الرئيسية | من الصحافة | قادة بأهداف

قادة بأهداف

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سلمى بنت مصطفى اللواتيا

 

قال تعالى : ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله لنا بشرًا رسولا * قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكًا رسولا } صدق الله العظيم

إذن فقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون رسل أمة البشر من البشر، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويتزوجون النساء. ياله من تمازج عجيب هذا الذي يجب أن يكون عليه القائد مع أتباعه!!، إنّه يشعر بآمالهم وآلامهم ويعيش طموحهم البشري في جميع مستوياته ويستوعب كل وجع انتكاساته؛ وليس غير هذا يجعله "عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم"، فلا شيء يحقق القيادة الواعية كمثل هذا التوافق في أصل الفطرة والكينونة.

وليس الأمر هكذا فقط، فأصحاب التفاسير يقولون: إنّه تكريم للعقل البشري وقدراته الفائقة أن يكون في موضع القيادة الفاهمة لأتباعها.

إنّ العقل مملكة واسعة مستوفية الإمكانات والقدرات لذا كان بإمكانها أن تسير المملكة البشرية بأكملها، شرط ألا تنفرط من منظومة القواعد القيادية التي تتوافق وهذه الصبغة الإنسانية الواحدة، وهذا من أهم الأسباب التي من المفترض أن تقطع الطريق على الهوة بين القائد وأتباعه.

وإذا كان الأمر هكذا فما بال هذه الهوات المتنوعة والمسافات الطويلة التي نجدها تفصل بين من يعتلون كراسي إداراتنا وبين موظفيهم، أم أنهم من عوالم البشر ذوي الدم الأزرق!!!

أكتب وكلي ألم لما أسمعه وأراه في كثير من مواقع العمل من بيروقراطية بعض إداراتنا والتي بغض النظر عن كل شيء لا تتوافق وهذا المفهوم الإنساني الشامل، وإداريًا فإنّه ينتمي إلى نمط القيادة التسلطي حيث العصور الأولى لتكوين الإنسان في بناء فكره الإداري.

وبمقدار ما الأمر مثير للدهشة يجب علينا – وسريعا - أن نفكر بالأسباب والتي وإن اختلفنا في تحديدها وتقييمها لن نخرج من أنّ قادتنا غير مدربين و لا مؤهلين كما يجب أن يؤهل القادة في عالمنا الحديث الذي تتشعب مسؤوليات القائد فيه، وتلاحقه الأزمات والتحديات المختلفة؛ ليغدو كغريق لا هو متقن للسبحة فينجو، و لا من طوق نجاة فيستعين، وهو في كل هذا لا يعلم أنّه لا يعلم. وتلك لعمرك أم المصائب.

لقد كان النهج الإلهي في إعداد الأنبياء أنّهم عانوا في مسيرا ت حياتهم ولمسوا بوجدانهم الحقائق المؤلمة؛ فكان ذلك تدريبا لهم، ثم تدرجوا في الابتلاءات حتى وصلوا إلى منازلهم ودرجاتهم، فمن يتم إلى إقصاء إلى أذية يومية من قِبل أقوامهم، بل ومن المقربين؛ كل هذا كان يهذب لديهم شهوات الغضب والميل حتى يؤتوا الحكمة وحسن التصرف الذي يقود في النهاية إلى قرارات صائبة. ونحن نجد بعض إداراتنا- عافاها الله- تعج بالقرارات الانفعالية وأرى أنّه من المناسب هنا أن أذكر ما حدث فجأة في إحدى المديريات من تقليص لوقت توقيع البصمة بعد انتهاء الدوام من عشرين دقيقة إلى عشر دقائق ليصطف والأصح ليكتظ الموظفون حول الجهاز الوحيد يترجون عقارب الساعة أن تتباطأ لكي يصلوا إلى أبنائهم في المدارس قبل انتهاء الفترة انتظار الهيئة التدريسية لهم !!، أو قرارات منع الاستئذان التي يتفنن البعض في إصدارها خاصة بعد توحيد أيام الدوام مع البنوك، ورغم قصر الفترة بين قرار التوحيد واليوم إلا أنّ فصول قصص حبكت!! ألا يدعو هذا الأمر إلى النظر جديًا في أمر إعداد القادة؟؟!

فهل يكفي حقا أن يكون المسؤول صاحب تخصص ما ليكون في موقع القيادة و المسؤولية؟ فقد بات ضروريًا أن يمر بفترات تدريب وتأهيل واختبار كافية ليعي مفهوم القيادة والإدارة بالأهداف، أمّا أن يقلد المنصب ليشقى من تحته من العاملين فهذا أمر يؤخرنا خطوات إلى الوراء في وطن نسعى أن ننهض به، ولن ننهض إلا بتقويم الأساس - القائد الفعّال المبدع المطلق للطاقات الذي يقود فريقا بأهداف واضحة تخدم نتائجها المجتمع.

و هو أمر يحتاج إلى خطوة وطنية شاملة نستفيد في وضعها ممن سبقونا في هذا المجال من الدول المتقدمة فيه، والذي لو تمّ تأسيس بنيانه على أرضية صلبة ستتعاقب السلسلة؛ إذ سيتقن القائد كيف يختار أتباعه و حواريه، -لا منافقيه – الأتباع المخلصين الذين يدربهم بهمة وإخلاص مستندا إلى العلم والدين والأخلاق حينها فقط سيعبر نحو شاطئ الأمان.

إنّ القرآن أشار بوضوح في قصة طالوت الذي لم يُختر إلا لأنّه تميّز ببسطة من العلم، إذن فالقيادة علم و لا تكفي فيها الموهبة أبدا، وهي وإن كانت من أسباب ترشيح الفرد لموقع قيادي ما إلا أنّها ليست منصّبةً إيّاه على الإطلاق.

إننا حقا نتطلع إلى اليوم الذي يكون فيه موقع العمل جاذبًا وبيئة العمل تحفيزية، وقرارت ذوي الرأي مدروسة بروح الفريق الذي يخلقه القائد الذي يتقن القيادة التي تطلق طاقات من حوله، والحقيقة أنّ هذا الأمر يحتاج إلى نقطة الانطلاق فقط والرغبة الصادقة والهمة الأكيدة لتأهيل هكذا قادة.

وبكل حب وتقدير أذكر ممن كانوا لي قادة أفذاذ من أبناء هذا الوطن المعطاء، والذين بحق يمثلون نماذج جديرة أن تدرس وتبنى على فكرهم وسلوكهم نظريات القيادة، ولست أبالغ أبدا، فلو عاشرتموهم كما فعلت، ولو لامستم فكرهم الوقاد وقلبهم المعطاء وعلمهم الذي يسعون إلى تجديده درسًا وقراءة لما نسيتموهم في دعائكم ليلا ونهاراً قط، فسلام أيّها الأمناء على الوطن... ونحن نفخر بكم.

 

s.allawati@hotmail.com

جريدة الرؤية العمانية  

شوهد المقال 2262 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عاشور فني ـ التاريخ الثقافي المقلوب ..الجزائر رسمت ابجديتها تاماهق

د. عاشور فني  على حجر عمقه آلاف السنوات أحاول أن أتهجى حروف اسمها. وامام خيمة تضيئها أشعة الشمس الأولى بعد الليلة الأولى بصحراء تادرارت
image

نجيب بلحيمر ـ العلاج بالحرية

نجيب بلحيمر   الأفكار لا تجابه بالسجن، والذين تزدري أفكارهم، أو تحسبهم جهلة، هم في النهاية يعتنقون فكرة مهما كانت مشوشة أو مشوهة. نعيش في مجتمع مغلق، ويحكمنا
image

السعدي ناصر الدين ـ زروال

السعدي ناصر الدين في اليوم الثاني من زيارتي بجاية حيث اقضي كل عام جزء من عطلتي السنوية توجهت مع الاولاد الى تيشي وقضينا يوما رائعا..عدنا
image

عثمان لحياني ـ بكل وضوح : عند رأي خبيه عندك

 عثمان لحياني  "عندك رأي خبيه عندك ، لا تكتبه في الفايسبوك، لا تخرج هن ولي الامر"..لن تستطيع المؤسسة الرسمية أن تكون أوضح من هذا الوضوح
image

رشيد زياني شريف ـ حتى لا يختلط علينا الأمر ونخطئ المعركة

رشيد زياني شريف   ما تطرقت إليه في منشورات سابقة وجديدة بشأن اللغة العربية وما يدور حولها من حديث وحروب، واعتبرتها فخا ومصيدة، لا يعني
image

محمد هناد ـ من وحي الحراك !

 د. محمد هناد  اعتبرني أحد المعلقين وكأنني اقترفت إثما عظيما بمقارنتي الحراك بحرب التحرير. ولعله، مثل الكثيرين، مازال يعتبر هذه الحركة، الضاربة في عمق
image

زهور شنوف ـ #الجمعة66 لا تختبروا صبر "الصبارة" أكثر!

 زهور شنوف    يوم الجمعة 10 جانفي 2020 التقطت هذه الصورة.. كانت تمطر يومها.. تمطر بغزارة، وهذا الشاب يقف تحت شجرة في شارع الشهيدة حسيبة بن
image

عبد الجليل بن سليم ـ نشطاء الحراك تشوه إدراكي إنحياز تأكيدي.. باش نفيقو

عبد الجليل بن سليم  منذ بدأ حراك الشعب و كل ما كتبته أو على الاقل حاولت كتابته كان نقد للنظام و سياساته و منذ عوام
image

وليد عبد الحي ـ عرض كتاب:ابن رشد وبناء النهضة الفكرية العربية(7)

أ.د . وليد عبد الحي يقع متن الكتاب الصادر عام 2017 في 305 صفحات (منها 20 صفحة مقدمة ومدخل) وتم تقسيمه الى 3 ابواب و
image

العياشي عنصر ـ الجيش؛ الجيل، التعليم والسياسة

 د. العياشي عنصر  عندما يطرح موضوع الجيش في الجزائر خلال المناقشات ، ويقع التطرق الى مكانته ودوره في الحياة السياسية عامة، وموقفه من الحراك الشعبي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats