الرئيسية | من الصحافة | على قدرِ أهلِ العَزم

على قدرِ أهلِ العَزم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سلمى بنت مصطفى اللواتية

" عندما نفيد الآخرين فإننا نكون بحالة من القوة" هذا ما تقوله: ماري جيه لور في كتابها إدارة التفكير، وهي تصنف ذلك في الحديث عن مستويات تطوير الروح و السمو بها عاليا.

جرّني التفكير في هذه المقولة إلى ثقافة العمل التطوعي في مجتمعاتنا والتي تكاد أن تكون متلاشية بمفهومها العلمي والعملي المنظم والممنهج والمستمر؛ حيث إننا كثيرًا ما نسمع عن فرق تطوعية تبدأ بحماس ثمّ ما تلبث أن تتراجع ويخفت ذلك الوهج تحت عدة ذرائع، تكون محبطة للفئة المتطوع لأجلها، أو مخيبة لآمال من انضموا تحتها. وبعد قليل من السؤال والتقصي حول هذا الموضوع تبين لي أنّ الأسباب عديدة ولربما كان أهمها: غياب التنظيم الهيكلي والإداري لهذه الفرق، وعملها العشوائي، والذي لا يضع أهدافا واقعية يمكن للفريق أن يحققها واحدا تلو الآخر. أو قد يكون أحيانا غياب حس العمل الجماعي ودوران الفرد فيها حول ذاته وما قد يحققه التطوع له من ظهور ووجاهة اجتماعية، والأهم من ذلك كله غياب القيادة الناضجة والواعية التي تنتقل بفكر وثقافة العمل التطوعي إلى مرحلة الإلزام الذاتي، وتحسن استثمار طاقات المتطوعين لتسير بالفريق نحو تحقيق أهدافه.

والحقيقة أن ثقافة التطوع هي ثقافة بنائية، يتلقاها أفراد المجتمع منذ نعومة أظفارهم، وهذا ما حدا بالمجتمعات المتقدمة في إعداد مناهجها التربوية والمدرسية إلى تضمين ثقافة التطوع ضمن برامجها الدراسية وأنشطتة طلابها المدرسية بفاعلية وتنظيم بالغ، ولا عجب في ذلك؛ فانخراط الطالب في الأعمال التطوعية تحت إشراف إدارة مدرسية واعية ومدرسين مختصين لا شك أنه ينمي حس الانتماء للمجتمع ويوجه التكافل الاجتماعي بإيجابية ليضعه في نصابه الصحيح، كما أنه يستثمر الطاقات الشبابية في مساراتها التي تنمي حب الخير والوطنية في نفوسهم؛ وهذا الذي ينعكس لاحقا على بناء فكر المجتمعي الإيجابي المتطوع على المدى البعيد.

والمقصود هنا أن يكون العمل التطوعي في المدارس بحيث تخصص له أوقات ويتعدى عمل الطالب التطوعي أسوار المدرسة إلى خارجها للانتماء إلى جمعيات خيرية، والتعرف عمليا على هيكلتها الإدارية وأهدافها وأسس وشروط العمل فيها، أو التطوع لصالح بعض الفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو أن يزور الطلاب الأيتام والفقراء.

إن هذا النوع من التعليم المدرسي للتطوع يخلق جيلا واعيا إلى أن التطوع يكون عملا إلزاميا ذاتيا حين يحتاجه المجتمع، كذلك فإنه ينقل الفرد من محور الذات إلى محور الجماعة وينمي التفكير الجمعي ويبعد الفرد عن الأنا، وقد تجاوزت الدول الغربية هذه المرحلة إلى مراحل أخرى فالطالب المتطوع تمنح له درجات مقابل تطوعه، وهذا يعتبر تشجيعا كبيرا من إدارات المدرسة. غير أنه من المؤسف حقا أن نكون نحن أصحاب الدين الذي يحث على التكافل والتلاحم والتعاطف بين أفراده غافلين عن وضع برامج تؤسس الثقافة التطوعية في مجتمعاتنا.

وفي نظري فإنّ هذا أحد الأسباب المهمة التي تقف وراء خمول النشاط التطوعي في مجتمعاتنا، والتي يجب أن تعيرها وزارات التربية والتعليم اهتمامًا جديًا وتؤسس لبنائه في مدارسنا.

إنّ هذا النوع من البناء الفكري والوجداني للتطوع سيؤتي أكله بعد حين يكون هذا الطالب في مواقع العمل موظفا أو مسؤولا، وسنتجاوز مرحلة إقناع المسؤولين بالسماح لموظفيهم للتطوع في المجتمع حتى خلال أوقات الدوام بما لا يؤثر على سير العمل؛ إذ أنّ الخدمة للمجتمع تقدمها له والوقت المتبقي من الوظيفة جدير أن يستثمر في التطوع لصالح أفراده، كما سينشئ أسرًا تهتم بالعطاء الجماعي، و قد ذكر لي بعض الإخوة عن أسرٍ لمقيمين أجانب بالسلطنة تقوم بأعمال تطوعية: تنظيف الحي أو الشواطئ في أيام الإجازات. أو ليس حريًا بنا أن نبني مواطنين بهذه الروح ؟؟!

مما لا شك فيه أنّ رعاية فئات ذوي الاحتياجات الخاصة أو المسنين أو الآيتام ليست مسؤولية الحكومات فقط، إذ يشترك فيها المجتمع المدني و القطاع الخاص، فطالب اليوم هو صاحب مؤسسة غدا ، يتحمل مع الوطن مسؤولياته ويؤدي واجباته نحوه؛ إن هذا هو من ثمار تلك التربية التي تعطى في المدارس، وهذا مما لا شك فيه يخفف العبء المادي عن الحكومة ويؤسس لبرامج تطوعية وطنية مدروسة ومعدة على أسس علمية ومنهجية واضحة، و لكن المهم الآن أن نبدأ.

وحري بالذكر أنه حتى أعمال التنظيف والتنسيق وغيرها من الأعمال ستأخذ نمط العمل التطوعي، لو بالفعل بدأنا بالتأسيس مبكرا.

والكلمة الأخيرة والأهم هي للمتطوع نفسه، والذي يجب عليه أن يعلم أن التطوع ليس تسلية أو تمضية للوقت وطلبا للوجاهة إنما هو تكليف ديني وطني عليه أن يبذل فيه جهده ويفيه حقه، كم هو مجد أن تكون فرقنا التطوعية ذات هيكلية إدارية منظمة وخطط واضحة وأهداف دقيقة، حينها سيكون التطوع دعامة قوة وإثراء وارتقاء بالإنسان والوطن وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

s.allawati@hotmail.com

جريدة الرؤية العمانية  

شوهد المقال 2074 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عاشور فني ـ التاريخ الثقافي المقلوب ..الجزائر رسمت ابجديتها تاماهق

د. عاشور فني  على حجر عمقه آلاف السنوات أحاول أن أتهجى حروف اسمها. وامام خيمة تضيئها أشعة الشمس الأولى بعد الليلة الأولى بصحراء تادرارت
image

نجيب بلحيمر ـ العلاج بالحرية

نجيب بلحيمر   الأفكار لا تجابه بالسجن، والذين تزدري أفكارهم، أو تحسبهم جهلة، هم في النهاية يعتنقون فكرة مهما كانت مشوشة أو مشوهة. نعيش في مجتمع مغلق، ويحكمنا
image

السعدي ناصر الدين ـ زروال

السعدي ناصر الدين في اليوم الثاني من زيارتي بجاية حيث اقضي كل عام جزء من عطلتي السنوية توجهت مع الاولاد الى تيشي وقضينا يوما رائعا..عدنا
image

عثمان لحياني ـ بكل وضوح : عند رأي خبيه عندك

 عثمان لحياني  "عندك رأي خبيه عندك ، لا تكتبه في الفايسبوك، لا تخرج هن ولي الامر"..لن تستطيع المؤسسة الرسمية أن تكون أوضح من هذا الوضوح
image

رشيد زياني شريف ـ حتى لا يختلط علينا الأمر ونخطئ المعركة

رشيد زياني شريف   ما تطرقت إليه في منشورات سابقة وجديدة بشأن اللغة العربية وما يدور حولها من حديث وحروب، واعتبرتها فخا ومصيدة، لا يعني
image

محمد هناد ـ من وحي الحراك !

 د. محمد هناد  اعتبرني أحد المعلقين وكأنني اقترفت إثما عظيما بمقارنتي الحراك بحرب التحرير. ولعله، مثل الكثيرين، مازال يعتبر هذه الحركة، الضاربة في عمق
image

زهور شنوف ـ #الجمعة66 لا تختبروا صبر "الصبارة" أكثر!

 زهور شنوف    يوم الجمعة 10 جانفي 2020 التقطت هذه الصورة.. كانت تمطر يومها.. تمطر بغزارة، وهذا الشاب يقف تحت شجرة في شارع الشهيدة حسيبة بن
image

عبد الجليل بن سليم ـ نشطاء الحراك تشوه إدراكي إنحياز تأكيدي.. باش نفيقو

عبد الجليل بن سليم  منذ بدأ حراك الشعب و كل ما كتبته أو على الاقل حاولت كتابته كان نقد للنظام و سياساته و منذ عوام
image

وليد عبد الحي ـ عرض كتاب:ابن رشد وبناء النهضة الفكرية العربية(7)

أ.د . وليد عبد الحي يقع متن الكتاب الصادر عام 2017 في 305 صفحات (منها 20 صفحة مقدمة ومدخل) وتم تقسيمه الى 3 ابواب و
image

العياشي عنصر ـ الجيش؛ الجيل، التعليم والسياسة

 د. العياشي عنصر  عندما يطرح موضوع الجيش في الجزائر خلال المناقشات ، ويقع التطرق الى مكانته ودوره في الحياة السياسية عامة، وموقفه من الحراك الشعبي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats