الرئيسية | من الصحافة | عثمان لحياني ـ الجزائر... الحرية أولاً والديمقراطية ثانياً

عثمان لحياني ـ الجزائر... الحرية أولاً والديمقراطية ثانياً

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عثمان لحياني 

 جانبٌ من النقاشات الصاخبة الدائرة في الجزائر، بمناسبة مناقشة مسودة الدستور، انسحب إلى استدعاء الجدل حول قضايا الهوية، بعيداً عن المأزق الحقيقي المتعلق بطبيعة نظام الحكم الفاسد، الذي اجتهد في إهدار المقدرات وتوزيع المظالم على مجموع الجزائريين في كلّ مراحل التاريخ السياسي منذ استقلال هذا البلد، وكذا المشكلات العميقة التي أفرزها تقييد الحريات، وخصخصة العدالة، والغش في بناء المؤسسة الديمقراطية. جزءٌ من هذه النقاشات، يندفع بتهور، إلى إذكاء صراع مَرَضي بين "العرب والعربية"، و"الأمازيغ والأمازيغية"، إلى حدٍّ يرسم صراعاً وجودياً بين مكونات الهوية.  

في العام 2013، كان الجدل صاخباً في تونس حول بندٍ ضُمّن في الدستور الذي كان قيد الصياغة في المجلس التأسيسي، يتعلق بإدراج الشريعة كمصدرٍ رئيسي للتشريع، وكانت حركة "النهضة" واقعة بين فكّي رحى القاعدة والشارع الإسلامي الضاغط، وبين القوى العلمانية الرافضة واستحقاقات التوافق. رئيس الحركة راشد الغنوشي، قال حينها (في حوار نشرته "الخبر" الجزائرية)، "نحن لم نر مانعاً من سحبه (البند)، الدساتير تبنى على توافق وليس على أغلبية، عملنا على تجنب عوامل الخلاف والاختلاف مع شركائنا، نعتبر أن الديمقراطية هي الوفاق الأول، والحريات التي يتمتع بها الشعب التونسي هي في حدّ ذاتها مكسب عظيم، مقصد من مقاصد الشريعة".

من حيث القيمة، انتبه التونسيون، كما يتوجب أن ينتبه الجزائريون أيضاً في هذه اللحظة الفارقة المتصلة بروح ثورية عارمة لإحداث التغيير ولمنع النظام من الفوز بفرصة احتيال جديدة، أن الحرية المسؤولة هي الأَولى بالطلب، والديمقراطية أوفى المطالب وأنبلها. وأنه لا يجب أن يعتقل مواطن لموقف ولا يسجن لرأي ولا يضطهد الإنسان على أساس هوية أو انتماء مناطقي. وأنه يتعين أن يعطى لكلٍّ فرصته المكافئة، وأن تجد كل فكرة سليمة مساحتها التي تليق بها، وكل ثقافة وهوية محلية المساحة التي تستحقها للتعبير عن نفسها، ويتسيد العلم وتُولى المناصب على أساس الكفاءة لا الولاء. وبحيث تفرز الديمقراطية الحقّة المؤسسات التمثيلية للشعب، وتتعزز العدالة ومؤسسات المساءلة والصحافة، وتزدهر المبادرة الاقتصادية، ويستعيد المواطن ثقته في نفسه، ويتوقف هروب الشباب من بلد النفط.

في غياب الحرية والديمقراطية، ستستمر السلطة في مصادرة كلّ عناوين الهوية الوطنية. لن تحترم لا الهويات ولا اللغة ولا الدين ولا إرادة الشعب حتى، ولن يتسع مجال لفكرة أو رأي، ولن يُكيل للمواطن حق، ولن تزدهر المناطق والجهات. لم تأخذ الصحراء بسكانها العرب والأمازيغ، المالكية والإباضية، حقّها من التنمية بسبب ذلك، ولم ترتق العربية، وهي مدونة في الدستور منذ ستة عقود، إلى مكانتها التي تستحق. خلال تلك العقود، تلاعبت السلطة بالإسلام المُدون ديناً للدولة، فأحالته رافعاً للاشتراكية، ثم أتاحت مناخاً للتشدد، ثم دفعت بالزوايا التي تمسك الدين من ذيله، كما تلاعبت بالأمازيغية من تهمة تقود إلى السجن إلى قضية سلطة.

لن يعيد الجزائريون اكتشاف معالم الشخصية الوطنية وهوياتهم المحلية، وليس من الجدير أن يصبح نقاش قضايا الهوية مقدماً على نقاش الحريات والديمقراطية، ذلك أن مناقشتها في وضع مختل وأفقٍ مرتبك غير واضح المعالم وجغرافيا هزازة، سيكون مقدمة للاحتراب ولمزيد من التهالك الداخلي. هذه القضايا، إذا كان من داع لها، فتناقش في ظروف استقرار مؤسساتي ومناخ ديمقراطي صحي وسليم، تتسيد فيه الحريات والحجة العلمية، وبمؤسسات تمثل الشعب لا تمثل عليه، ذلك أن كثيرا من المتمترسين خلف قضايا الهوية، إنما يخشون الديمقراطية التي تضع كلاً في حجمه، وهي الدواء لكل غلو وتطرف بكل أبعاده.

العربي الجديد  

شوهد المقال 674 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats