الرئيسية | الإفتتاحية | ناصر جابي - الجهوية في تونس ... مثل العادة السرية تماما

ناصر جابي - الجهوية في تونس ... مثل العادة السرية تماما

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. ناصر جابي 
 
مهما كانت نتائج الدور الثاني من الرئاسيات التونسية فإن الشعب التونسي قد نجح في انجاز جزء مهم من عملية الانتقال السياسي وبأقل التكاليف، نتيجة عدة عوامل أصبحت الآن معروفة ومتداولة كقوة حضور المجتمع المدني وتجانس النخب وحضور الفئات الوسطى ...عوامل هي في حقيقة الأمر من المخلفات الايجابية للفترة البورقيبة التي لم يستطع نظام بن علي القضاء عليها أو تشويهها كليا .
نجاح عملية الانتقال في تونس التي يمكن التدليل عليها أننا كنا لأول مرة أمام دور ثاني من الانتخابات الرئاسية ،كان السائد فيها عربيا حسمها في دورها الأول وبنسب عالية ومن دون أدني تشويق أو شك لصالح الزعيم الذي يتعامل معها كعملية مبايعة شكلية .
ما يهمنا في هذه العجالة ليس هذه الاعتبارات العامة على أهميتها، بقدر ما هي محطة الدور الثاني وما ستعرفه من صراع من كل نوع ليس سياسي فقط .سنعود إلى بعض تفاصيله الآن .
في دراسة قديمة للحركة النقابية التونسية يقول الباحث صالح حمزاوي أن اللقاءات التي تتم داخل الهياكل النقابية بمناسبة انتخابات القيادات النقابية تعرف استقطابات تتجاوز "السياسي "، فبمجرد الإعلان عن وصول مرحلة الحسم الانتخابي ،تتشكل تحالفات ليس لها علاقة بالسياسي بل بالانتماء الجهوي في المقام ، لتحسم هذه الانتخابات اعتمادا على هذه القراءة الجهوية في الغالب ....خوك خوك لا يغرك صاحبك . يحصل هذا داخل أقوى نقابة عربية وفي مجتمع من أكثر المجتمعات العربية تجانسا ...
عدت إلى هذه الدراسة وأنا أتابع المشهد الانتخابي التونسي وهو على أبواب مرحلة الدور الثاني التي يتنافس فيها وجهين سياسيين ،يمكن أن يعودا بتونس بقوة إلى هذه الإشكالية التي كان البعض يظن انها تجاوزتها باعتبارها من أكثر المجتمعات العربية تجانسا من الناحية الاجتماعية والثقافية .
نعم انتخابات الدور الثاني في رئاسيات تونس لن تبقى في القشور السياسية وستغوص بعمق في الاجتماعي والثقافي والجهوي والانثربولوجي وقد بدأت بوادر ذلك فعلا على شكل استدعاء للتاريخ ورجاله ورموزه .يكفي هنا أن نذكر بنتائج الدور الأول ذاته التي تؤكد هذه القراءة ، ليس من حيث النتائج فقط ،بل حتى من نسب المشاركة التي كانت أقوى بكثير في الشمال من الجنوب ،مما قد يوحي لأول وهلة أن المرزوقي كمرشح في الدور الثاني لازالت لديه قوة اجتماعية هائلة قابلة للتجنيد لم تشارك في الدور الأول لكنها ممكن أن تشارك في الدور الثاني إذا تم تجنيدها وقد تحسم الانتخابات لصالح مرشحها في نهاية الأمر وتكون المفاجئة بفوز المرزوقي .
التشنج الذي بدأ يظهر على بلا توهات التلفزيونيات التونسية ، بعد الإعلان عن نتائج الدور الأول ، يمكن أن يكون مؤشر عن هذا الاستقطاب الذي يتجاوز السياسي والذي سيكون من الصعب التنبؤ بنتائجه على المستوى الانتخابي، رغم أننا نظن أن الذي سيفوز من الاثنين لن يفوز ألا بنسبة ضعيفة جدا . وهو ما يؤكد مرة أخرى أن تونس قد نجحت في تنظيم انتخابات ديمقراطية، سيكون الفائز فيها ومهما كانت النتائج الشعب التونسي بكل فئاته وقواه الاجتماعية والسياسية وليس السبسي أو المرزوقي ...
محطات كثيرة في الدور الأول أكدت هذه القراءة التي انغمست في الجهوي والثقافي يكفي أن نذكر منه ذلك العداء الكبير الذي عبر عنه جزء من النخبة السياسية والإعلامية لمنصف المرزوقي الذي حوله خصومه من ... لائكي إلى إسلامي متطرف في أقل من أسبوعين ...فما يحصل في حق هذا الرجل المناضل يتجاوز السياسي بكل تأكيد، ليدخل في خانة الانثربولوجي وحتى الاثنلوجي في بعض الأحيان ...فعيب الرجل الرئيسي أنه يقدم صورة عن رئيس تونس ليست مقبولة من قبل فئات اجتماعية ذات حضور سياسي وإعلامي قوي في تونس،تعودت على نمط معين من الرؤساء في تونس ليس بينهم ...ذلك الأسمر الأشعث ،الأغبر، ابن المرازيق بالجنوب التونسي ،حتى وإن ولد وتربى في غرمباليا الساحلية ودرس الطب في ستراسبورغ وتزوج بأوروبية ... أقول هذا رغم أن الكثير من الإخوة التوانسة سيرفضون هذا الكلام ... لأنهم مثل غيرهم من العرب والجزائريون من بينهم ،يمارسون الجهوية وبقوة أثناء مرحلة الانتخابات والحسم السياسي لكنهم يرفضون الحديث عنها والقبول بها كعامل مهم مفسر للسلوك الانتخابي والسياسي عموما ...لأنهم "خويان"... كلهم توانسة ولا فرق بين الجنوب والشمال ...الخ.فالجهوية في مجتمعاتنا العربية ،مثل العادة السرية تماما ، يمارسها الكثير وبشراهة أحيانا ،لكن لا يتحدث عنها إلا القليل والنادر .

 

شوهد المقال 1758 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان ـ شهقةُ الكرملْ

عادل السرحان                ياأبتِ خذ قلبي وامنحني قلبك وإن كان عليلاًسأحيا به ... حتماً سأحيا حبك كالربيع وأنى لزهرةٍ أن تموت حين يغشاها الربيعخذ قلبي الفتي
image

عادل البشراوي ـ قرابين هولاكو

عادل البشراوي عندما جهز جورج بوش الإبن قوات التحالف للحرب على الإرهاب قبل عقد ونيف فاستحل أفغانستان والعراق، كان يقول أن الرب تحدث معه وأمره بذلك
image

عماد بوبكري ـ ما وراء ملف الصحراء الغربية في الحسابات الجيوسياسية الإقليمية و الدولية

عماد بوبكري  أنا من اللذين يعتقدون أن ملف الصحراء الغربية خرج من الحسابات الضيقة و المناواشات الجزائرية المغربية الضيقة ليدخل و بصفة دائمة كقضية مربوطة حتميا
image

سعيد لوصيف ـ التفكير في المجتمع الجزائري المعاصر

د . سعيد لوصيف  يعتبر التفكير في المجتمع الجزائري و ظواهره النفسية الاجتماعية نشاط شيّق و شاق في الوقت ذاته: شيّق لأنّه يسمح للباحث
image

نجيب بلحيمر ـ مرض تبون.. مأزق السلطة وفرصتها

نجيب بلحيمر  حديث "الفراغ" يهيمن على ما يكتب ويقال عن الجزائر. هنا وفي الخارج أيضا، فرنسا تحديدا التي يرانا بعيونها جزء كبير من العالم، تجري المقارنات
image

العربي فرحاتي ـ الساركوزية والماكرونية..والحراك

د. العربي فرحاتي  بدافع التلهية سبق لساركوزي أن أثار قضية الاعتراف بجرائم الاستعمار باعتبارها قضية الشعب الجزائري وهو كلام استهوى الكثير من مثقفينا فأثاروها كما لو
image

نجيب بلحيمر ـ الفراغ.. مرض النظام المزمن

نجيب بلحيمر   “سمعنا دعوات لإلغاء الإستفتاء، فإننا إذا فرضنا جدلا بالتسليم بتلك الحجج وفي إطار وفاق وطني بين الشركاء في الساحة الوطنية بضرورة إلغاء الدستور
image

عادل السرحان ـ جنوبي أنا

عادل السرحان                ومذ ولدتُ رضعتُ حروف المحبّةمن صدر أمّي وأول مانطقت به (حبوبي)تشرق شمسي من سعف النخيل وتغرب خلف خطوط الكهرباءفي الأفق الخجولتعلّمتُ البكاء قبل الولادة وحين خرجت
image

فضيلة معيرش ـ مرآب في بيت أبي

فضيلة معيرشأدمن الصمت على عتبات الماضي دون ما يد حانية تخفف من أعباء شكواه، تزوج منذ أكثر من عشرين سنة وهاهو عبد الباقي يقترب
image

أحمد سليمان العمري ـ سياسات عقيمة ورسومات لا تختلف عنها

أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف«إنّا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر». هل الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لرسول الأمّة حريّة تعبير أم استفزاز صريح لشريحة كبيرة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats