الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ الجزائر: الصحافة والسياسة في زمن الانسداد

ناصر جابي ـ الجزائر: الصحافة والسياسة في زمن الانسداد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 

ذكّرني ما حصل مع الإعلامي خالد درارني هذه الأيام في الجزائر، بما حصل لإبراهام سرفاتي مع الملك الحسن الثاني، عندما اكتشف حلا جذريا أمام الضغوط السياسية الدولية المساندة لهذا المناضل الشرس. فقد أعلن الملك المغربي ببساطة أن السياسي والحقوقي المغربي إبراهام سرفاتي، ليس مغربيا – قيل عنه في تلك الفترة إنه برازيلي اعتمادا على جواز سفر وجد عنده قبل سجنه في 1975 – ليرحل خارج البلد على هذا الأساس، مباشرة بعد خروجه من السجن في 1991.
وزير الإعلام الجزائري اتخذ الاستراتيجية نفسها تقريبا، فقد اكتشف أن الصحافي المعروف خالد درارني، ليس صحافيا لأنه لا يملك بطاقة الصحافي! بمجرد أن أعلن القضاء عن حكم بالسجن ضده لمدة ثلاث سنوات، كأثقل عقوبة تسلط على صحافي في الجزائر لحد الآن.
اكتشاف الوزير جاء بعد انطلاق حملة تضامن دولي ووطني واسعة مع الصحافي الشاب، الذي اتٌهم بالتحريض غير المسلح على التجمهر والمساس بالوحدة الوطنية. خالد الذي أُلقي عليه القبض وهو يغطي مسيرة شعبية، كما تعود على القيام به كإعلامي ملتزم بقضايا شعبه، منذ بداية الحراك، كانت من أهم مطالبه حرية الإعلام واستقلاله كقضية مركزية تحولت إلى وحدة قياس لمنسوب الانفتاح داخل هذا النظام السياسي المغلق، الذي تحول مع الوقت إلى خطر على الدولة الوطنية ذاتها، كما بينته الأحداث لاحقا، بما فيها قضايا الفساد التي ارتبطت بالمال السياسي الذي نخر جسم الإعلام، بشكل حوله إلى وسيلة هدم أساسية، زادت في الضبابية السياسية والفكرية، وهددت فيه التجانس الاجتماعي والثقافي.
تكيف، النظام السياسي مع هذه الخريطة الإعلامية المشوهة، التي خلقها على مراحل، لتأدية مهام هدفها الأساسي كان ولايزال الحفاظ على استمراريته، كما بينته أول تجربة تعددية ارتبطت بالصحافة المكتوبة في بداية التسعينيات، تم تحريفها في جو سياسي وأمني مضطرب، ودفع الصحافيون ثمنا غاليا وقتها. تجربة فشلت في بناء مؤسسات إعلامية قوية، رغم الأموال التي استفادت منها عن طريق الإشهار، وبعض التسهيلات الأخرى. تحولت مع الوقت إلى ثمن لضمان سكوت وحتى تواطؤ، لصالح من استفاد من الإعلاميين، من تكوين هذه الجرائد التي لم يتغير عدد صفحاتها منذ أكثر من ثلاثين سنة، بل تقلص في بعض الأحيان. تجربة إعلامية سمحت بخلق فئة قليلة من الأثرياء الجدد، وعدد أكبر من الفقراء الجدد من الصحافيين والصحافيات، الذين ابتلوا بالعمل في هذ القطاع، الذي يقترب في تسييره من منطق القطاع غير الرسمي. لا يحصل فيه الصحافي على أبسط الحقوق، بما فيها الضمان الصحي، والتمثيل النقابي، الغائب الأكبر عن هذه التجربة المهنية، التي زاد عدد الملتحقين بها. من الفقراء الجدد المعرضين يوميا لكل أنواع الابتزاز.

 

الجزائريون وضعوا على رأس أولويات حراكهم، تحرير الإعلام واستقلاله، كشرط لتغيير النظام السياسي

 

ملتحقون جدد بالمهنة، لا يجدون في الغالب الأعم داخل شبه المؤسسات الإعلامية التي يلتحقون بها أدنى إمكانية تطوير لمهاراتهم الضعيفة أصلا. بعد تخرجهم من جامعات، هي أقرب لمراكز التكوين المهني، ترزح تحت وطأة العدد الهائل من طلبتها، وضعف حيلة أساتذتها، وقلة وضعف إمكانيات عملهم، وبعدها الصارخ عن التطور التكنولوجي والعلمي، الذي وصلته علوم الإعلام في العالم، بالعكس تماما فقد تقوم التجربة المهنية بإفساد القليل الذي يحصل عليه هذا الطالب، ليس على المستوى المهني فقط، بل الأخلاقي كذلك، ببعدها الكبير عن أخلاقيات المهنة كقاعدة عامة لا تستثني إلا بعض العناوين في مراحل محددة، لم تستطع الصمود أمام هذه الاتجاهات الثقيلة القاتلة. سمحت محطة 2012 للنظام بخلق تجربة إعلامية خاصة في الإعلام السمعي البصري، كالتفاف على مرحلة الربيع العربي، كانت أسوأ بكثير مما حصل في الإعلام المكتوب، الذي ظهر بشكله التعددي هو الآخر بعد أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988، وما عرفته من عملية انتقال سياسي لم تصمد وانتكست بسرعة. ما يؤكد تلك العلاقة الوطيدة بين السياسي والإعلامي في جزائر الغلق السياسي، ورفض الإصلاح، العلاقة التي يتحول فيها حال الإعلام إلى مؤشر مهم عن هذا الانسداد، يأخذ في الكثير من الأحيان طابعا شخصيا، يتم فيه التركيز على وزير الإعلام كشخص، تلصق به كل عيوب النظام. ليتم التخلص منه بمجرد أن يكتشف ـ عندما لا يكون على علم بالتفاصيل، المشهد من الداخل ـ إنه في موقع لا قرار له فيه، وإن من يتحكم في هذه التجربة الإعلامية المشوهة، على الأقل في قراراتها المهمة، كمنح الاعتماد لمراسلي الصحف الأجنبية، وتوزيع أموال الإشهار ومنح رخص المؤسسات الإعلامية عند تكوينها، هي مؤسسات أمنية، يفترض أن لا علاقة لرجالها بالقطاع، يعرف الصحافيون أن أبجديات تعلم المهنة، تقتضي منهم معرفتهم بالاسم واللقب والرتبة العسكرية.
ارتباط بين السياسي والإعلامي هو الذي يجعل الكثير من المتابعين للشأن الجزائري لا يفهمون كيف تفشل دولة بإمكانيات الجزائر ـ بشرية ومادية – في إنتاج تجربة إعلامية معقولة منذ استقلالها، لتبقى تحت سيطرة القوة الناعمة والخشنة لتجارب دولية وعربية ـ لأشخاص في بعض الأحيان ـ تمكنت في وقت قياسي من إنتاج مؤسسات إعلامية حاضرة، يزداد كل يوم تأثيرها ـ الكلام عن اختراق يكون أدق – على الجزائر مجتمعا ونظاما سياسيا ودولة. في غياب كلي لأي دور مهم للمؤسسات الإعلامية الوطنية وفاعليها من رجال الإعلام ونسائه. يتحدث عنه كل رئيس جمهورية جديد، وكل وزير إعلام جديد، ليغادر موقعه من دون تنفيذ أي بند مهم منه، كما كان الحال مع ملف الإشهار، ومراكز استطلاعات الرأي وتحديد الإطار القانوني المناسب لتسيير هذه التجربة الإعلامية، التي تبقى في وضع غير قانوني حتى الآن، كما يثبته حال التلفزيونات الخاصة، رغم تجاوز عددها العشرات.. يمكن أن تؤخذ كحالة مجسدة للفساد المالي ـ السياسي ليس في الجزائر، بل في العالم.
التفسير الوحيد المعقول لهذه الحالة السيريالية، أن مصلحة النظام كانت تقتضي ذلك، حتى لو تم على حساب عشرات الآلاف من المهنيين، ومئات المؤسسات، والكم الكبير من الأموال المهدورة، ومصلحة البلد المهددة. وضع فهمه الجزائريون بشكل جيد، وهم يضعون على رأس أولويات حراكهم، تحرير هذا الإعلام واستقلاله، كشرط لتغيير النظام السياسي الذي يقيسون انسداده هذه الأيام بالوضعية التي يعيشها خالد درارني في سجن القليعة، وهو يقضي عقوبة ثلاث سنوات، لأنه حاول أن يقوم بعمل مهني وحرفي داخل هذه المنظومة الإعلامية المشوهة.

 

 

القدس العربي

شوهد المقال 481 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats