الرئيسية | من الصحافة | هل يُصلح العطارُ ما أفسد الدهر؟

هل يُصلح العطارُ ما أفسد الدهر؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

أحمد العامري-

نتابع بحزنٍ وأسًى عميقين ما يدور في مصر المحروسة، وكأنما يُدفع بها نحو الهاوية، وما يُحزن هو متابعتنا لتصريحات وبيانات من يقودون المعارضة، والذين في نظري لم يعودوا يقودون معارضة خادمة للمجتمع.. لقد نقل معارضو الرئيس المنتخب صراعهم من معارضة ديمقراطية مستنيرة إلى صراع إرادة، صراع ينتهج سياسة "عض الأصابع"، والمتضرر الأول والأخير هو الشعب المصري، ونهضة مصر والعرب من خلفها.
.. إن نهضة مصر نهضتنا جميعًا بدون شك، وقد كنت أعتقد أن مصر بنظامها الفاسد قد انتهى، ولكن اتضح لي أن هناك من المصريين الذين هم متوغلون داخل "الدولة العميقة" أو الحرس القديم، هم أفسد من رؤوس النظام السابق ذاته. أنا بصدق لا أخشى على مصر من الفساد في الوقت الراهن بقدر ما أخشى عليها من المفسدين الذين ما زالوا يلبسون أثوابًا لم يكنوا ليبسوها إلا في العهد السابق. لذا فلا أفهم كيف لمن كنت أرى فيهم الفكر المستنير -مثل الدكتور البرادعي، والدكتور عمرو موسى- لا يستطيعون التفرقة في طرحهم بين ما هو (رأي وما هو حكم)؟.. لم أرَ منهم رأيًا يُثري، بل تصدير أحكام على رئيس شرعي منتخب ضمنتها قواعد انتخابية قانونية ارتضاها الجميع، وتمَّت بإشراف دولي.
.. الغريب أنهم هم ذاتهم من كانوا ينادون بالاحتكام لصناديق الانتخابات، والآن يديرون ظهورهم لما كانوا ينادون به. ولكن في ظل هذه الظروف وهذا التآمر، كيف للرئيس مرسي (العطار) أن يصلح في شهور (ما أفسده دهر) الرئيس مبارك على مدى عقود؟ ألا يكفي مصر تحدياتها الداخلية، وتركتها الثقيلة التي ورثتها من النظام السابق؟ لماذا يُحكم على الرئيس بكونه ينتمي لهذا الحزب أو ذاك؟ أليس المنطق يقتضي أن يكون الحكم عليه بالنتائج؟ أنا في الواقع أستغرب كيف المعارضة لا تفصل بين المسارات؟ لماذا لا تدع ما هو قانوني لأهل القانون، وما هو تشريعي للمجالس المنتخبة؟ وبهكذا نكون أمام معارضة مستنيرة لا معارضة شعواء تدفع بالدهماء لإثارة الشغب والعنف؛ بهدف إفشال مشروع نهضوي ينقل مصر نقلة نوعية على كافة الأصعدة.
لماذا لم يعد هناك منهج علمي أو إنساني للمعارضة القائمة؟ فكل ما نراه هو استعداء لشخص الرئيس ولحزب الحرية والعدالة بكونه الجناح السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.. ما ضير المعارضة إذا أتت نهضة مصر على يد الإخوان؟ الم يُعطى الرئيس مبارك وحزبه عقودًا من الفرص؟ ألا يستحق الرئيس المنتخب فرصة لتنفذ حكومته برنامجها في فترة ولايته؟
إننا حينما نتابع كيف يُدار هذا صراع من قبل المعارضة، نستغرب في خلطهم لكل الأوراق، وجعل "الأنا" عند قادة المعارضة هي المسيرة للصراع، ولم يعد الاختلاف سياسيًّا فحسب، بل تم استعداء كل شيء يمثله الرئيس المنتخب دون إعطاء الفرصة للمنطق لكي يفصل بين المسارات.. ولم يعد بينهم من يعي مفاهيم "تقيد القوة" لإدارة الصراع بين الحكومة والمعارضة. المفاهيم تلك التي تهدف للبناء وليس الهدم، معارضة تتحدي شرعيَّة رئيس منتخب، وأضف إلى ذلك عدم وجود نية لاحتواء الأزمة عند المعارضة، الذين أصبحوا يتحدثون بمنطق "نكون أو لا نكون". فعند متابعتنا لتصريحات وبيانات قيادات المعارضة في مصر، يتجلَّى أمامنا الخلط بين المسارت وشخصنة القضية.. لو كان قادة المعارضة يقودون معارضة مستنيرة تخدم مصر لأستقالوا فور صدور نتائج الاستفتاء على الدستور، لا أدري متى السيد حمدين صباحي والسيد البرادعي والسيد موسى سيقرون بفشلهم في إدارة المعارضة، ويدعون أمر المعارضة لقيادات جديدة لعل القادة الجدد للمعارضة يكونون أفضل منهم؟ أم هي ذاتها الذهنية العربية التي لا تعترف بالفشل؟.. الحقيقة أنهم لم يعودوا يقودون معارضة ولا يقودون صراعًا سياسيًّا، إنهم أدخلوا مصر في صراع إرادة بشخصنتهم لهذا الحراك، وما أخشاه دخول مصر في دائرة عنف لن ينتهي.
.. إن المعارضة الحقيقية والمستنيرة (تدور مع الحق أينما دار)، وليس مع من يعيش خلف "أسوار ذاته"؛ خوفًا من انكشاف عمق تورطه ليس في هزيمة مصر في العهد السابق وحسب، بل والاستمرار بالدفع بها نحو هزيمة جديدة.
لذا فإنني أتمنى على قادة المعارضة أن يكونوا عند المسؤولية الأخلاقية والوطنية والتاريخية لنهضة مصر، علينا جميعا (دولًا وأفرادًا) الوقوف إلى جانب مصر الكنانة، وحث المعارضة على تهدئة الصراع، والتقاط الأنفاس لتهيئة الظروف أمام الرئيس مرسي لينفذ برنامجه النهضوي أثناء فترة ولايته، لعله يصلح ما أفسد الدهر.

 
 
جريدة الرؤية العمانية
 

شوهد المقال 2282 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ القاضي سعد الدين مرزوق (لا قضاء ولا محاماة..دون استقلالية عن السلطة التنفيذية ..!!

د. حكيمة صبايحي  إذا كان ارتداء جبة القضاء والتنسك بمحرابه المقدس وتصريف رسالة العدل السامية والسماوية في الأرض شرف ما بعده شرف ، فإن الافوكاتية التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ مشروع الدستور حماية الدولة من نفوذ موظفيها حماية الدولة من النفوذ الخارجي

د. عبد الجليل بن سليم  للمرة الخامسة أعيد قراءة مشروع الدستور المطروح لاستفتاء يوم الفتح من نوفمبر المقبل و حاولت أن أقنع نفسي بان هدا الدستور
image

مرزاق سعيدي ـ بعيدا عن الرؤية بعين واحدة..

مرزاق سعيدي  لماذا يتعلق الجزائري بالمتغيّر وليس بالثابت، في الغالب، ويركز على الآني وليس على الإستقرار، ويستثمر في الكماليات وليس في الضروريات، ويجري خلف سيّارة جديدة،
image

زهور شنوف ـ الأرض والشعب يحتاجان للحرية في الجزائر

زهور شنوف   النائب الذي استقال من اجل خيار الشعب في السجن، الصحفي الذي اصر على اداء واجبه الوظيفي بأمانة تجاه الشعب في السجن، القاضي الذي انتصر
image

عثمان لحياني ـ ونوغي..عض الأصابع

عثمان لحياني  على اقتناع تام أن ما كان يقوم به العربي ونوغي كمدير لوكالة النشر والاشهار، هو جهد شخصي وتصور نابع من مزاج ذاتي وليس سياسة
image

رشيد زياني شريف ـ من ثمرات الحراك الجزائري المباركة، جامعة بورشات للأعمال التطبقية

د. رشيد زياني شريف  ما حققه الحراك من حيث الوعي يفوق مئات المحاضرات الراقية والحوارات السياسية المفعمة والخطب البلاغية العصماء والمقالات الموثقة، بل أصبح الحراك أكثر
image

نجيب بلحيمر ـ مخلفون

نجيب بلحيمر  إعلان بعض الأحزاب السياسية تصويتها على "الدستور" بـ "لا" يعبر عن قناعتها باستمرار توازنات ما قبل 22 فيفري، وحتى إن كانت الأحزاب قد عجزت
image

جلال خَشّيبْ ـ قراءة في كتاب " "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ : "رؤيةً من الصين"

د. جلال خَشّيبْ  حصلتُ أخيراً على هذا الكتاب القيّم والجديد (2020) "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ، الذّي أعددتُ سابقاً ملخّصاً لدراسة مُطوّلة كُتبت عنه
image

محمد نايلي استاذ في عمر 71 سنة معتقل بسجن العوينات ولاية تبسة ..الجزائر الجديدة

التنسيقية الوطنية للدفاع عن معتقلي الرأي‎  عمي #محمد_نايلي أطال الله في عمره الإنسان الطيب الاستاذ المحترم صاحب ال 71 سنة قابع

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats