الرئيسية | من الصحافة | مصر: حين لا تنفع القوة الناعمة!

مصر: حين لا تنفع القوة الناعمة!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

محمد قواص  
 
في أيار/ مايو من عام 1968 اندلعت ثورة في فرنسا ما زالت تُرخي بظلالها حتى يومنا هذا. خرجت الجموع تدحرج مطالبها الاجتماعية، لتتطور إلى مطالب سياسية ثقافية تتمرد على النظام السياسي الديغولي وتقاليده. كان أن طالت المواجهات، فانقلب الرأي العام الفرنسي ليمنحَ الحزب الديغولي انتصارا كاسحا في انتخابات مبكرة جرت آخر نفس الشهر. رغم ذلك، لم ينتش الجنرال شارل ديغول، وأصر على مصادقة إصلاحات عبر استفتاء واضعا مصيره السياسي رهن تمريرها. قال الفرنسيون لا، فهم ديغول الرسالة ورحل. 
في مصر، خرج الناس بعشرات الملايين، لم يفهم مرسي الرسالة، ولم يقبل باستفتاء، فبقى. وبين المثالين وصفة للمواجهة التي تشهدها البلاد حاليا. 
يدهشك الحدث المصري منذ تصاعده السريع نحو قمة انفجاره في موعد «30 يونيو» الشهير. يختلط المشهد بالفرجة، والتراجيديا بالفرح، ويتيحُ «النقل المباشر» الاستسلام للنشوة الصادرة عن عرض نادر في الشكل والمضمون والإخراج. يتحول الأمر إلى دراما تلفزيونية مصرية (تكاد تكون رمضانية) حيث ينحاز المشاهد، حلقة بعد أخرى، للبطل المخلص، ويبارك انتصاراته ضد الأشرار. 
تولى محمد مرسي وقبيلته، منذ اللحظات الأولى لتحكمهم بمصر، إشعارنا بالقلق وعدم اليقين وعرضية مرورهم في تاريخ البلد. راقبنا بجزع انهيار «ثورة 25 يناير» وشعاراتها، وشيوع ظواهر تفكيكية للمجتمع تعيد اكتشافه وتفريقه وفصل أجزائه وتصنيف قطعه. 
وفق تلك التمارين تولت «حكمة» الإخوان تعرية المصريين وكشف عوراتهم وفق منظومة قيم مستجدّة، وتقديم كشف حساب يحشر الناس في معسكرين، الأول للمؤمنين الوطنيين الأشراف، والثاني للكافرين الملحدين العلمانيين الذين انعدمت أخلاقهم وقل حياؤهم. 
بصدور نتائج فحوصات الإخوان المخبرية على مصر والمصريين، وجد الأقباط أنفسهم جماعة خارج السياق، فيما قوى الثورة من خارج الإطار الديني جماعة مشبوهة على حافة العمالة، أما القضاة فهم فلول مرتبطون، وأهل السينما والفن والصحافة والإعلام رجس من عمل الشيطان.. إلخ. 
أضحت مصر عليلة في داخلها تشكو الانقسام والمازوخية والمقت من التغيير، وربما الندم على حكم سقط. ذلك ما شد من عضد مقاومة تصاعد إيقاعها وانبسطت مساحاتها حتى فاضت في تسونامي بشري هو الأكبر في تاريخ البشرية، أو هكذا قيل. 
هكذا هو المشهد الذي أحالنا مستسلمين لنهاية المشهد. 
لا مجال للحذر والتشكيك، ولا تردد في قبول استخدام المتوفر لإنقاذ المريض، لإنقاذ مصر من سقوط نحو العدم. بات المسرح بشخوصه يبشر بتغير المشهد بعد إسدال الستار على مشهد سابق. في خاتمة التراجيديا إطلالة للعسكر محاطا بأزهر المسلمين وباباوية الأقباط ورموز تمثل مصر «30 يونيو» تسقط مشهد مصر في 29 يونيو. 
لم ينته مخاض الولادة. مقاومة أهل الحكم الإخواني شديدة يجوز فيها استخدام العنف والإرهاب دون تردد. على هذا نستمر بالانشداد للمشهد المصري بشخوصه وجدله وحواراته ونمط إخراجه، ما يجعلنا نكتفي بالمشاهدة عاجزين عن التدخل بالنص، كاستسلام العليل لترياق الأطباء دون نقاش. 
في ذلك ما يقلق. تجري عملية التغيير بالحد الأدنى من النقاش البيتي بعد أن نفذت وسائل النقاش. 
فالمطلوب استعادة مصر التي غابت عن وعيها منذ صدمة الثورة التي أطاحت بمبارك ونظامه. 
والمطلوب إعادة حقن المنطق في أوردة اجتاحها العبث، والمطلوب عقلنة ما بات جنونا واحتفاء بالجهل. 
كيف جاز لجماعة أن تعيد اختراع مصر دون أن تقرأ غابرها الفرعوني ومشهدها القبطي وتاريخها الإسلامي وتراثها العربي؟ 
كيف تخيل طرف إمكانية تفكيك البلد من خلال تفكيك نظام سياسي؟ وهل ينتفي الدائم الأصيل بانتفاء المؤقت العرضي في التاريخ؟ كيف تصور الإخوان أن يحكموا مصر دون الآخرين، وهم الذين نالوا السلطة بمواكبة الآخرين؟ كيف لم ير الإخوان أن أداءهم اليومي وتدابير «التسلل» التي انتهجوها واعتماد وسائل تمرير ما يمرر في ساعات الهرج والمرج لن يؤدي إلا إلى ما أدت الأمور إليه؟ ثم على ماذا كان التعويل حتى تصم الآذان عن عوامل الاعتراض من تيارات ومؤسسات ومدارس فكر، إلى أن باتت مصر «تمردا»؟ أي ضوء أخضر دولي (تدهشنا ماكيافيليّته) وأي صفقة انتهازية وأي هرولة لجني حصاد ما زرعه المصريون قادت الإخوان إلى ختم التاريخ والسعي لاغتيال غده؟ 
نعترف أنه في غفلة من الزمن استطاع الإخوان في مصر أن ينشروا وعيا يوازي بين الجماعة والإسلام، وأن كثيرا من المسلمين في العالم الإسلامي ربطوا الدفاع عن الدين بالدفاع عن الإخوان. 
نعترف أنه تحت شعار احترام صناديق الاقتراع (الصندوقراطية) شيدت الجماعة شبكة مصالح مع مدارس الإسلام السياسي هنا وهناك. نعترف أن قلة خبرتنا بالديمقراطية جعلتنا غير مصدقين لرحيل نظام متجذر كنظام مبارك، مستسلمين لأي بديل يؤكد زوال ما لم لا يزول. 
لا يتغير تاريخ الأمم بالقوة الناعمة. الإسلاميون الجهاديون أدركوا ذلك منذ زمن، فيما كان الآخرون يسعون للتغيير من خلال القول والحجة ومحاكاة العصر. كان على العالم أن يدخل حربا كونية لإزالة النظام النازي في ألمانيا الذي أتى بالديمقراطية وعبر صناديق الاقتراع. وكان أن استخدمت القنابل النووية للدفاع عن «النظم الديمقراطية» في العالم.. إلخ. وعليه، فإن الاستحقاقات الدراماتيكية الكبرى، على مآسيها، هي ما تنهي واقعا وتطلق وعيا آخر. 
وربما ما تشهده مصر على مأساويته يعبر عن جراحات الساعة الأخيرة لإنهاء تعفن قاتل لا محالة. 
في اندفاع دول إقليمية لدعم التغيير ماليا واقتصاديا ما يعكس مستوى المقت من حكم الإخوان المندثر وحجم التوق إلى مصر قوية مستقرة لا تقلق مزاجياتها استقرار الجوار. وفي اجتماع المصريين، وكثير من غير المصريين، على تبني ذلك التغيير ومحضه بالتأييد، ما يعكس توقا إلى إقامة حكم رشيد، وكفرا بحكم التخلف والفئوية والانقسام. 
في ذلك الاجماع البيتي والمجاور ما يستدعي توفير شروط أمان تمنع انزلاق النهايات السعيدة إلى نهايات خارج الحساب. 
العالم يراقب. منهم من يراقب بقلق على الديمقراطية، ومنهم من يراقب بخبث أفول رهاناته. يدهشنا المصريون منذ ثورتهم بقدرتهم العجيبة على الابتكار وعلى امتلاك أدوات العصر لمنع استتباب ما لا يرضونه خيرا لبلدهم. 
ولأن الشارع المصري ما زال محددا لتكتيكات الحكم، ما زال الفريق أول عبد الفتاح السيسي يتوجه لهذا الشارع ملتمسا التفويض. 
وعلى هذا الشارع أن يبقى حاضرا مستَنفرا لضمان بقاء مصر في حضن الحداثة، رافضا كارها لأي إغراءات للانزلاق نحو ما لا يمكن أن يكون محترِما لأصول الديمقراطية وفروعها. 
منذ «25 يناير» تحوّلت مصر إلى حدث عربي بإمتياز. 
ومنذ «30 يونيو» لم يعد هناك حدث عربي إلا الحدث المصري رغم جسامة ما تعيشه المنطقة بتفاصيلها (لا سيما المأساة في سوريا). بات المواطن العربي يناقش ويتداول الجدل المصري بصفته أمرا يعنيه مباشرة. صار الليبيون واللبنانيون والخليجيون كما المغاربة والعراقيون.. إلخ معنيين بمنصور والببلاوي والسيسي، لكنهم مهتمين أيضا بأسماء الوزراء في الحكومة المؤقتة وسيرتهم، متابعون لتشكيلة المحافظين وهوياتهم. 
بين ليلة وضحاها عادت مصر لتكون الهمّ العربي الأول كما كانت عليه في عقود غابرة. يعرف العرب أن ربيع وخريف المنطقة صار مرتبطا بربيع وخريف مصر، وأن التجربة المصرية الراهنة ستتداعى مباشرة على حاضرهم كما على مستقبلهم. وربما قد يطفئ البركان المصري براكين أخرى في المنطقة، وربما أن المشهد المصري بجزئياته بوابة لرسم المشهد الكليّ المقبل برمته. 
 
جريدة العرب اللندنية . 

 

شوهد المقال 2066 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نهاد مرنيز - " سي بوعزيز بن قانة " .... كتاب مسمُوم يوظفُ وجهة النظر الإستعمارية للثورة التحريرية

نهاد مرنيز أثارت عودةُ " قاطع أذُن " الجزائريين من خلال كتابٍ يُمجدُ تاريخهُ " القذر "والذي توثقهُ شهاداتٌ وصورٌ وحقائق ، الكثير من الجدل بين
image

رائد جبار كاظم - النفط مقابل الحياة

د. رائد جبار كاظم صرح الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب حول مسألة النفط في العراق بقوله : "إن واشنطن كان عليها أن تأخذ احتياطيات الخام العراقية"
image

بوزيد بغدادية - امرأة من دانتيل

بوزيد بغدادية               كَكُلِ أُنثى أناأصنع الفراشات وأهديها لحقولِ وطنيوأهديها للورْدِ والزَّهْرِككل أنثى أنا أخيط العرائسَ من القطنِوانْفُخُ فِيهَا طُولَ العُمْرِوأسْرِي... وأسْرِي... حالمةًوحظي الودودُ مَحْبُوسٌ في الأَسْرِوقدري البَائِسُ بَاعَ
image

مادونا عسكر - الرمزية ومدلولاتها في ديوان "من عبادان نحو العالم الفرنكوفوني" للشّاعر الإيراني جمال نصاري

مادونا عسكر- لبنانعندما تعجز اللّغة يحضر الشّعر بانسيابه العذب ومنطقه الأعلى وروحانيّته المتّقدة. يحضر، وتحضر معه فضائل العالم الشّعريّ الملامس للأرض المطاول للسّماء. "من عبادان
image

عبد الباقي صلاي - ما هكذا تورد الإبل يا حاكم الشارقة؟ !!

عبد الباقي صلاي لم نكن ننتظر من حاكم الشارقة "سلطان بن محمد القاسمي" أن يخرج علينا بتصريح أقل ما يقال عنه إنه تصريح غير مسؤول عن
image

بادية شكاط - حين صار الإسلام مشكلة.. هل ستصير العلمانية هي الحل؟

بادية شكاط   لا شك أننا اليوم بتنا بحاجة إلى بوصلة تُحدّْد لنا مواقعنا الإيديولوجية، تمامًا كتلك التي تُحدّد لنا مواقعنا الجغرافية، خاصة ونحن نعيش هذه الفوضى
image

ولد الصديق ميلود - السياسي الانتهازي في مقابل المواطن الانتهازي : موسم التعايش السلمي

د.  ولد الصديق ميلود  إذا كان موعد إجراء أي استحقاق انتخابي في الديمقراطيات العريقة أو حتى الناشئة هو فرصة للتباري بعرض البرامج  الانتخابية ومسلكا مهما  للتجنيد
image

حمزة حداد - إقطاعيوا الإدارة .. " الصغار " !!

 حمزة حداد   الإقطاعية في أوربا انتهت بما عرفته من ثورة صناعية وعمليات تحديث وتحيين لمجموعة من المفاهيم التنورية التي تجعل من الإنسان مبتدأ الاهتمام ومنتهاهللأسف
image

كاظم مرشد السلوم - حكاية الهروب من جحيم إلحرب الى غياهب البحر

كاظم مرشد السلوم  ماريه نوستروم ، عملية عسكرية  امنية بحرية اطلقتها ايطاليا في اكتوبر تشرين الاول عام 2013 للحد من موجات النزوح والهجرة غير الشرعية من
image

نوميديا جرّوفي - جماليّة النّصوص في كتابات الشّاعر "بهاء الطّائي"

 نوميديا جرّوفي"بهاء هدب الطائي" من مواليد 1967 ، بالكاظميّة، بغداد، العراق، خرّيج كليّة الزراعة سنة 1991.صنع لنفسه عالمه الخاصّ من خلال كتاباته المتنوّعة و الكثيرة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats