الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله، وأكده لنا الحدث السياسي في الأسبوع الماضي، عندما سمح القضاء لرئيس الحكومة الأسبق احمد أويحيى المحبوس على ذمة قضايا فساد كثيرة، بحضور جنازة شقيقه المحامي الذي تكفل بالدفاع عنه في القضايا المالية والسياسية الثقيلة.

 

ما أثار سخط الرأي العام، الصورة التي ظهر بها في المقبرة، السجين أحمد أويحيى وهو مكبل اليدين، محاطا بقوات الدرك أمام قبر شقيقه وبحضور الصحافيين، الذين نقل بعضهم الجنازة على المباشر لمُشاهِد تحت الصدمة. منظر أثار اشمئزاز الكثير من الجزائريين، بمن فيهم بعض المسؤولين السياسيين الذين رفضوا هذه الإهانة التي تعرض لها هذا المواطن، المسؤول الكبير السابق، في مكان ولحظة كان يفترض فيها أن تتسم بالكثير من الحميمية، تفرضها رهبة الموت ووداع الأحبة، بين أبناء ثقافة شعبية تكن الكثير من الاحترام للمكان ولهذه اللحظة الإنسانية.
عكس ما حصل في هذه الجنازة بالذات، التي طغت فيها السياسة وتصفيه الحسابات والتشفي و»التقرعيج»، في مجتمع ونظام سياسي حارب على الدوام العمل السياسي وأدواته، فوجده في انتظاره داخل المقبرة بشكله المقرف، تماما كما حصل مع جنازة مصالي الحاج في منتصف السبعينيات (1974) الذي كان في حاجة إلى اذن من أصحاب السلطة في تلك الفترة، لكي يدفن في أرض بلده الذي كان من أوائل المطالبين باستقلاله قبل الكثير. ما حصل لمصالي الحاج حصل للكثير من شخصيات المعارضة، التي توفيت في المنفى، لتدفن بصعوبة في الجزائر تحت الرقابة الأمنية المباشرة، كما كان الحال مع السياسي أحمد قايد المنشق عن نظام بومدين، والكثير من وجوه المعارضة الذين هددت عائلاتهم في بعض الحالات بدفنهم في المغرب، كآخر إجراء ردعي للنظام الجزائري، دائم التنافس مع الجار المغربي على الأحياء والأموات، جثثا ورموزا تاريخية وثقافية.
استعمال سياسي للموت والجثث في بعض الأحيان عبّر عن حالة مرضية غير مفهومة وتسييس مبالغ فيه، تجاوز فيه كل حدود المعقول. كما حصل مع العقيدين عميروش والحواس، المتوفيين في معركة مع الجيش الفرنسي، أثناء ثورة التحرير 1959، الشهيدين اللذين حرمهما نظام الرئيس بومدين من حق الدفن، وتحديد قبر للترحم عليهما من قبل العائلة، في تراب الجزائر، اللذين توفيا وهما يدافعان عن استقلالها. فقد قرر بومدين إخفاء الجثتين في قبو ثكنة عسكرية لسنوات بعد الاستقلال، ولغاية وفاته وتعيين رئيس جديد (الشاذلي بن جديد)، لم يكن ربما في حالة تنافس مع شرعية العقيدين، كما كان الحال مع سلفه، فأخرج الجثتين من القبو، عشرين سنة بعد الاستقلال 1962/82.
تنافس وصراعات سياسية بين أبناء ثورة التحرير، هي التي تفسر لماذا لم تتمكن بعض العائلات حتى الآن، والجزائر على أبواب الاحتفال بعيد استقلالها 58، من تحديد قبور بعض أبنائها، من الوجوه التاريخية المعروفة، مازالت مجهولة لحد الساعة. نتيجة ظروف الوفاة المأساوية، كما كان الحال مع عبان رمضان على سبيل المثال، والعديد من الشخصيات العسكرية الأخرى، الذين استشهدوا خلال محطات حزينة وعنيفة مرّت بها ثورة التحرير، داخل التراب الوطني وعلى الحدود.

 

استعمال سياسي للموت عبّر عن حالة مرضية غير مفهومة وتسييس مبالغ فيه، تجاوز فيه كل حدود المعقول

 

تسييس الجنازة، الذي يكون في بعض الحالات بشكل مختلف، أكاد أقول أرحم، كما حصل مع عبد الحميد مهري، أو قبله سعد دحلب، وبعض القيادات التاريخية الذين رفضوا الجنازة الرسمية والدفن في المقبرة الرسمية ـ مربع الشهداء بالعالية ـ كما عبرت بصدق وصية أحد القيادات التاريخية من الذين همشوا سياسيا وهم أحياء. «لا أريد أن أدفن بالقرب منهم في العالية. لا أحبهم ولا يحبوني.. أريد جنازة شعبية. تماما كما كان الحال مع حسين آيت أحمد، الذي قرر في سفرته الأخيرة العودة إلى قريته بمنطقة القبائل، عن طريق وصية مكتوبة، بالقرب من قبر أمه، بعيدا عن أي حضور رسمي في الجنازة ومكان الدفن. تم تعويضه بحضور شعبي ضخم، عبّر فيه المواطنون عن احتضانهم لهذا الرجل التاريخي،
علما بأن رسمية الجنازة لم تعد تقتصر على المقبرة، كمكان مخصص للدفن، فقد تطورت بعد الاستقلال لتشمل كل مراسم الجنازة، التي أصبح من السائد أن تتكفل بها ماليا مصالح رسمية، على رأسها الرئاسة في وقت حكم بوتفليقة، كعربون وفاء لنظام ريعي إزاء أبنائه الاوفياء غير المغضوب عليهم ولا الضالين، جنازات وعمليات دفن تتحول في هذه الحالة إلى مكان للملاحظة السياسية من الدرجة الأولى، أحسن تعبيرا من أي فضاء سياسي آخر، بل قد تكون أبلغ من أي حديث وخطاب، بعد أن تحول فيها الحضور إلى مكان لاستعراض المكانة السياسية لدى البعض ووسيلة تقرب من أصحاب القرار، لدى البعض الآخر، الذي يصر على حضور مثل هذه المناسبات السياسية، مهما كان بعده عن المكان.
جنازات في المقابر تتحول فيها الابتسامة، أو التكشيرة، مثل القرب ـ الفيزيقي – أو البعد من أصحاب القرار الحاضرين، إلى بيان إعلامي وسياسي من الدرجة الأولى. يستغلها الكثير، ممن تخصصوا في الحضور في مثل هذه المناسبات للتقبيل، أو لأخذ موعد، أو رقم تلفون، أو حتى وعد بالاستقبال لاحقا، حتى لو لم يتحقق على أرض الواقع. منهم من قد يكتفي بأخذ صورة كشهادة حسن سيرة وسلوك أمام الحضور، ليغادر الجنازة راضيا عن نفسه، في انتظار جنازة أخرى لأبناء طبقة سياسية كبيرة في السن، زادت فيها وتيرة مرافقة أبنائها إلى المقابر وزاد فيه عدد المودعين. اختلفت عن فترة الأحادية السياسية، التي كانت فيها الجنازة من «الفضاءات» القليلة، التي يملك فيها الحضور، نوعا من الشرعية حتى بالنسبة للوجوه المغضوب عليها، المتخوفة من الحضور العلني خارج هذه المناسبات العائلية، أو لتوديع الرفاق، أو أبناء الجهة والمقربين.
حضور رغم ذلك يستحسن التقصير فيه ومغادرة المكان بسرعة مع الابن ـ السائق ـ مع تجنب الخلوة أو الإكثار من الحديث مع الوجوه المغضوب عليها، التي يتم التعامل معها بمبدأ التباعد الاجتماعي قبل انتشار وباء كورونا بعقود.

 

القدس العربي اللندنية 

 

شوهد المقال 745 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats