الرئيسية | من الصحافة | عثمان لحياني ـ الأرض لا تغير اسمها.. تجربة جزائرية لفلسطين

عثمان لحياني ـ الأرض لا تغير اسمها.. تجربة جزائرية لفلسطين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عثمان لحياني 

 كانت تسمّى فلسطين وستبقى تسمّى فلسطين إلى أبد الآبدين. الأرض لا تغيّر اسمها مهما طال الزمن وتغيرت الجغرافيا والديمغرافيا، مهما امّحت قرى وأنشئت مدن وتغيرت التسميات في الخريطة قسراً. تلك حتمية التاريخ التي تثبتها الحكاية الجزائرية بكل تفاصيلها، تجربة قاسية لكنها مثمرة، ويجب أن يقرأها الفلسطينيون كلما شعروا بالحاجة إلى ضخ كل الأمل في العودة وكسر سردية الهيمنة الأبدية للكيان المحتل.

قرن ونيف، أي 132 عاماً، هو الزمن الذي قضاه الاستعمار الفرنسي في الجزائر. لم تكن فرنسا في نزهة، بل كان احتلالاً استيطانياً حاملاً أبعاداً دينية، إذ عمّدته الكنيسة منذ دخول أولى الجيوش الفرنسية إلى الجزائر. وخلال هذه الفترة الطويلة، عمدت فرنسا إلى إبادة الإنسان والهوية وتغيير ملامح الأرض وصناعة واقع اجتماعي وسياسي واقتصادي جديد. وفي عام 1930 نظم الفرنسيون احتفالات صاخبة في الجزائر وقرعت أجراس الكنائس، ليس احتفاء بمرور مئوية على الوجود الفرنسي في الجزائر فحسب، بل "اعلاناً لأبدية الوجود الفرنسي في الجزائر". هل صمد ذلك كله أمام حتمية التاريخ ومقاومة الجزائريين؟

أبداً لم يصمد بل انهار في خضمّ ثورات ومقاومات متتالية، كان أكبرها ثورة الاستقلال المظفرة (1654 ـ 1962)، ومثلما جاء كسارق للأرض غادر الاستعمار ذليلاً. وحتى الآن ما زال الكثير من الفرنسيين لا يصدقون بأن الجزائريين استرجعوا الأرض والعرض والبلد والهوية، وما زالت المعركة مستمرة ضد مخلفات الاستعمار في مناحيها المتعددة.

بعد الاستقلال، ظلت فرنسا تبحث عن طرق لدفن جرائمها الدامية ودفع عمليات الإبادة في حق الجزائريين إلى مجاهل النسيان. وكان رهانها الأساس في ذلك على عامل الوقت الكفيل بإنهاء جيل المجاهدين والثوار، ثم يصبح الأمر مجرد قصص من الماضي. لكن في عام 2012 اعتبر وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في مدينة تيبازة الجزائرية، أن مشكلات الذاكرة بين الجزائر وفرنسا ستنتهي عندما يموت جيل المجاهدين، لكن السياسي الجزائري أبو جرة سلطاني رد عليه بوضوح قائلاً إن "محمد يلد محمدا وكوشنير يلد كوشنير".

ويقصد سلطاني أن الأجيال الجزائرية التي حفرت في ذهنها كل مشاهد القهر والتسلط والظلم والتجهيل والطغيان الاستعماري، ستبقى حيّة. وهو ما أظهرته مطالب الاعتراف والاعتذار والتعويض عن جرائم الاستعمار الموجهة الآن إلى فرنسا، والتي تعاظمت أكثر من أي وقت مضى. وبات محكوماً آجلاً أم عاجلاً على الدولة الفرنسية دفع الحساب، وهذا مكتوب في النشيد الرسمي الجزائري "يا فرنسا إن ذا يوم الحساب".

في يوم الأرض في فلسطين، ومهما مرّ من عمر النكبة والشتات، تصبح تجربة التحرير الجزائرية بكل تفاصيلها أكبر درس يجب على الفلسطينيين التمثل به، لاستعادة الأمل في تحرير الأرض والإنسان، بعد إحباط وخيبات مؤلمة وعقود من الاحتلال الذي يعتاش على التواطؤ العربي والخذلان الأممي. لكن الفصل الأكثر أهمية في الدرس الجزائري بالنسبة للفلسطينيين، هو الاتكال على النفس وتحرير الإرادة والقرار الوطني، والعودة إلى سبيل المقاومة. لا التطبيع سينجح ولا السلام ممكن مع دولة تقوم على الدم.

العربي الجديد

 

شوهد المقال 226 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه
image

رشيد زياني شريف ـ ماكينة الإعلام، مخلب العصابة

د. رشيد زياني شريف  مرة أخرة، ومن جديد، تتوّحد كافة وسائل الإعلام، المكتوبة منها والمرئية، المعربة والمفرنسة، "العلمانيةّ و"الإسلامية"، الحداثية والمحافظة، في الدفاع كلها عن الجلاد

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats