الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ دلالات عودة أحزاب السلطة إلى الواجهة في الجزائر

ناصر جابي ـ دلالات عودة أحزاب السلطة إلى الواجهة في الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 قد يكون من الأحسن الاتفاق في البداية على أننا لسنا أمام أحزاب سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة، ونحن نتكلم عن حزب جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي. توضيح قد يعفينا من الدخول في الكثير من تفاصيل المشهد السياسي والحزبي الجزائري، خاصة في هذا الظرف السياسي الذي يعيشه البلد. كما يعفينا من التذكير بالخروقات من كل نوع التي عرفها تنظيم هذين اللقاءين، اللذين تمت فيهما «تزكية « القيادة الجديدة للحزبين. لقاءان تم الترخيص بهما لهذين التنظيمين، في عز أزمة الحجر الصحي، الذي لم يكن يسمح بتحضير اللقاء أصلا في شروطه البسيطة، كحضور «المناضلين» إلى مكان اللقاء في العاصمة، أو مناقشة أي وثيقة سياسية، أو ترشيحات تتوفر فيها شروط الحد من التنافسية، بعد الزلزال السياسي الذي يعيشه البلد وارتداداته داخل الحزبين.

 

يكفي التذكير هنا كعينة ممثلة لهذا الواقع السياسي والحزبي المرير، الذي لا نريد العودة إلى تفاصيله، بأن أمينين عامين لجبهة التحرير يقبعان حاليا في السجن بتهم فساد كبيرة، وأن الأمين العام الثالث في حالة فرار من العدالة في مدينة الجن والملائكة. صورة تنطبق على كل أحزاب السلطة، التي تتواجد قياداتها في السجن بتهم فساد، كما هو حال الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي ورئيس الوزراء الأسبق أحمد أويحيى، ورئيس حركة أمل الجزائر عمار غول، والحركة الشعبية عمارة بن يونس.
في المقابل قد يكون من المهم أن نجيب عن هذا السؤال المتعلق بالظرف السياسي لفهم دلالات عودة هذه الأحزاب، الآن إلى الواجهة السياسية. لماذا تم الترخيص بسرعة في هذا الظرف لهذه اللقاءات الحزبية أياما قبل رفع الحجر الصحي، المنتظر، في منتصف شهر يونيو/حزيران الحالي أو نهايته، على اكثر تقدير. تسرع لا يمكن تفسيره إلا بالاتفاق الذي يكون قد حصل بين مراكز القرار الفاعلة حول الخريطة السياسية المقبلة، ومكانة أحزاب السلطة داخلها، بما فيها عملية التجميل التي ستدخل على النظام السياسي ككل، بعد زلزال الحراك، في انتظار المحطات السياسية المهمة، التي تنتظر هذا النظام، كالاستفتاء على تعديلات الدستور والانتخابات المحلية والتشريعية، التي ينتظر تنظيمها، قبل نهاية السنة الحالية. والأهم من ذلك كيف تتم الإجابة عن مطالب المواطنين التي عبر عنها الحراك، بعد التوقف القسري لمسيراته، في مارس/آذار الماضي، من دون أن يحقق مطالبه التي خرج من أجلها.
أسئلة كثيرة نحاول أن نجيب عنها بالقول، في البداية إن المؤشر المهم الذي يفسر هذا التسرع، يتعلق باتفاق يكون قد حصل بين الفاعلين السياسيين المركزيين لإعادة رسكلة النظام السياسي القديم، اعتمادا على الأحزاب السياسية القديمة نفسها. اتفاق لم يكن حاضرا دائما بهذه القوة نفسها في الأشهر الأولى من الحراك على الأقل. يوحي بأن النفس الإصلاحي التي تبحث عنه بعض القوى السياسية داخل النظام، قد انطفأ تماما، لصالح القوى التي ترى أن النظام ما زال قابلا للخدمة، كما هو، بعد إصلاحات طفيفة على مظهره الخارجي، كما تجسد مرة أخرى في مؤتمرات هذه الأحزاب، التي تم فيها اجراء عمليات تجميل لا تمس إلا الشكل الخارجي بتغيير وجوه وإبعاد أخرى، من داخل الطبقة السياسية الرسمية نفسها، بكل ما يميزها من ثقافة سياسية وعدم فعالية، وغياب الشرعية في عيون المواطنين الذين طالبوا على العكس بحل هذه الأحزاب، أو تركها تموت بهدوء في حال التسامح معها، بعد أن بينت التجربة الطويلة أنها تحولت إلى خطر فعلي على مؤسسات الدولة الوطنية ذاتها، بالفساد المالي والسياسي الذي عممته داخل المؤسسات، التي وصلت إليها، وكاد أن يؤدي في لحظات معينة إلى قطيعة نهائية بين المواطن الجزائري ودولته الوطنية، التي استرجعها، بعد صراع طويل مع القوى الاستعمارية.

 

اتفاق بين الفاعلين لرسكلة النظام، يعني اتفاقا قد تم الوصول إليه على التعامل بالسلب مع مطالب الشعب الجزائري

 

اتفاق بين الفاعلين لرسكلة النظام، تعني بالضرورة أن هناك اتفاقا قد تم الوصول إليه على – الأقل في خطوطه العامة- على التعامل بالسلب مع مطالب الشعب الجزائري، التي عبّر عنها الحراك، المطالبة بالقطيعة الفعلية مع منطق تسيير النظام السياسي البالي والاتفاق على إصلاحات سياسية، تخرج البلد من النفق الذي أوصله له هذا التسيير. سيناريو بدأت ملامحه في التجسيد على أرض الواقع مباشرة، بعد تعليق المسيرات الشعبية في شهر مارس، بعد بداية انتشار وباء كورونا. من مظاهره الأساسية غلق الفضاءات الإعلامية القليلة أصلا، ورفع وتيرة التحرش بالوجوه التي افرزها الحراك، لتحييدها خوفا من عودة الحراك مرة ثانية، بعد توقف انتشار الوباء، وخلق جو من التشنج السياسي داخليا وخارجيا على طريقة ما كان يحصل في كوريا الشمالية، وعند العم أنور خوجة الألباني، طيب الله ثراه. أجواء يفترض فيها خلق نوع من الانكماش على الذات، وزيادة حدة الخوف من المحيط الدولي، باستدعاء نبرة وطنية كاذبة، يمكن أن تسهل تمرير هذا الاتفاق القاضي باستمرارية نمط التسيير السياسي القديم نفسه، ورفض الإصلاح الذي يطالب به المواطنون. في وقت ستتفاقم فيه أكثر أزمة النظام على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، جراء تبعات أزمة كورونا، وتداعياتها المالية التي ستكون حاضرة مباشرة، بعد رفع الحجر الصحي، في القريب العاجل.
لن تزيد عودة أحزاب السلطة بهذا الشكل الفج والمتسرع، الذي حصل هذا الأسبوع من جهة أخرى، إلا في توسيع قاعدة رفض النظام السياسي – حتى لدى من كان مؤيدا له في وقت ما – الذي لم يقبل بإصلاح نفسه في الوقت المناسب، وربما حتى بروز علامات جذرية أكبر لدى فئات شعبية اندمجت بقوة داخل الحراك، وهي تعاين فشل مسعاها السلمي في المطالبة بإصلاح هادئ، يتم التوافق عليه. تبنته كل القوى السياسية والشخصيات الوطنية المؤثرة. تم رفضه في الأخير، كما تدل عليه عودة أحزاب السلطة بهذه الوجوه القبيحة، علما أن مراكز القرار السياسية الحاكمة في مقاليد السلطة في الجزائر ليست في حاجة إلى هذه الأحزاب السياسية من أصله – وربما كل الأحزاب- إلا بشكل مناسباتي مرتبط الانتخابات الدورية، التي تدربت مع الوقت على كيفية التعامل معها، من دون حاجة كبيرة إلى مثل هذه الهياكل التي تحولت إلى عبء إضافي عليها، هي التي نوعت في وسائل عملها، ولم تعد تعتمد فقط على الأحزاب الفاقدة للمصداقية، من كثرة وسوء الاستعمال. بعد أن جربت المال السياسي والإعلام والإدارة والجمعيات والنقابات والأجهزة الأمنية المختلفة، وحتى بعض الوجوه المحسوبة على الحراك وحواشيه، التي يمكن أن تُلمع وتستعمل من جديد، مثل الكمامات «الواقية» من كورونا، المصنوعة محليا، القابلة للاستعمال أكثر من مرة.

 

القدس العربي اللندنية 

 

شوهد المقال 514 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ حوار حول الأمازيغية ..المتجدد للإلهاء

د. العربي فرحاتي  " القايد " صاحب خطاب الثكتات وقد أفضى إلى ما قدم..أدخل الجزائريين في نقاش هامشي حول الراية الثقافية الامازيغية وربطها بالعلم الوطني..وأثار فتنة
image

وليد عبد الحي ـ نماذج التنبؤ بعدم الاستقرار السياسي

أ.د.وليد عبد الحي تشكل ظاهرة عدم الاستقرار السياسي احد الظواهر التي يوليها علم السياسة اهتمامه الكبير،وتتعدد اشكال ومستويات وحدة ومدة ظاهرة عدم الاستقرار السياسي، وقد بدأت
image

مرزاق سعيدي ـ واقع لا نراه!

مرزاق سعيدي  في الآونة الأخيرة، لاحظت وجود «ظاهرة إعلامية» لها حدّان، كلاهما غريب، وكلاهما مرتبط بـ»واقع» نراه، أو نقرؤه، أو نشاهده في التلفزيون.الظاهرة على شذوذها، وقلّة
image

ثامر ناشف ـ بين قدسية اول نوفمبر54 و"وعد عرقوب" وجوب إسقاط دستور الخيانة ب (لا)!

د. ثامر ناشف  لقد دأب في مفهوم نشأة الدول والامم سياسيا الاستناد لوثيقة تعتبر مرجعية في تأسيس الدول والاحتكام إليها في صناعة دساتيرها وقوانينها الملحقة وذلك
image

وليد عبد الحي ـ حماس : الطريق الى جهنم معبد بالنوايا الحسنة

أ.د.وليد عبد الحي تنبئ اجتماعات تركيا بين الفصائل الفلسطينية ، وقبلها اجتماعات بيروت، وسلسلة البيانات والتصريحات من القيادات الفلسطينية خلال الايام القليلة الماضية عن فصل
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكل مرض وصفة علاج Jürgen Habermas فعال

د. عبد الجليل بن سليم  حراك الشعب لم يثر ضد نظام له توجه ايديولوجي بالعكس النظام الجزائري يستعمل شيء أخطر من إلايديولجية و هو إستعمال وسائل
image

رضوان بوجمعة ـ من ديسمبر الانتحار إلى نوفمبر الإنكار والاحتقار

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 186 تظهر كل المؤشرات أن السلطة تسير عكس التيار، وهي لم تفهم ولا تمتلك أدوات فهم حركية المجتمع منذ 22 فيفري
image

عثمان لحياني ـ النظام..دورة حياة ثانية

عثمان لحياني   وفرت الانتخابات الرئاسية الماضية جرعة أوكسجين للنظام والمؤسسة الحاكمة ، كانت في غاية الحاجة اليها ، بعدما كان الحراك قد خنقها الى الحد الذي
image

حميد بوحبيب ـ تداعيات العدم

د. حميد بوحبيب           
image

بشير بسكرة ـ ذكريات مع حراك 22 فيفري

بشير بسكرة  لا يزال ذلك اليوم عالقا في الذاكرة. أستذكره بكل تفاصيله كأنه حدث بالأمس، و أنا اليوم أعيش أثره النفسي و الفكري بكل فخر ..

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats