الرئيسية | من الصحافة | ما بعد النفط!

ما بعد النفط!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


 

 

أحمد بن محمد العامري

يعود تاريخ اكتشاف النفط في السلطنة -كما يوضحه موقع وزارة النفط والغاز- إلى العقد الثالث من القرن الماضي، عندما منحت الحكومة في العام 1925م شركة دارسي للاستكشاف أول ترخيص للتنقيب عن النفط؛ ففي العام 1937م حصلت شركة الامتيازات البترولية المحدودة -وهي إحدى الشركات في مجموعة شركات نفط العراق حينئذ- على حق امتياز التنقيب عن النفط، والذي تم تحويله فيما بعد إلى شركة نفط عُمان وظفار المحدودة، وفي العام 1951م تخلت هذه الشركة عن منطقة ظفار لشركة سيتي سيرفسيز، ليأتي العام 1952م شاهدًا على تغيير اسم شركة نفط عُمان وظفار إلى شركة تنمية نفط عُمان.
.. لقد تمثلت الأنشطة الاستكشافية حتى العام 1954م في بعض الدراسات الجيولوجية، وبعد ذلك توسَّعت تلك الأنشطة لتشمل حفر آبار استكشافية؛ حيث قامت شركة سيتي سيرفسيز في العام 1955 بحفر أول بئر استكشافية في عُمان، وهي بئر (دوكة 1)، وفي العام 1956م قامت شركة تنمية نفط عُمان بحفر أول بئر استكشافية لها وهي بئر (فهود 1)، وقد تحقق أول اكتشاف للنفط في السلطنة عام 1956. وعندما قامت شركة سيتي سيرفسيز بحفر البئر (مرمول 1)، إلا أن ذلك الاكتشاف لم يُعد اكتشافا تجاريًّا لعدة أسباب؛ منها: تدني أسعار النفط آنذاك، والكثافة العالية للنفط المكتشف، والبعد عن ميناء التصدير. وتوِّجت أعمال التنقيب والاستكشاف التي قامت بها شركة تنمية نفط عُمان بتحقيق الاكتشاف التجاري للنفط في حقل (جبال) في العام 1962م، تلتها الاكتشافات التي تحققت في كل من حقلي (نتيه وفهود) في 1963م و1964م على التوالي. وفي شهر أغسطس من العام 1967م تم تصدير أول شحنة من النفط العُماني بعد أن تم مد خط أنابيب لنقل النفط من فهود إلى ميناء.
.. ومثلها مثل باقي الدول المنتجة للنفط، اعتمدت السلطنة على عوائد النفط والغاز كمحرك أساسي لأنشطة التنمية الاقتصادية؛ حيث يذكر الكتاب الإحصائي السنوي (39) لسنة 2011، والصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن صافي الإيرادات العامة من النفط والغاز وصل إلى 6 مليارات و516 مليون ريال عُماني حتى نهاية العام 2010م. فيما بلغ إجمالي الإيرادات غير النفطية (1 مليار و516 مليونًا و5 آلاف ريال عُماني) حتى نهاية العام 2010م. أي أن نسبة الإيرادات غيرالنفطية إلى الإيرادات النفطية فقط 23.7%.، وليس الفارق كبيرا بين أرقام أعوام 2010 و2012 و2013. فالسلطنة تعتمدا اعتمادًا كبيرًا على عوائد النفط والغاز في الإنفاق العام لتحريك عجلة التنمية الاقتصادية.
ومنذ ظهور النفط وتغير الاقتصاد العالمي وحجم البُنى الأساسية، بل والحياة الاجتماعية والسياسية، وتغيرت مع ذلك أساليب الإنسان الحياتية ونمط عيشه ورفاهيته، إلا أن المصادر النفطيَّة العالميَّة محدودة تشير إلى تدني المخزون العالمي للنفط، والذي هو بطبيعة الحال ثروة نابضة حتما وغير قابلة للتجديد وهناك شواهد واضحة للعيان ودراسات تأكد ذلك، اعتماد العالم على النفط منذ بداية القرن الماضي أدى لاستهالكه بوتيرة متسارعة؛ وذلك لدخول المشتقات النفطية في الصناعات المختلفة والزراعة، وكذلك في الحياة الإنسانية بشكل كبير.
.. الجديد أن كل الدول النفطية -والسلطنة ليست استثناءً من هذا الوضع- ستواجه بشكل مباشر -وفي زمن ليس ببعيد- أزمات ضخمة عند حدوث انخفاض ففي معدلات الإنتاج النفطي (أو لا قدر الله نضوب شبه كلي)، حيث حذر الأكاديمي والدبلوماسي البريطاني (Sir Crispin Tickell) من ذلك؛ بقوله: "لقد حققنا القليل جدًّا لخفض اعتمادنا على النفط الذي يأتي من منابع محددة، والذي لاتوجد له بدائل شاملة في المستقبل المنظور؛ فالعالم بأكمله يتوقف اقتصاده وبناه الاجتماعية على أساس الثروات غير القابلة للتجديد، ولذلك فإن النتائج الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لهذه الحقيقة ستكون هائلة ومرعبة".. وهناك من يعتقد بأن هذا لن يحدث -على الأقل في حياتهم- وأن النفط لن ينضب، ولكن ما يدحض كل هذا هو تلك الدراسات التي توضح أن زمان ما بعد النفط قادم لا محالة؛ مما يُهدد الصناعة النفطية بالتوقف ويتضح ذلك جليًّا في إحصائيات (أوبك)؛ حيث تشير إلى أن العالم يستهلك حوالي 27 مليار برميل من النفط سنويا غير أن المكتشف من الحقول الجديدة عالميًّا أقل من 6 مليارات برميل سنويَّا من النفط؛ مما يعني استهلاكنا لحولي 21 مليار برميل من المخزون العالمي المتراكم سنويا؛ ففي العام 1952 كتب (Sir Charles Galton Darwin) شارحا للتغيرات التاريخية في ظروف الحياة البشرية التي يسميها (بالثورات)، حيث قال بأن هناك ثورة أخرى واضحة في الأفق: (سوف تأتي الثورة الخامسة عندما نستهلك المخزون الفحمي والنفطي الذي تراكم في الكرة الأرضية خلال مئات الملايين من السنين. ومن الواضح أنه سيكون هناك اختلافا عظيما جدا في أساليب وطرق الحياة؛ فعلى الإنسان أن يعدل طريقته في الحياة تعديلا كبيرا، هذا التعديل الذي يمكن وبحق تسميته بالثورة التي تختلف عن كل سابقاتها في أنها لا تملك احتمالات للزيادة السكانية وإنما ربما العكس).
.. إن الدول النفطيَّة الذكيَّة هي التي تستخدم عوائدها النفطية كجسر للتنتقل عبره إلى مرحلة ما بعد النفط، وهي آمنة مطمئنة على حاضرها ومستقبل أجيالها.. فمتى تشهد سلطنتنا تحركات متسارعة للتقليل من الاعتماد على العوائد النفطية؟

 
جريدة الرؤية العمانية
 

 

شوهد المقال 1951 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك لا تختصره في زاويتك المفضلة لكي لا تصدر عليه حكما

 د. عبد الجليل بن سليم  الامبراطور الروماني Marcus Aurelius لم يكن فقط رجل سياسة بل كان أحد أعمدة الفلسفلة الرواقية التي كان يستعملها في
image

محمد هناد ـ مواصلة النظام الجزائري استغباء الشعب ..يوم الأخوة بين الشعب والجيش ؟؟

 د. محمد هناد   1. الرئيس عبد المجيد تبون يقرِّر «تخليد الذكرى الأولى لحراك 22 فبراير» ! 2. الرئيس عبد المجيد تبون «يعلن يوم 22 فبراير يوما وطنيا
image

زهور شنوف ـ عام الصوت المرفوع.. "قولولهم" 22 فبراير ثورة شعب

زهور شنوف  خلال عام الثورة هزم الجزائريون الغلق وتحدوا الاعلام المؤدلج.. قاموا بثورتهم الاتصالية بشكل عبقري وفعالية وابداع كبيرين.. رفعوا شعاراتهم ودافعوا عن خياراتهم..
image

أمينة بومعراف ـ واش صار ليوم الثلاثاء 52 بالجزائر العاصمة ؟

أمينة بومعراف  الثلاثاء مسيرة الطلبة انطلقنا من ساحة الشهداء كيما مالفين، كان غاشي عيطنا مطالب مختلفة كيما مالفين كلش جايز أنتيك، حتى لحقنا la
image

عادل السرحان ـ وهناكَ أنتِ

عادل السرحان                  وهناكَ أنتِ وقد أويتِ لتربةٍ  عنيبعيدةالله شاء وقد قضىأن ترقدي بثرىًوحيدة وتنازعين الموت وحدك بينما تبكيك بعداًويح نفسي كل ذرّاتي الشريدةأوّاهُ كيفَ تبعثرت تلكَ السنين وأبحرت في موجة الزمنالعتيدةوكيف
image

العياشي عنصر ـ في كتاب علم الاجتماع الأنثروبولوجي

 د. العياشي عنصر  علم الاجتماع الأنثروبولوجي تحت إشراف؛ عادل فوزيتعريب وتحرير؛ العياشي عنصر إصدار مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية - وهران، 2001  تـوطئـــة لعل إحدى السمات الثابتة والمميزة للساحة
image

حمزة حداد ـ الجمهورية لا تحتاج إلى وسطاء !

حمزة حداد   إذا كان الدعاء هو الواسطة بين العبد وربه فان الحق في حرية الاختيار هو الواسطة الحقيقة والوحيدة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية. بها يزكي
image

عثمان لحياني ـ رسالة الى متملق (سقاية لكل من دافع عن نظام الخراب)

عثمان لحياني              تُنسى كأنك لم تكنتنسى كأنك لحظة مرت..ونافذة لريحتُنسى كتفاح عَفِنْ  كنا نرتب قش عش حمامةفي الصيف.. ونحفر مجرى ماءوكنت تسرق من وطن  لا وجه لكالا ملامح
image

وليد عبد الحي ـ مستقبل الصراع العربي الصهيوني : 2028

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن النظر لصراع تاريخي وشمولي من خلال " اللحظة؟ ام لا بد من تتبع المسار التاريخي وتحقيبه للاستدلال على المنطق
image

بن ساعد نصر الدين ـ شيزوفرينا الشرطة

بن ساعد نصر الدين  شيزوفرينا الشرطة او انفصام الانسان بين حياته العادية و حياته العملية داخل المسالك الأمنية !!_ لا زال السؤال الاخلاقي يضرب عقل كل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats