الرئيسية | من الصحافة | عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عثمان لحياني 

 دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170 عاماً تظل إنجازاً جزائرياً كبيراً، لا تقلل منه الحسابات الفرنسية السياسية والإقليمية، لأنها تخص باريس وحدها، فالجزائر قبل الحراك ليست كما بعده. في ديسمبر/كانون الأول 2017، تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتسليم الجماجم، لكن إخراجها استغرق ما يقارب الثلاث سنوات، وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن الأمر ليس هدية. اختار الفرنسيون توقيت تسليم الجماجم في ظرفٍ كانت فيه فرنسا قد خسرت أو تكاد موقفها ومصالحها في ليبيا، وبدأت تواجه مقاومة جدّية في منطقة الساحل وأفريقيا، خصوصاً مع مؤشرات تدخل جزائري ميداني في المنطقة. يدل على ذلك مساعدة الجزائر للجيش المالي، وتوجه نحو إرسال الجيش إلى الخارج، والتحرك باتجاه موريتانيا، ودفع مفوض السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي، الجزائري إسماعيل شرقي، لتبني خطة لنشر 3 آلاف جندي أفريقي في الساحل. يضاف إلى ذلك كلّه تصاعد موجة عالمية من قبل شعوب الجنوب لاسترجاع تاريخها، ومن قبل شعوب العالم الغربي لغسل عارها التاريخي، كما حدث خلال موجة تظاهرات ما بعد حادثة جورج فلويد في الولايات المتحدة.

 

لكن ثمّة سبب مركزي له علاقة بالجزائر، يدفع فرنسا إلى استدراك الموقف، وتقديم الجماجم كعربون حسن نية سعياً منها نحو علاقة جديدة. الثابت أن المؤسسة الحاكمة في فرنسا انتبهت إلى أن مواقفها وخطابها إزاء تطورات الأحداث في الجزائر خلال فترة الحراك الشعبي، وما بعده، كانت خاطئة تماماً، وبنيت على تقدير موقف خاطئ، ولم تأخذ باريس على محمل الجد المتغيرات العميقة الحاصلة في الجزائر، سواء في بنية الكتلة الحاكمة وتوجهاتها، أو في المؤسسة العسكرية والأمنية، ودون إدراك منها لمتغير مهم، هو أن الكتلة التي كانت تتبنى المصالح الفرنسية في الجزائر، لم تعد بتلك القوة والقدرة على توجيه الأحداث لصالح باريس.
يدخل تسليم الجماجم في هذا السياق، ودون فصل السياسي عن الاقتصادي، أو تجاهل أن تقديم الجماجم جاء أسبوعاً فقط بعد التوقيع على اتفاق بين شركة "سوناطراك" الجزائرية و"توتال" الفرنسية بشأن عقود الغاز. فإن في قصة الجماجم، تبرز أيضاً 3 مستويات من القبح الفرنسي، والذي لا يتوقف عند الطريقة البشعة والصورة الدامغة لجرائم الاستعمار وزيف مزاعم الحضارة التي كان يحملها، ولا في "أسر" هذه الجماجم 170 عاماً في متحف باريسي وعرضها للسياح كأي أغراض، بما دون الصفر من الإنسانية، ولكن القبح أيضاً في استخدام الموتى داخل نطاق الحسابات السياسية لتصحيح موقف واستدراك مصالح.

 

العربي الجديد اللندنية  

شوهد المقال 733 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats