الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ لماذا تقلصت طموحات الجزائريين وقلّت جرأتهم؟

ناصر جابي ـ لماذا تقلصت طموحات الجزائريين وقلّت جرأتهم؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.ناصر جابي 

 حسمت السلطات العمومية مسألة كادت أن تؤدي إلى نشوب حرب أهلية، جديدة بالطابع الأيديولوجي الذي تخصص فيه الجزائريون. كان موضوعها هذه المرة، تسمية المسجد الأعظم، الذي اختير له رسميا اسم مسجد الجزائر، بدل الأسماء الأخرى المقترحة، من قبل قوى سياسية وأيديولوجية، بادرت بأسماء مثل عقبة بن نافع الفهري أو البشير الإبراهيمي، وغيرها من الأسماء التي تحيل إلى تاريخ الجزائر القريب والبعيد، الذي حولته هذه القوى المحافظة إلى مجال خصب لكل أنواع الصراع الأيديولوجي والثقافوي، المهدد للنسيج الوطني، بل الوحدة الوطنية كفكرة مركزية لدى الجزائريين.

مناوشات أيديولوجية فارغة تخصص بها الجزائريون في السنوات الأخيرة، بعد أن تقلصت طموحاتهم في الحياة بشكل واضح، اكتفوا منها بالصراع حول تسمية مسجد بناه الصينيون، وخطط له الألمان بأموال الريع التي جادت بها الأرض. لم يطرح الكثير من الجزائريين مسألة كيف تأخر إنجاز هذا المشروع لسنوات؟ وكيف ارتفعت تكاليف بنائه بشكل مريب، من قبل مؤسسة صينية كانت متهمة لوقت قريب بممارسات غير قانونية ليس في الجزائر فقط، بل في العالم، حسب الكثير من المصادر الإعلامية؟ وغيرها من الأسئلة التي كان يمكن أن تكون موضوع نقاش معقول بين مواطنين يهمهم مصير بلدهم، الذي أصبح الصيني هو الذي يبني مساجده وطرقه ومساكنه وسدوده وملاعبه، ليتكفل الجزائري بالدخول في حروب كلامية وهو عاطل عن العمل، ينتظر ما تجود به أراضي الصحراء من ريع بترول وغاز، للدخول في صراعات حول طرق الاستفادة منه.

الجزائريون تقلصت طموحاتهم في الحياة واكتفوا بالصراع حول تسمية مسجد بناه الصينيون، وخطط له الألمان بأموال ريع أرضهم

 

معركة تسمية المسجد، التي يمكن أخذها مؤشرا إلى الحالة النفسية والفكرية المتدهورة التي يعيشها الجزائري، أكثر من خمسين سنة بعد الاستقلال، اختفى فيها تماما التنوع الذي كان معروفا به اقتصاد البلد الموروث عن الحالة الاستعمارية، بزراعته المتطورة المصدرة، وبداية تصنيعه الخفيف المنتج، وحتى سياحته الواعدة. اقتصاد اعتمد على جهد الجزائريين وعملهم كشعب ـ بغض النظر عن طابعه الكولونيالي – عرفت أجياله الكبيرة في السن، التي عاشت الفترة الاستعمارية كيف تدخل في حداثة فعلية عن طريق العمل العصري، حتى وهي ترفض الظاهرة الاستعمارية، التي قاومتها وانتصرت عليها بنزعتها القوية في بذل الجهد والعمل الجاد، عكس ما حصل لاحقا لأجيال ما بعد الاستقلال التي استكانت إلى الثقافة الريعية وسلوكياتها الكسولة.
جزائر تقلصت فيها طموحات المواطنين، ومن ورائهم دولتهم الوطنية، ونخبهم السياسية، بشكل مخيف، أصبح فيها التحدي يقتصر على بناء أطول مئذنة، وأكبر مسجد، يبنيه الصيني ليتكفل الجزائري باختيار لون السجاد الذي يصلي عليه المؤمنون، عندما يقررون الانتقال إلى هذا المسجد العملاق. عكس ما كان سائدا لغاية السبعينيات، طموح الجزائريين كان تحويل الجزائر إلى يابان افريقيا، كما كان سائدا في الفترة البومدينية، التي امتلكت الطموح، من دون وسائل ومؤسسات الإنجاز السياسي، كأي نظام سلطوي مرعوب من إمكانية أن تتجاوزه التحولات، بما فيها تلك التي قادها بنفسه. مشروع لم يكتب له النجاح كما لم يكتب النجاح للكثير من المشاريع الأقل طموحا كبناء صناعة ميكانيكية كانت نواتها متوفرة في بداية الاستقلال، أو غيرها من الطموحات التي لم يعد الجزائري قادرا على تجسيدها على أرض الواقع، رغم كم الأموال القارونية المهدورة، التي ولّدت بدل ذلك الفساد والتبذير. تحولات كثيرة حصلت بعد الاستقلال وربما قبله، هي التي تفسر هذا التدحرج نحو الأسفل في طموحات الجزائريين، وعدم قدرتهم على وضع ما يليق بهم كشعب من تحديات للوصول إلى تحقيقها، سواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو السياسة أو العمران، فقد اكتفى الجزائريون بالاستقلال السياسي ليعلنوا مباشرة بعد ذلك أنهم تحولوا إلى مستهلكين ومستفيدين من ريوع حرموا منها لمدة طويلة، في ظل استعمار استيطاني. وكأنهم تعبوا ولم يعد في مقدورهم وضع تحديدات جديدة أمامهم، كشعب ودولة وطنية.
وضع النخب، يملك قوة تفسيرية كبيرة لهذا الغياب في المشاريع، التي كان يمكن أن تجند الجزائريين بعد الاستقلال وتقترح عليهم مثل هذه المشاريع، على غرار الشعوب الأخرى، بما فيها الافريقية الفقيرة كرواندا. فقد عبّرت هذه النخب قبل المواطنين، عن شرهها الكبير في الاستفادة من مرحلة ريوع ما بعد الاستقلال، بشكل شبقي، تجسد في أكثر من مشهد وسلوك، سواء تعلق الأمر بالسكن الفاخر أو الريوع المالية الكبيرة، أو مناصب السلطة والنفوذ لأبناء قوى فلاحية فقيرة، عاشت ضنك العيش كقاعدة عامة، وارتبط الاستقلال في مخيالها بالاستفادة من الريع والكسل، قبل المجهود والعمل. نخب لم تعد تملك من مشاريع إلا نهب هذا المال العام، الذي عملت على تحويله عن طابعه الاجتماعي إلى مال خاص، اعتمادا على مواقع السلطة داخل مؤسسات الدولة الوطنية، التي تعاملت معها كأملاك شاغرة، تماما كما تعاملت مع فيلا المعمر الأوروبي التي استولت عليها في 1962. الدخول في تفاصيل ما يميز هذه النخب التي تحولت في ظرف سياسي قصير من نخب ثورية حاملة للسلاح، إلى نخب سلطة جديدة، يمكن أن يفسر لنا كيف فشلت في بناء مشاريع كبرى لتجنيد الجزائريين بعد الاستقلال حول تحديات اقتصادية اجتماعية وسياسية طموحة وناجحة. بدل تمويل ـ وليس بناء – ثالث أطول مئذنة في العالم!
نخب سياسية رفضت أن تغادر مرحلة حرب التحرير ومعاركها العسكرية، التي يتفنن الكثير في حضورها الافتراضي، عن بعد، عقودا بعد حصولها على أرض الواقع. زاد منسوب تقوقعها الفكري والسياسي، بعد أن تحول الدفاع عن مكاسبها الريعية، والنظام السياسي الحامي لها، إلى الطموح الفعلي الوحيد لها، ما جعلها في موقع من يرفض الاعتراف حتى بالتحولات التي انتجتها الدولة الوطنية ذاتها، بعد الاستقلال، وعلى رأسها تلك التحولات الديموغرافية، التي أفرزت مجتمع الشباب الذي يتخذ يوميا مواقف غاية في النقدية من هذا الجيل الريعي، الفاقد للطموح والجرأة، الرافض لمغادرة مواقعه التي احتلها منذ استقلال البلاد. جيل حقق أكبر انتصار في تاريخ الجزائر والجزائريين، بعد انتصاره في حرب التحرير، وافتكاك استقلال البلاد، ستكون الجرأة هذه المرة بالنسبة للأجيال الشابة التخلص من النظام السياسي الذي بناه هذا الجيل الريعي الكسول، الذي حطّم طموحاتهم وقضى على جرأتهم في بناء بلدهم.

 

القدس العربي  

شوهد المقال 561 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ العلاقات الإنسانية بين الازلية و الوضعية

علاء الأديب على الرغم من كثرة العلاقات الإنسانية التي تربط الناس ببعضهم و على الرغم من تنوع الأواصر التي تتميز بها تلك العلاقات إلا أن التصنيف
image

سعيد خطيبي ـ عزيزي خالد

 سعيد خطيبي    عزيزي خالد،أعجز عن تصديق ما حدث! لا تزال في السّجن؟ حُكم عليك بعامين؟ هل هذه مسرحيّة عبثيّة؟أنت تحتاج إلى ورق وقلم، كاميرا ولابتوب، كي
image

محمد هناد ـ الجزائر ...ثلاثة أطراف مسؤولة عن الأزمة

د. محمد هناد    تمر الجزائر بأزمة حادة متعددة الجوانب، بما في ذلك على مستوى التربية والأخلاق. بطبيعة الحال، هذه الأزمة ليست وليدة اليوم بل
image

طارق السكري ـ عندما نَـ/ تبكي الأوطان

طارق السكري             في أعماقي ! أشجارٌ ماطرةٌ تبكي جدرانٌ تشربُ أنفاسي لا أدري! تركض بي .. تبكي أنهارٌ مذ نبت الحزنُ على نافذتي سُحُباً
image

عثمان لحياني ـ سبعة أشهر ..كلام لا بد منه ..الإعلام في الجزائر

عثمان لحياني  في 23 فبراير الماضي صدر بيان لمجلس الوزراء تَضَمن " تكليف رئيس الجمهورية للحكومة بتسوية الوضعية القانونية للقنوات المستقلة حتى تتكيف مع قانون السمعي
image

الجنرال عبد العزيز مجاهد ّ مديرا للمعهد العالي للدراسات الاستراتجية الشاملة " خبر صادم

عثمان سابق  عبد العزيز مجاهد مديراً عاماً للمعهد العالي للدراسات الإستراتيجية الشاملة.. اللهم لا حسد.. لكن بصراحة الخبر "صادم".. أن يكونَ مستشارا أمنياً قد
image

عبد الجليل بن سليم ـ سلطة الحراك بين Stanley Milgram و Miguel Benasayag

 د. عبد الجليل بن سليم  بعد مرور القوة التي عملها النظام و تعيينه للرئيس بعد إنتخابات 12/12, الحراك (هنا أتكلم على الحراك كسلوك و ليس
image

العربي فرحاتي ـ فلسطين المشكلة ...وكيف تواجهنا

 د. العربي فرحاتي  تواجه إسرائيل كعصابة مغتصبة للحقوق الفلسطينية منذ أن ورطها الانجليز فيها واستوطنوها في أرض غير أرضها. بموجب وعد بلفور؛ مشكلتها مع المقاومة
image

نجيب بلحيمر ـ الواقعية بعين مهزوم

نجيب بلحيمر  مع كل قرار ظالم، مع كل خطوة تخطوها السلطة على الطريق الخطأ يخرج علينا العقلانيون والواقعيون بمحاكمات لا تقل قساوة عن تلك التي
image

ناصر جابي ـ الدستور الجزائري: العيوب والتحديات القديمة نفسها

د. ناصر جابي  لم يكن الجزائريون محظوظون مع دساتيرهم منذ الاستقلال، لا في طريقة إعدادها ولا في التحديات التي تصادفها كوثيقة أساسية، يفترض فيها

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats