الرئيسية | من الصحافة | وطن الفرص الضائعة

وطن الفرص الضائعة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

أحمد بن محمد العامري

الحديث عن الترقي المعرفي والمادي والحصول علىالفرص التي تجعل الإنسان ذا قيمة حقيقية في مجتمعه ومساهما في البناء وخلاقا هو حديث ذو شجون، ولا تحدث مثل هذه الفرص غالبا إلا في الدول التي بناها مفكرون، وضعوا أسسًا للنجاح الشامل لكل فرد في المجتمع على أرضية تنافسية لا تستثني أحدا، وهنا أتناول أحد تلك الدول التي عنت بذلك وبطبيعة الحال هناك العديد من دول العالم نهجت مثل هذا النهج.

قرأت منذ وقت وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي لقيام الولايات المتحدة الإمريكية الذي كتبه (تومس جيفرسون) ووقع في 4 يوليو 1776م، وحقيقة استوقفني في هذا الإعلان بعد شرح مسببات قدوم المجتمعين من ثلاثة عشر ولاية على الانفصال عن التاج البريطاني هو وجدانية هذه الفقرة التي أسست فيما بعد لواقع جديد في أرض جديدة، ويقول النص عن حق الحياة والحرية والسعادة :(.... نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية، وهي أنّ البشر خلقوا متساوين، وأنّ خالقهم حباهم بحقوق معينة لا يمكن نكرانها، والتصرف بها، وأن من بينها الحق في الحياة والحرية والسعي في سبيل نشدان السعادة)، نجد هنا وبالرغم من تنوع أصولهم واختلاف أجناسهم تمكن الأمريكيون رغم ذلك من تركيز أسس دولة عظمى ولا أزعم هنا أنّها قدمت للعالم مثالا لميلاد دولة عادلة، وذلك لما سجله التاريخ من مآسي حرب الاستقلال و ما ناله السكان الأصليون من تنكيل وتفرقة عنصرية لبعض الأجناس الأخرى، ولست هنا بصدد سرد كل ذلك ولكن أعود للنقطة التي أستوقفتني في إعلان الاستقلال (الحق في الحياة والحرية والسعي في سبيل نشدان السعادة) الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية وضعوا بهذه اللبنة الأولى طريقا لفتح آفاق الشعب الأمريكي الوليد نحو الإبداع وإطلاق القدرات ومن حيث جعل أمريكا أرض الفرص، وبهكذا أصبحت الأرض الجديدة قبلة وجاذبة لعقول لكل من يرغب في أن ينطلق ويحقق ذاته، فلم يتوقف مؤسسو الولايات المتحدة الأمريكية عند العناوين بل دخلوا في تفاصيل النجاح وإتاحة الفرص للجميع باستثناء بعض الأعراق التي حرمت من تلك الفرص إلى وقت متأخر من القرن الماضي.

ويقودنا هذا الحديث لفهم هجرة الأدمغة العربية لأمريكا ودول الغرب الأخرى التي فسحت لهم المجال وأعطتهم الفرصة لإطلاق قدراتهم و واكبت تفاصيل نجاحاتهم و أصبحوا "أيقونات" يشار لها بالبنان. فأين نحن من إتاحة الفرص لأبناء أمة إقرأ؟ أين نحن من السعي في سبيل تحقيق السعادة؟ وكيف تكون هذه السعادة؟ هل هي محطة ينتظرها العقل العربي أم هي سكة متاحة تمنحها الفرصة التي من خلالها ينشد تلك السعادة؟ شعور الإنسان عامة والمبدع بصفة خاصة هو عندما يجد الفرصة المتاحة ليحقق ذاته ويطلق قدراته ويرى أنّه حوّل حلمه إلى واقع، وهنا تكمن سعادته ويعيشها طوال سكة البحث عن النتائج وما بعدها.

ولكن ومع الأسف لا نرى على المستوى القطري ولا على المستوى القومي مؤسسات تعنى بإتاحة فرص حقيقية للمبدعين ولا مبالغ ترصد للبحث العلمي، قد يكون هناك هياكل رسمية تغرق في عناوينها على صفحات الإنترنت ولكن لا تعي تمامًا تفاصيل النجاح وكيفية إتاحة الفرص للمبدعين والدفع بهم، وكأنها في صمت تقول للمبدع: ( ارحل عن هذا الوطن يابني فإنه لا يتسع لعقلك) ويضيق بحلمه ويضيق الحلم به ويرحل الفتى بحلمه لأرض تمنحه تلك الفرصة الضائعة التي لم يجدها في وطنه، ومن ثمّ و بعد حين وبعد أن يحقق حلمه في تلك البلاد البعيدة التي احترمت عقله يتغنى العرب في وسائل الإعلام بنسب وحسب هذا العالم بكونه عربيا ليس إلا و بما حققه من منجزات، ويستقبل بالأحضان ويكرم على نجاح لم يساهموا فيه بشيء سوى تسهيل رحيله- هذا إذا سهلوا له الرحيل في الأصل- ويحتفى به وتقام له المؤتمرات والندوات والمقابلات التي تشيد بعمله مركزين على نسبه وحسبه والقطر العربي الذي أتى منه، وعندما ينفض السامر، يقدم هذا المجيد مشروعًا علميًا يتلمس النور لينقل فيه المعرفة للوطن، ويسعى لأن يجعل للفرص مكانا في بلاد العرب، فيقال له تارة أخرى: ارحل عن هذا الوطن يا بني فإنّه لا يتسع لعقلك !!.

ahmedalameri@live.com

جريدة الرؤية العمانية  


 

 

شوهد المقال 2156 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رائد جبار كاظم ـ التظاهرات في العراق تعدد السيناريوهات وصراع الارادات

د. رائد جبار كاظم  واقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا
image

سعيد لوصيف ـ في مشروعية مطلب الثورة في تمدين الدولة ،،، هلاّ تحدّثنا بهدوء؟

د.سعيد لوصيف   يعتبر تناول موضوع الفصل بين السلطة العسكرية و السلطة المدنية، موضوعا يحوي على الكثير من الحساسيات لدى الكثير من النخب السياسية
image

رضوان بوجمعة ـ من المحاكم الخاصة إلى قضاة القوة العمومية!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 132  ستبني الجزائر الجديدة سلطة قضائية مستقلة عن باقي السلطات، عندما تنجح في بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون من قبل مجتمع
image

عثمان لحياني ـ كتاب واحد ..قاموس الأزمة

 عثمان لحياني   تقرأ السلطة من كتاب واحد ربطت عقلها اليها، وأعقلت خيلها وخيالها الى قاموس التسعينات ، تغرف من ديباجته حرفا بحرف وتدبير بتدبير، ولم
image

يسين بوغازي ـ إستراتيجية الأقلية السياسية من لا يملك الى من لا يستطيع ؟

يسين بوغازي   إن أخوف ما تخافه الأقلية السياسية رئيسا مدنيا ، وإذا اقول رئيسا فالمعنى نهاية المناورات السياسية والإعلامية التي تبثها  الأقلية
image

يوسف بوشريم ـ من الإعتقالات والسجون السياسية إلى غلق صفحات الفايسبوك ..مؤشرات نظام يحتضر

 يوسف بوشريم   من الاعتقالات والسجون السياسية إلى الإعتقالات والسجون الفايسبوكية مؤشرات نظام يحتضر  بعد فشله الذريع في كل أشكال الثورات المضادة التي تهدف إلى إجهاض و إحتواء
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون...موظف سياسي على باب القصر الرئاسي!

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 131سيحتفل عبد المجيد تبون بعيد ميلاده الـــ74 يوم 17 نوفمبر، وهو ما يصادف تاريخ الانطلاق الرسمي المفترض للحملة الانتخابية، فهل هي
image

عثمان لحياني ـ التاريخ يتحدث : تعاطي العقل العسكري

 عثمان لحياني  ثمة أطروحة تبريرية في تعاطي العقل العسكري راهنا مع الشأن العام وفرضه مسارا سياسيا محددا، ويعتبر أصحاب هذه الاطروحة (بحسن نية
image

نجيب بلحيمر ـ مرشح الفراغ

نجيب بلحيمر   عاشت الجزائر في ظل شغور فعلي لمنصب رئيس الجمهورية ست سنوات, وكانت هناك نية في تمديد فترة الفراغ لخمس سنوات أخرى.هذا هو الفراغ الذي
image

ناصر جابي ـ رئاسيات الجزائر: انتخابات ليست كالانتخابات

د.ناصر جابي  يشكِّل الشباب أغلبية الجزائريين ولم تعد الانتخابات الشكلية تستهويه مثل سكان المدن بالشمال حيث الكثافة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats