه استقبالها، وكذلك حدث لكل الذين طلبوا رؤية بوتفليقة من السياسيين الجزائريين في السنوات الماضية التي ظل فيها الخطاب السياسي يدور حول القدرات الخارقة للرئيس الغائب، وصار إقحام صورته في كل حدث واسمه في كل حديث لازمة تتردد دون انقطاع.
طيلة ست سنوات قضاها بوتفليقة المريض والعاجز في منصبه كانت القرارات تصدر عن الرئاسة بعزل مسؤولين وتعيين آخرين، وبعض القرارات كانت غريبة وتشي بتخبط وصراع أشخاص وعصب مثل تعيين تبون وزيرا أول ثم تنحيته، وقصة الوزير الذي عزل بعد أربع وعشرين ساعة من استلامه مهامه، وقصص أخرى كثيرة، لكن ليس هذا فحسب، فقد كانت قناة النهار، وليس التلفزيون العمومي أو وكالة الأنباء الرسمية، تنفرد بنشر أخبار عزل جنرالات وتعيين آخرين مكانهم، وقرارات حبس قادة كبار في الجيش ثم إطلاق سراحهم، دون أن يعرف الجزائريون مبررات هذه القرارات ودون أن يعرفوا من اتخذها على وجه الدقة.
لم يترك المرض لبوتفليقة القوة التي تمكنه من المناورة كما فعل في السنوات الأولى لحكمه، ومن الطبيعي أن سلطته انتقلت إلى شقيقه الذي تحول إلى حاجب يحتاجه الجميع بمن فيهم رئيس الأركان الذي هو بحاجة إلى غطاء دستوري لكل قرارات العزل والتعيين في المؤسسة العسكرية، وفي مقابل الغطاء الذي يوفره يحصل الحاجب على سلطة تكاد تكون مطلقة في تسيير الواجهة المدنية للحكم وتوزيع ما يرتبط بها من مزايا ومنافع تمنحه هامشا واسعا للمناورة وبناء التحالفات التي تسمح بالحفاظ على السلطة واستمرار الوضع القائم.
كان ذلك هو العهد غير المكتوب بين بوتفليقة ورئيس الأركان، وكانت تلك القاعدة التي قام عليها حكم الظل الذي سيجعل محاسبة الفاعلين الحقيقيين في كل قضايا الفساد والنهب أمرا شبه مستحيل، وحتى رئيس الأركان الذي استعار مصطلحي القوى غير الدستورية، والعصابة من بعض الساسة والمتظاهرين في الشارع، يجد اليوم نفسه عضوا في حكومة تشكلت في زمن ختم الرئاسة المسروق، وسلطة الظل، لكنه لا يستطيع أن يطعن في صحة ومصدر البيان الذي ثبته كحاكم فعلي للبلاد في حين انه طعن في بيان آخر صدر بنفس الطريقة وكان يمهد لعزله، أو هكذا أوحى السياق وأشارت الصياغة.
إن العامل الذي أسقطته الجماعة الحاكمة من حساباتها كان هو الحاسم، هذا العامل اسمه الشارع، فقبل فترة قليلة من انطلاق الثورة السلمية الشعبية كان أحمد أويحيى يتحدث بكل ثقة عن عزم الحكومة على منع كل من يعارض الخامسة من النزول إلى الشارع، لكن أويحيى والجماعة استعدوا للمعارضة فوجدوا أنفسهم في مواجهة الشعب برمته، وقد عجلت هذه المفاجأة الكبيرة وغير السارة بانفراط عقد الجماعة الحاكمة وبداية القفز من السفينة التي توشك على الغرق.
لم يقم تحالف الجماعة الحاكمة على أسس إيديولوجية أو فكرية أو حتى جهوية، رغم اللعب على هذه العناصر كلها كجزئيات في بناء السلطة في عهد بوتفليقة، بل قام هذا التحالف على أساس من المصالح تتلخص في المنافع والامتيازات المترتبة عن الإمساك بالسلطة وممارستها، فهاجس بوتفليقة كان البقاء في الحكم مدى الحياة ولبلوغ الهدف كان يوظف كل المتناقضات، وخلال سنوات حكمه استطاع أن يحيط نفسه بأشخاص مستعدين لفعل كل شيء من أجل السلطة وامتيازاتها، ولعل القرارات التي تبدو متناقضة بتعيين أشخاص ثم عزلهم ثم إعادة تعيينهم تؤكد أمرين أساسيين، الأول هو أن المناورة المستمرة كانت الأداة الأساسية للحفاظ على التوازنات، وأن زبائن النظام من المسؤولين المتداولين على المناصب السامية لا يمكنهم الانتقال إلى خارج النظام لأسباب تتعلق بحرصهم على المنافع وبتورطهم في قضايا قد ترهن مستقبلهم وربما حريتهم أيضا، وتخبرنا الملاحقات القضائية الجارية الآن عن هذه الحقيقة بكل وضوح.
قد تبدو هذه التفاصيل غير ذات أهمية ومعروفة للجميع، غير أنها ضرورية لإعادة رسم الصورة وفهم ما يجري الآن، فصراع العصب والأشخاص الذي جرى الحديث عنه منذ ست سنوات وتحول إلى حديث عن صراع أجهزة ومؤسسات ( الرئاسة ضد المخابرات) ثم ( قيادة الأركان ضد المخابرات ) وأخيرا ( قيادة الأركان ضد الرئاسة ) يؤكد لنا حقيقة سيطرة الأشخاص على الدولة وما نسميه مؤسسات، وهذا ما يفسر لنا التحول في التحالفات بشكل يبدو غير منطقي وغير عقلاني، فرئيس الأركان بات ضد شقيق الرئيس ومن يصفهم بالعصابة ( الكلمة فضفاضة لكن الإجماع حاصل على أن رئيس الأركان يقصد جماعة الرئاسة ) والجنرال توفيق الذي تم ظل يقدم لسنوات كعدو أساسي لبوتفليقة ورئيس الأركان أصبح يحسب على جماعة الرئاسة، ثم يأتي خالد نزار ليعزز هذه التحالفات وينضم إلى صف رئيس الأركان بعد أن كان يعتبره ضمن جماعة بوتفليقة التي لم يكن في صفها إلا مضطرا ولفترات قصيرة.
ترسم لنا الشهادات التي قدمت إلى حد الآن سعيد بوتفليقة في لحظة تخلي الجيش عنه في صورة الرجل الضعيف والمرتبك، وقد حاول تجميع كل من اعتقد انهم كانوا ضد رئيس الأركان من أجل تعطيل استقالة بوتفليقة وضمان خروج آمن، لكن ذلك لم يكن ممكنا، وهذا يعيدنا إلى النقطة الأساسية وهي أن بقاء بوتفليقة المريض والعاجز في المنصب لم يكن ممكنا من دون غطاء يوفره الجيش الذي سار بأمر رئيس الأركان على طريق دعم العهدة الرابعة وكان بصدد تمرير عهدة خامسة بالانتخابات مرة وبالتمديد أخرى وبالتأجيل ثالثة لولا أن الشعب أراد أمرا آخر وعجلت ثورته السلمية بانفراط عقد الجماعة وتشتيت شملها.
الآن وقد أخرج الجزائريون السلطة الفعلية إلى الواجهة، وأرغموا الجميع على كشف أسلوب الحكم الخفي، تظهر المؤسسات كلها ودون استثناء، بأنها رهينة خيارات الأشخاص التي تبنى على المصالح والعلاقات في حين تتحول القوانين، وعلى رأسها الدستور، إلى مجرد غطاء لتلك الممارسات التي درج عليها النظام منذ الاستقلال، بينما تتولى بعض النخب السياسية والإعلامية مهمة إلباس ما يجري ثوب الصراعات الإيديولوجية والسياسية رغم أن الفاعلين لا يملكون مزية الثقافة والذكاء، وحتى إن بدت محاولات التضليل هذه فاشلة فإنها تبقى شديدة الخطورة عندما يتم إنزالها إلى الأرض من خلال إحياء نعرات جهوية تهدف إلى تمزيق المجتمع لضمان استمرارية نظام تجاوزه الزمن.

 

شوهد المقال 448 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول
image

سعيد لوصيف ـ الطفو (émergence) و ديناميكية الحراك : الشغل لمليح يطول..

د. سعيد لوصيف  من عوامل نجاح الحراك، أن لا تنحصر وظيفته فقط في مواجهة نظام توليتاري مهيمن، صادر جميع حقوق المجتمع منذ عشريات، وإنما من وظيفته
image

عثمان لحياني ـ الحراك... والغنيمة

عثمان لحياني  من يعتقد أن الحراك غنيمة فهو واهم ، وواهم من يعتبر أنه يمكن أن يقضي به مصلحة، ومن يظن أنه يمكن أن يقضي من
image

عبد الباقي صلاي ـ العلاقات الإنسانية التي أصبحت في الصفر !

عبد الباقي صلاي من السهل بناء العلاقات الإنسانية،لكن من الصعب بمكان الحفاظ عليها كما هو متعارف عليه في كل أصقاع الدنيا،والأصعب من كل هذا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats