الرئيسية | من الصحافة | نحن وإيران

نحن وإيران

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عبد الحليم قنديل

 

 
ربما لايصح حصر قضية العلاقات مع إيران في خلاف السنة والشيعة ، ففي إيران كتلة سنية كبيرة ، والطابع السني هو الغالب في دول العالم الإسلامى ، وفي الأمة العربية بالذات ، وهي قلب عالم المسلمين ، وأمة القرآن بامتياز ، وحاضنة 'الأزهر' منارة المسلمين العلمية الكبرى ، وقد أفتى الأزهرـ قبل خمسة عقود ـ بجواز التعبد على المذهب الشيعي الجعفري ، تماما كمذاهب السنة الأربعة .
صحيح ، أن بعض عقائد الشيعة مما يجرح نقاء العقيدة الإسلامية، لكن الدين الواحد يوحدنا ، فقرآننا واحد ، ونبينا واحد ، وقبلتنا إلى الصلاة واحدة ، ربما الفرق في اعتقاد الشيعة بالإمامة النصية ، وهو اعتقاد تاريخي بأكثر منه اعتقاد ديني ، وأقرب إلى أسطورة صنعتها ظروف المطاردة المتصلة للشيعة من دول الخلافة الإسلامية ، وهو ما ألجأ الشيعة إلى 'التقية' ، وإلى بناء عالم مواز حول فكرة الإمامة الشرعية ، وخلق طبقة من رجال دين لا يعترف بها صحيح الاعتقاد الإسلامي ، ثم أنه فاقم عادات مذمومة في أوساط بعض الشيعة ، كسب الصحابة أو ذم السيدة عائشة أم المؤمنين ، وهي العادات التي يتبرأ منها عقلاء الشيعة ، وتماما كما تبرأ منها الإمام علي ابن أبي طالب في قولته الشهيرة خلال حروب الفتنة الكبرى ، فقد قال الإمام العظيم واصفا حربه مع مخالفيه 'لقد التقينا ، وربنا واحد ، ونبينا واحد ، ودعوتنا إلى الإسلام واحدة' ، فلم يكن الخلاف دينيا أبدا ، بل كان خلافا في السياسة وشؤون الحكم .
والخلاف ـ أو الاتفاق ـ مع إيران يجب أن يكون سياسيا لا دينيا ، ولا يقع في خانة سياسة 'فرق تسد' ، ولا ينزلق إلى مشاحنات مذهبية رذيلة ، ومع الحرص العربي طبعا على الانتصاف لأهل السنة والجماعة في إيران ، وطلب المساواة الكاملة لهم في حقوق المواطنة والاعتقاد والعبادات ، ليس فقط لأنهم من السنة ، بل لأن غالبهم عرب يعانون من التسلط القومي الفارسي ، ويطمحون إلى التحرر من ربقة الاستيلاء على أراضيهم ومقدراتهم ، ومحاولات محو هويتهم القومية ، ومأساتهم أسبق بالطبع من نشوء الدولة الإسلامية الشيعية في إيران ، وتماما كمأساة استيلاء شاه إيران على جزر الإمارات العربية الثلاث ، فالخلاف قومي وليس طائفيا ، وهذه ـ فيما نظن ـ هي البوصلة الصحيحة ، والتي تصحح النظرة للشيعة في الدول العربية ، فهم عرب قبل وبعد كل شئ آخر ، فشيعة إمارات الخليج والسعودية عرب كالسنة تماما ، وشيعة البحرين عرب ، والشيعة في العراق عرب عاربة لا مستعربة ، وخطيئة إيران في العراق هي التنكر لعروبة الشيعة فيه ، والتعامل معهم كأنهم من رعايا دولة الفرس ، وهو سلوك احتلالي وعدواني بامتياز ، أغرى به الفراغ الذي خلفه الغزو الأمريكي للعراق ، واستمسكت به إيران لمنع نهوض العراق وتأكيد عروبته الجامعة من جديد ، وإذا كانت السياسة الإيرانية ' الإسلامية ' تكثر من استخدام تعبيرات كالاستكبار والاستضعاف ، فإن ما تمارسه إيران اليوم في العراق هو استكبار وصلف استعماري ، وسحق لهويه شيعة العراق القومية العربية ، وحجزهم بدواعي الذهب والسيف عن الالتحاق بثورة العراقيين الجارية ، والهادفة لتحرير وطنهم ، وإعادة بناء دولتهم التي حطمها الاحتلال ، وبالطبع ، فليس المجال ـ هنا ـ لمناقشة مصير ثورة العراق المنتصرة بإذن الله ، بل لإيضاح الطبيعة القومية لا المذهبية للخلاف مع إيران ، فهي ـ أي إيران ـ دولة الفرس لا دولة الشيعة ، والمعروف أن إيران الحالية دولة متعددة القوميات ، لا يشكل الفرس فيها سوى أربعين بالمئة من السكان ، وهم يتسلطون على القوميات الأخرى في إيران كالعرب والكرد والبلوش والأوزبك وغيرهم ، لكن غالب أهل إيران من الشيعة دينيا ، وهو ما يجعل من 'التشيع' و'المذهبية الشيعية' عنصرا مفيدا في التماسك الداخلي بأكثر من الإعلان الصريح للقومية الفارسية ، أي أن القصة في إيران اليوم لا تعدو جعل 'التشيع' قناعا للتعصب الفارسى .
نقول ذلك حتى يستبين المغزى القومي للتمدد الإيراني ، وفي ظروف فراغ موحش ساد المنطقة بعد انهيار المشروع القومي العربي قبل عقود ، فقد تحولت المنطقة العربية طويلا إلى ما يشبه 'الربع الخالي' ، وتمدد المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي مسيطرا في العواصم وقصور الحكم ، ولم يجد ـ في المقابل ـ منافسا غير المشروع الإيراني ، والذي يلبس قناع التشيع ، ويبدو مفيدا فى دعم حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية بالقلب العربي ، لكنه يبدو مدمرا عند الأطراف ، وخاصة في العراق المبتلي باحتلال إيراني فعلى ، وبتحكم طهران في حكومة الدمى ببغداد ، وهو ما لا تصح مواجهته بغير نزع القناع الطائفي ، وإبراز الطابع القومي الجامع للسنة والشيعة العرب ، وليس بالوقوع في فخ تأجيج المعنى الطائفي المفتعل ، ولا حل بغير أن تكف إيران عدوانها القومي الفارسي ، وبالاختيار أو بالإجبار، فليس من مصلحة إيران على المدى المتوسط والبعيد أن تواصل سيرتها العدوانية في العراق ، أو أن تفرض الوصاية على سوريا ، أو أن تجعل من القومية العربية الجامعة عدوا مستديما ، خاصة أن شعوب الأمة العربية تستيقظ الآن ، وتتوالى ثوراتها المأزومة في المدى القريب ، والمنتصرة ـ بإذن الله ـ في المدى المتوسط والبعيد ، وبعد أن تتخلص من شوائب طائفية علقت في زمن المحنة العربية الكبرى ، وتبني مشروعها للنهوض والتوحد والاستقلال ، فقد بدت صورة إيران مضيئة لسنوات ، وكان السبب ظاهرا ، فقد دخلت في صدام مع المشروع الأمريكي الإسرائيلي المسيطر ، لكن نهوض مشروع عربي يجعل الأمر مختلفا ، ويجعل إيران في موضع الخاسر لو ظلت على سيرتها غير المكترثة بالعرب ، ويخلق خصومة لا تفيد الفرس ولا العرب ، فلا يضيرنا كعرب أن تكون إيران دولة قوية ، وكل ما يضيرنا أن تكون دولة معتدية على حقوقنا ، ولو كفت إيران عدوانها المتصل في العراق بالذات ، فسوف تجد ظهيرا شعبيا عربيا لحقوقها كدولة جوار جغرافي وامتداد إسلامي ، فلا أحد ينكر أن إيران ـ الإسلامية ـ حققت تقدما هائلا في المشروع النووي والصناعات العسكرية بالذات ، ولا أحد ينكر أنها حققت تطورا علميا ممتازا ، وبفضل التخطيط الاستراتيجي السليم ، وتوافر الموارد المالية الكبيرة ، وهو ما قد يصح أن تهتدي به أقطار عربية وقعت فريسة التخلف ، لكن نظام الحكم في إيران مما لا يصح أن يهتدى به أحد ، وتغييره مسؤولية الشعب الإيراني وليس مسؤوليتنا , تماما كما أنه ليس من حق طهران توجيه النصح لثوراتنا الفريدة ، فثورات العرب الجديدة شيء مختلف بالجملة عن ثورة إيران القديمة . 

كاتب مصري
 
جريدة القدس العربي 

شوهد المقال 2296 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ القاضي سعد الدين مرزوق (لا قضاء ولا محاماة..دون استقلالية عن السلطة التنفيذية ..!!

د. حكيمة صبايحي  إذا كان ارتداء جبة القضاء والتنسك بمحرابه المقدس وتصريف رسالة العدل السامية والسماوية في الأرض شرف ما بعده شرف ، فإن الافوكاتية التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ مشروع الدستور حماية الدولة من نفوذ موظفيها حماية الدولة من النفوذ الخارجي

د. عبد الجليل بن سليم  للمرة الخامسة أعيد قراءة مشروع الدستور المطروح لاستفتاء يوم الفتح من نوفمبر المقبل و حاولت أن أقنع نفسي بان هدا الدستور
image

مرزاق سعيدي ـ بعيدا عن الرؤية بعين واحدة..

مرزاق سعيدي  لماذا يتعلق الجزائري بالمتغيّر وليس بالثابت، في الغالب، ويركز على الآني وليس على الإستقرار، ويستثمر في الكماليات وليس في الضروريات، ويجري خلف سيّارة جديدة،
image

زهور شنوف ـ الأرض والشعب يحتاجان للحرية في الجزائر

زهور شنوف   النائب الذي استقال من اجل خيار الشعب في السجن، الصحفي الذي اصر على اداء واجبه الوظيفي بأمانة تجاه الشعب في السجن، القاضي الذي انتصر
image

عثمان لحياني ـ ونوغي..عض الأصابع

عثمان لحياني  على اقتناع تام أن ما كان يقوم به العربي ونوغي كمدير لوكالة النشر والاشهار، هو جهد شخصي وتصور نابع من مزاج ذاتي وليس سياسة
image

رشيد زياني شريف ـ من ثمرات الحراك الجزائري المباركة، جامعة بورشات للأعمال التطبقية

د. رشيد زياني شريف  ما حققه الحراك من حيث الوعي يفوق مئات المحاضرات الراقية والحوارات السياسية المفعمة والخطب البلاغية العصماء والمقالات الموثقة، بل أصبح الحراك أكثر
image

نجيب بلحيمر ـ مخلفون

نجيب بلحيمر  إعلان بعض الأحزاب السياسية تصويتها على "الدستور" بـ "لا" يعبر عن قناعتها باستمرار توازنات ما قبل 22 فيفري، وحتى إن كانت الأحزاب قد عجزت
image

جلال خَشّيبْ ـ قراءة في كتاب " "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ : "رؤيةً من الصين"

د. جلال خَشّيبْ  حصلتُ أخيراً على هذا الكتاب القيّم والجديد (2020) "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ، الذّي أعددتُ سابقاً ملخّصاً لدراسة مُطوّلة كُتبت عنه
image

محمد نايلي استاذ في عمر 71 سنة معتقل بسجن العوينات ولاية تبسة ..الجزائر الجديدة

التنسيقية الوطنية للدفاع عن معتقلي الرأي‎  عمي #محمد_نايلي أطال الله في عمره الإنسان الطيب الاستاذ المحترم صاحب ال 71 سنة قابع

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

1.00
Free counter and web stats