الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ خرافة الدولة العميقة

نجيب بلحيمر ـ خرافة الدولة العميقة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر

 

 

سألت صحافية تلفزيون الشروق ضيفها الوزير السابق الهاشمي جعبوب عن المقصود بالدولة العميقة ( بعد أن صححت له لأنه قال الجزائر العميقة ) فأجاب بأن المقصود بها الجنرال توفيق، ثم استرسل في الحديث عن الشبكة التي يديرها هذا الجنرال وكيف حاولت تحريك الشارع الجزائري في اتجاه معين.
ويمثل كلام جعبوب عينة من حديث لا يتوقف في وسائل الإعلام عن الدولة العميقة التي يقصد بها الجنرال توفيق ومن هم محسوبون عليه من الذين عملوا تحت إمرته في المخابرات، أو من المسؤولين المدنيين الذين يدينون له بالولاء ويعتبرونه ولي نعمتهم، وهذا التوصيف للدولة العميقة يمثل استخفافا كبيرا بعقول الناس، فضلا عن كونه مجانبا للحقيقة العلمية، ولواقع الجزائر أيضا.
يقول علماء السياسة إن مصطلح الدولة العميقة لم يضبط علميا بعد، وهو منسوب إلى الصحافيين بصفة أخص، وبعض الدراسات التي حاولت التأصيل للمصطلح تشير على العموم إلى أن الدولة العميقة يقصد بها في الدول الديمقراطية القوى غير المنتخبة التي تتحكم في دول يفترض أن حكامها منتخبون، ففي الحالة الأمريكية الدولة العميقة تمثلها البيروقراطية الحكومية المتجذرة والأجهزة العسكرية الأمنية، وهي تهدف إلى الحفاظ على الوضع القائم وترفض التغيير وتنطلق من قناعتها بأنها تدرك مصلحة الدولة أفضل من المنتخبين وتعتبر نفسها وصية على هذه المصلحة. 
أما الحقيقة الجزائرية فشيء آخر تماما، ففي نظام سلطوي مثل الذي يحكمنا يصبح الحديث عن الدولة العميقة بلا معنى، فالسلطة الفعلية في الجزائر هي في يد الجيش، وجهاز المخابرات الذي بقي تابعا للجيش، باستثناء الأربع سنوات التي تلت ما سمي إعادة هيكلة المخابرات ( حل مديرية الاستعلام والأمن )، يلعب دورا معروفا في الحياة السياسية كشرطة سياسية، وقد بقي مسيطرا على الإدارة أيضا وبشكل ظاهر لا يحتاج إلى أي غوص لإدراكه.
من هنا يصبح مصطلح الدولة العميقة ( الذي هو أصلا مفهوم فضفاض ) غير صالح للاستعمال في الجزائر، ومع ذلك يبقى ربطه بشخص واحد لا يملك أي منصب وليست له أي صفة رسمية، استثناء جزائريا قد يجلب لنا السخرية والازدراء، خاصة إذا علمنا أن هذا الشخص منذ مغادرته لمنصبه في 13 سبتمبر 2015 أصبح العسكريون، وحتى بعض المدنيين يتجنبون التواصل معه بشكل علني، وآخر ما علمنا عن نشاطه هو محاولة لإقناع اليامين زروال بقبول مقترح السعيد بوتفليقة له بالإشراف على مرحلة انتقالية.
إن الشبكات الخفية التي تؤثر في الحكم لا ترتبط بشخص واحد، وفي العادة ليس لها رأس معروف، بل هي موجودة في جميع أجهزة الحكم وتعمل بطريقة قانونية، وتتحرك انطلاقا من قناعات تولدت لديها من خلال سنوات من العمل في الإدارة والجيش والأجهزة الأمنية، أما إذا اختزلت هذه الدولة العميقة في شخص فإن عملية تفكيكها تصبح في المتناول، ولعل السنوات الأربع بعد تقاعد الجنرال توفيق كانت كافية لمعرفة كل الأشخاص الذين يتصل بهم باستمرار وكيف يدير هذه الشبكات التي يسعى من خلالها للسيطرة على الدولة أو زعزعة استقرار الجيش كما أوحى بذلك أحد بيانات وزارة الدفاع الوطني رغم انه لم يذكر أسماء من توجه لهم هذه التهمة.
لقد تم تعيين مساعدي توفيق في مناصب حساسة بعد رحيله، وبقوا في هذه المناصب لسنوات، والآن تجري تغييرات أخرى، دون أن يؤدي ذلك لأي تململ داخل المؤسسة الأمنية أو في الجيش بصفة أشمل، وهذا يذكرنا بقاعدة مهمة وهي أن النفوذ والتأثير مرتبط بالمنصب لا بالشخص، وينطبق هذا على الجنرال توفيق وعلى جميع الجنرالات العاملين والمتقاعدين.
من الواضح أن هناك استعمالا سياسيا لفزاعة الجنرال توفيق والمخابرات (التي يسمونها سابقة رغم أن إعادة الهيكلة لا تعني الحل) كبديل عن الفزاعات التي فشلت في إقناع الجزائريين بالتخلي عن التظاهر السلمي من أجل تغيير النظام، ومن ضمنها فزاعة المؤامرة الخارجية، والتخويف بالنموذجين الليبي والسوري، وحتى الإشارة إلى الحالة العراقية واحتمالات التدخل الأجنبي، وليس صدفة أن يكون اللجوء إلى هذه الخدعة متزامنا مع تخلي رئيس أركان الجيش عن بوتفليقة ودعوته الصريحة له للاستقالة من خلال الدعوة إلى تطبيق المادة 102 من الدستور.
يخبرنا الوعي الذي أظهره الجزائريون خلال الأسابيع السبعة الماضية بأن عمليات التضليل، ومحاولات توجيه النقاش بعيدا عن الهدف الذي يسعى إليه الجزائريون آلت كلها إلى الفشل، واللعب على وتر الدولة العميقة لن يشوش على وضوح رؤية من يريد أن ينهي الحكم الخفي ليبني دولة القانون.

 

شوهد المقال 599 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون
image

جمال الدين طالب ـ 22 فيفري 2019 ـ2021 : لا لغة أخرى تقول

جمال الدين طالب             لا لغة أخرى تقولولا كلماتلا خطب أحّرى ولا شعارات***لا لغة أخرى تقوللا معاني أدرى ولا استعارات *** أغاني الثورةحراك الشعبصخب المجازات***"نظام" الفوضىهذيان الجرابيع
image

رضوان بوجمعة ـ الأسئلة المغيبة لدى الأجهزة الحزبية والإعلامية و"النخب الجامعية"!

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 194 عامان كاملان مرا اليوم على انطلاق الثورة السلمية، عاد الشعب إلى الشوارع، اليوم الاثنين، يوم يشبه أول "جمعة" من الحراك،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats