الرئيسية | من الصحافة | لماذا لا يستفيد الفلسطينيون والسوريون من تجارب الجزائر؟

لماذا لا يستفيد الفلسطينيون والسوريون من تجارب الجزائر؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

إسماعيل القاسمي الحسني

 

والمرء يتأمل أوضاع العالم العربي، والمخاض المؤلم والخطير، بالأخص منها ما تعلق بفلسطين السليبة وسورية المكلومة، يطفو على سطح العقل تساؤل يفرض نفسه وهو عنوان المقال؛ لا يتأتى لعاقل حصيف الرأي أن ينكر على الشعب الجزائري خصوصيته بتجارب بالغة الأهمية، وعميقة الأثر على الضمير الإنساني والوعي الجمعي، فضلا عن فاعليتها في تغيير مجريات الأحداث على الصعيد المحلي والإقليمي؛ تاريخ الشعب الجزائري المعاصر خلال خمسة قرون الخالية، يفيض بتجارب ثرية في مقارعة الاحتلال، تعرض خلالها لأبشع صور الجرائم، التي تصنف من دون مبالغة بمعايير عصرنا اضد الإنسانية’، سطر في مواجهتها آيات مشرقة من البطولة والشجاعة والحنكة السياسية والعسكرية، ما أثرى به التجارب الإنسانية، وباتت محط رحال الباحثين وأهل الاختصاص، خاصة في العالم الغربي ومناطق دراسة علمائه؛ أقرب هذه التجارب عهدا لنا ثورة التحرير المباركة 1954 التي يفترض أن يستفيد منها الفلسطينيون بالدرجة الأولى، وتجربتها في عشرية الحرب الدموية 1992-2001 التي هي كذلك ثروة هائلة، كان على الإخوة السوريين أن يستفيدوا منها. ولست أجد مبررا موضوعيا يستصغر هذه التجارب، سوى تلكم العبارة المبتذلة انحن شعب يختلف’، والمفارقة أنها نفس العبارة التي كان يرددها حكام عرب هوت عروشهم، ليثبت خواء العبارة وفراغ عقل مرددها.

أتذكر بهذا الخصوص جيدا، حلقة احوار مفتوحب التي استضاف خلالها الأستاذ غسان بن جدو في قناة الجزيرة بتاريخ 19/01/2010 بمناسبة الملتقى العربي لدعم المقاومة، السياسي الجزائري المحنك عبد الحميد مهري (1926-2012)، من الرعيل الأول للثورة الجزائرية، المشهود له بخبرة وذكاء عاليين في العمل السياسي والدبلوماسي، فضلا عن تاريخه الثوري المشرف؛ أنقل هنا للأمانة حرفيا نص إجابته على موضوع القضية الفلسطينية وخيبة تجربتها، ومكمن الضعف وسوء التقدير.
اغسان بن جدو (مقاطعا): طيب ما هي إمكانات، عفوا، عناصر قوة الثورة الجزائرية، عناصر القوة الحقيقية التي جعلتها تنتصر؟
عبد الحميد المهري: عناصر القوة أنها كانت مدروسة ومخططة وتدعمها إرادة سياسية، والمقاومة الجزائرية إذا نجحت فلأنها انطلقت من أن العدو له تفوق ساحق في ميزان القوى، وأن المقاومة عليها أن تستعمل جميع الوسائل، الكفاح المسلح العمل السياسي العمل الدبلوماسي حركة الجماهير المقاطعة، وأن لا تتخلى عن أي وسيلة حتى تنال الاستقلال. الملاحظ في الأدبيات الآن التي تدعم ما يسمى بمسيرة السلام هو أنه يراد من المقاومة الفلسطينية مثلا أن تتخلى عن أسلحتها الواحد بعد الآخر، أن تتخلى عن العمل المسلح وأن تتخلى عن اللجوء للأمم المتحدة وأن تتخلى عن التحريض، معنى هذا أن تتخلى عن كل شيء، تقديرنا أن التجربة الجزائرية وهي منتهية الآن في الواقع بنتائج يمكن أن نستفيد منها على الأقل في إدارة المفاوضات، في إدارة المفاوضات الحكومة الفرنسية عرضت على الثورة الجزائرية قرابة ثلاث سنوات ما يسمى بثالوث إيقاف القتال والانتخابات لانتخاب سلطة جزائرية والتفاوض مع السلطة الجزائرية ورفضنا هذا الاقتراح..
غسان بن جدو: يعني بمصطلحات اليوم العملية السياسية والسلطة الوطنية وغيرها.
عبد الحميد المهري: نعم ورفضنا الاقتراح وقلنا العناصر الثلاثة وجيهة لكنها بترتيب عكسي، نبدأ بمفاوضات وإذا اتفقنا نجري الانتخابات على أساس متفق عليه وبعدها.. نوقف القتال، ثم في المرحلة الثالثة نجري الانتخابات، النتيجة الآن أن الخطة الجزائرية نجحت في إنهاء الحرب بيننا وبين فرنسا باستقلالالجزائر، وقبول إخواننا الفلسطينيين بالترتيب الذي أعطي لهم بنفس الترتيب الذي أعطي لنا سنة 1958، قبولهم بإيقاف القتال والانتخابات، ثم التفاوض مع السلطة أدى إلى خسارة وقت وخسارة الوقت سلاح يستعمله العدو لتجريدنا من سلاح الوقت.
غسان بن جدو: ربما هذه من النقاط الأساسية فعلا كأنها الشروط الثلاثة هي ذاتها التي طلبت منكم آنذاك عام 1958..’ انتهى النقل (من موقع قناة الجزيرة).
لا يتوقف الأسى عند حدود عدم استفادة الفلسطينيين من هذه التجربة الجزائرية الرائدة، التي أثبتت الوقائع والأحداث نجاعتها وانتصارها على العدو المحتل (المجرم)؛ بل يتجاوز إلى هذا الثقب الأسود الذي اخترق غلاف ذاكرة الأمة، نتيجة كثافة الغازات الفكرية السامة، الصادرة عن مصانع عقول سياسية وفكرية، اختصت بإنتاج بضاعة الاستسلام، التي طورت مؤخرا من منتجاتها القاتلة سلعة مغشوشة تحت عنوان امبادلة الأراضيب آخر سلاح يلقى به إلى الأرض مجانا وطواعية، ثم بكل وقاحة بل بكل غباء يقال لك: الشعب الفلسطيني مختلف. بأي شيء وفي أي تفصيل؟ قطعا ليس هناك شيء من هذا، سوى عبارة مطاطة خاوية من أي دلالة واقعية، بل العكس هو الصحيح، حالة الشعب الجزائري والفلسطيني وجهان لواقع واحد، إلا في بعض الجزئيات الصغيرة التي لن تغير من الجوهر قدر ذرة.
بالنسبة للشعب السوري بكل أطيافه وعلى رأسهم المعارضة السياسية والمعسكرة؛ لا يتوهمن احد منهم أن ما بين عامي 1991-2001 كان الشعب الجزائري يتعرض لوضع ومحنة أقل خطرا مما تتعرض له سورية الآن، وأختصر القول كذلكم مطالب الشعب الجزائري كان ظاهرها حينذاك أكثر شرعية، فقد انتخب بشكل ديمقراطي حر ونزيه، والنظام انقلب على هذا الخيار وألغى نتائجها، يعنى سبقنا الشعب السوري بخطوات حينها، ومحصلة الصراع الدموي باختصار، الجزائر 200 ألف ضحية مقابل سورية 80 ألف ضحية؛ الجزائر تكبدت 200 مليار دولار خسائر في البنى التحتية، سورية 20 مليار دولار، النازحون في الجزائر داخليا 6 ملايين، في سورية عددهم 2 مليون، وهجرة الأدمغة الجزائرية إلى الخارج تجاوزت، حسب تقرير جامعة الدول العربية 200 ألف، لا يوجد تقرير بهذا الشأن حول الأدمغة السورية.
الشعب الجزائري لم يستسلم لجبروت النظام وطغيانه كما يتصور البعض، بل توقف متأملا هذه الخسائر الفادحة، وبين السعي بهدوء وعقلانية لخيار ثالث من أجل التغيير، وهو بمفكريه المخلصين ورجاله الوطنيين يعمل على تحقيق ذلك بشكل يبدو بطيئا نوعا ما، ولكن النتيجة ستصب حتما لصالح الشعب بمشيئة الله، والشعب السوري بعد هذه التجربة القاسية والمريرة لا يختلف بحال عن الشعب الجزائري، والنظام السوري بأدواته لا يختلف في شيء عن النظام الجزائري، بل أعتقد أنه أكثر انفتاحا منه واستعدادا للتعاطي مع الحوار والحل السياسي؛ وعليه أتصور أنه من التعقل ومصلحة سورية دولة وشعبا اختصار الطريق قياسا بالمسافة الزمنية التي مرت بها الجزائر، لاختصار الخسائر البشرية والمادية، والترفع عن جراح الأحداث على فداحتها إلى مستوى يواجه التحدي االوجوديب للدولة، والذهاب إلى حوار جامع، ينتهي قطعا إذا صدقت النوايا لإنقاذ سورية من نتائج لا يعلم كارثيتها إلا الله سبحانه، وليستفد الأشقاء السوريون من محنة الجزائر وتجربتها، فالسعيد فعلا من اتعظ بغيره.

فلاح جزائري
ismailelkacimi@gmail.com
 
جريدة القدس العربي
14 ماي 2013 

 

شوهد المقال 2645 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رائد جبار كاظم ـ التظاهرات في العراق تعدد السيناريوهات وصراع الارادات

د. رائد جبار كاظم  واقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا
image

سعيد لوصيف ـ في مشروعية مطلب الثورة في تمدين الدولة ،،، هلاّ تحدّثنا بهدوء؟

د.سعيد لوصيف   يعتبر تناول موضوع الفصل بين السلطة العسكرية و السلطة المدنية، موضوعا يحوي على الكثير من الحساسيات لدى الكثير من النخب السياسية
image

رضوان بوجمعة ـ من المحاكم الخاصة إلى قضاة القوة العمومية!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 132  ستبني الجزائر الجديدة سلطة قضائية مستقلة عن باقي السلطات، عندما تنجح في بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون من قبل مجتمع
image

عثمان لحياني ـ كتاب واحد ..قاموس الأزمة

 عثمان لحياني   تقرأ السلطة من كتاب واحد ربطت عقلها اليها، وأعقلت خيلها وخيالها الى قاموس التسعينات ، تغرف من ديباجته حرفا بحرف وتدبير بتدبير، ولم
image

يسين بوغازي ـ إستراتيجية الأقلية السياسية من لا يملك الى من لا يستطيع ؟

يسين بوغازي   إن أخوف ما تخافه الأقلية السياسية رئيسا مدنيا ، وإذا اقول رئيسا فالمعنى نهاية المناورات السياسية والإعلامية التي تبثها  الأقلية
image

يوسف بوشريم ـ من الإعتقالات والسجون السياسية إلى غلق صفحات الفايسبوك ..مؤشرات نظام يحتضر

 يوسف بوشريم   من الاعتقالات والسجون السياسية إلى الإعتقالات والسجون الفايسبوكية مؤشرات نظام يحتضر  بعد فشله الذريع في كل أشكال الثورات المضادة التي تهدف إلى إجهاض و إحتواء
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون...موظف سياسي على باب القصر الرئاسي!

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 131سيحتفل عبد المجيد تبون بعيد ميلاده الـــ74 يوم 17 نوفمبر، وهو ما يصادف تاريخ الانطلاق الرسمي المفترض للحملة الانتخابية، فهل هي
image

عثمان لحياني ـ التاريخ يتحدث : تعاطي العقل العسكري

 عثمان لحياني  ثمة أطروحة تبريرية في تعاطي العقل العسكري راهنا مع الشأن العام وفرضه مسارا سياسيا محددا، ويعتبر أصحاب هذه الاطروحة (بحسن نية
image

نجيب بلحيمر ـ مرشح الفراغ

نجيب بلحيمر   عاشت الجزائر في ظل شغور فعلي لمنصب رئيس الجمهورية ست سنوات, وكانت هناك نية في تمديد فترة الفراغ لخمس سنوات أخرى.هذا هو الفراغ الذي
image

ناصر جابي ـ رئاسيات الجزائر: انتخابات ليست كالانتخابات

د.ناصر جابي  يشكِّل الشباب أغلبية الجزائريين ولم تعد الانتخابات الشكلية تستهويه مثل سكان المدن بالشمال حيث الكثافة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats