الرئيسية | الإفتتاحية | ناصر جابي ..... الجزائر.... لا تعولوا على الأمني لحل مشاكلكم السياسية

ناصر جابي ..... الجزائر.... لا تعولوا على الأمني لحل مشاكلكم السياسية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د . ناصر جابي 

 


حسب آخر سبر أراء أنجز بالجزائر ، اطلعت عليه ،يظهر أن الجزائريين يثقون بنسبة عالية جدا تصل إلى 96.5 في المؤسسة الأمنية. ثقة لا تنافس فيها المؤسسة الأمنية إلا مؤسسة الجيش، عكس البرلمان والأحزاب التي تقل ثقة الجزائريين فيها، حسبما تم التصريح به في هذا الاستطلاع .موقف يشترك فيه الجزائريون مع أغلبية العرب الذين يثقون حسب هذا الاستطلاع في مؤسساتهم "القمعية " ولا يثقون في المؤسسات التي يفترض فيها أنها تمثلهم وتدافع عنهم كالبرلمان والحزب .
مفارقة لابد لها من تفسير جدي عدت لها وأنا أشاهد تحت تأثير الدهشة مثل غيري من الجزائريين مسيرات قوات حفظ الأمن وهي متجهة نحو رئاسة الجمهورية للاحتجاج والمطالبة لأول مرة في تاريخ الجزائر السياسي.نعم سياسي لأن الظاهرة ورغم بعض أبعادها المرتبطة بالشأن الاجتماعي كالمطالبة بتحسين ظروف العمل والحياة وحتى تكوين نقابة، إلا أنها تبقى ظاهرة سياسية في المقام الأول ....فليس من المعقول في حالة سياسية عادية أن تتظاهر القوات المكلفة بحفظ الامن و"محاربة الشغب" ،لتتوجه هكذا "لمحاصرة "مقر رئاسة الجمهورية .
البعد السياسي لهذه المسيرة الاحتجاجية الذي لا يمكن أن يغفل إذا ربطناها مع ما يحدث في غرداية منذ مدة طويلة، من أعمال عنف واضطراب ،فشل السياسيون الرسميون وحتى المعارضون في إيجاد أو اقتراح حلول لها وكأن هؤلاء الشباب الملتحقين بكثافة بقوات الامن حديثا، للحصول على مصدر دخل لهم ولعائلاتهم ، ،يقولون للجميع ...لا نريد أن ندفع ثمن فشلكم أيها السياسيون ...لا نريد أن نموت ويتم الاعتداء علينا وييتم أبنائنا ...لأنكم فشلتم في إيجاد حلول سياسية لمشاكل البلاد .... فالعمل الأمني الوقائي وحتى القمعي له حدود لا يمكن له ولا يجب أن يتجاوزها كما يوحي الوضع في غرداية التي تعفنت أزمتها وأصبحت تهدد استقرار كل البلاد وليس الجنوب فقط.
البعد السياسي لهذه المسيرات يتأكد من جهة أخرى إذا عدنا إلى ما قالته أكثر من جهة سياسية معارضة ونبهت له أكثر من مرة في ومنذ سنوات ... أزمة النظام السياسي الجزائري،يمكن أن تتفاقم لتهدد مؤسسات الدولة الوطنية نفسها .فما كان أزمة نظام ،يمكن أن يستفحل و يصبح أزمة مؤسسات و دولة وبلد ومجتمع .وهو ما نراه بالعين المجردة في مسيرة قوات الامن بالعاصمة وغيرها من المدن الأخرى ....تأكيدا لما قاله أكثر من معارض سياسي في البلد...هذا النظام لم يعد خطر على نفسه فقط، بل خطرا على الجزائر.أصبح من فرض عين علينا،أن نعمل على تغييره وإصلاحه،قبل أن تفلت الأمور من بين أيدينا.
السياسة حاضرة بقوة كذلك في هذه الحركة الاحتجاجية لقوات الأمن إذا نظرنا إلى المطالب المرفوعة ليس في شقها الاجتماعي –المهني الشرعي والمقبول، بل فيما لم تقله .فقد تعلمت من دراستي لعالم الشغل والحركات الاجتماعية والسياسية أن ما لا يقال ويتم السكوت عنه أثناء المفوضات ورفع المطالب، قد يكون أكثر أهمية، مما يكتب ويطرح كقائمة مطالب.وسأكتفي بنقطتين هامتين الأولى طرحت على رأس المطالب وهي المتعلقة بإبعاد المدير العام الحالي من منصبه .الرجل الذي تم الحديث –الساكت عن طموحاته الرئاسية الفعلية أو المتخيلة،مما قد يوحي بأن لهذه الاحتجاجات ارتباطات بصراع الأجنحة داخل السلطة التي قد تخرج إلى الشارع إذا فشلت مراكز القوى في حسمها فيما بينها ولا أقول داخل المؤسسات لأنها من دون دور فعلي،في حسم مثل هذه الأمور،كما يخبرنا التاريخ السياسي للجزائر بذلك . 
النقطة الأخيرة التي أريد الحديث عنها قبل الانتهاء من هذه القراءة القصيرة لاحتجاج الشرطة في الجزائر 
أن ما لم يتم التطرق إليه ضمن المطالب مرتبط هو الأخر بشكل واضح بعقيدة الشرطة الجزائرية الجديدة التي نادت بها في السنوات الأخيرة تحت تسمية غريبة " la gestion démocratique des foules " والتي يفهم منها تدخل أقل في قمع المتظاهرين والمحتجين خوفا من التكلفة السياسية لأي تدخل عنيف لا يتحملها النظام السياسي الجزائري في وقت زادت فيه الاحتجاجات في الجزائر والمنطقة بكل تداعياتها المعروفة .ما فهمته شخصيا أن هناك طلب مبطن لم يتم الإفصاح عنه من قبل المحتجين ضد هذه العقيدة التي لا يريد رجال مكافحة الشغب أن يدفعوا ثمنها على حساب أرواحهم وسلامتهم البدنية ،كما قد يتطور الأمر إليه في غرداية على سبيل المثال نتيجة تعفن الوضع فيها .
وهو ما يجعلنا نعود إلى نقطة البداية ... لا يجب التعويل على الحل الأمني أمام مشاكلنا السياسية المعقدة والبسيطة في أن واحد...فتاريخ الحراك الاجتماعي في العالم يخبرنا أن المشكل الاجتماعي الذي لا يجد الحلول في الوقت المناسب يتحول بالضرورة إلى مشكل أمني و يتحول أخيرا إلى مشكل سياسي،قبلنا بذلك أو رفضناه .

 

شوهد المقال 1608 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats