الرئيسية | من الصحافة | عثمان لحياني ـ الجزائر... كراسة رديئة

عثمان لحياني ـ الجزائر... كراسة رديئة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عثمان لحياني 

 صحيح أنّ مسودة الدستور المطروحة للنقاش في الجزائر ليست نهائية ويمكن تعديلها قبل طرحها للاستفتاء، لكن خيبة الجزائريين كانت كبيرة من المسودة في حدّ ذاتها، والتي تحتاج إلى إعادة صياغة شاملة. مكمن الخيبة في أنّ المسودة بإجماع المواقف الشعبية والسياسية بعيدة كلّ البعد عن طموحات الجزائريين وتطلعات ثورة فبراير التي كانت بدافع إسقاط نموذج النظام الرئاسي، وحكم الرجل الواحد الذي تتجمع في يده كل السلطات.

قبل التعديلات المخيبة التي تعيد إنتاج النظام الرئاسي نفسه، وترفض تقييده، وترسم مسافة بعيدة عن مطالب ثورة فبراير، يتوجب العودة إلى أصل المشكلة التي تتعلّق بآلية صياغة التعديلات الدستورية، لأنه كان واضحاً منذ اللحظة الأولى، وقياساً بأكثر من تجربة تعديل سابقة على مرّ المحطات السياسية للجزائر، أنّ إعداد الدساتير بلجان تقنية مغلقة لن يؤدي إلا إلى نصّ دستوري مغلق وجاف. ولبناء الجزائر الجديدة، كان يفترض اعتماد آلية جديدة أيضاً، كانتخاب لجنة تأسيسية أو التوافق على تعيين لجنة تمثيلية، تقطع مع العجلة والتصنع السياسي وتحسم المتاهات، بعد أن تأخذ زمنها الكافي، وتتيح مشاركة متوازنة للأطياف المجتمعية في صياغة الأرضية الدستورية التي سيتعايش على أساسها الجزائريون، وتصون الثوابت المجتمعية وميراث ثورة نوفمبر/ تشرين الثاني 1954، وتحدد قواعد الممارسة الديمقراطية.

في كل مرحلة من مراحل الجزائر المستقلة، كان النظام السياسي يقود البلاد إلى محطات انسداد ويتسبب بسياساته المتناقضة في دفع البلد إلى أزمات مختلفة اقتصادية واجتماعية، لكنه كان يصرّ أيضاً على الانفراد بصناعة المخارج المتعجلة والحلول غير المدروسة التي لا تصمد طويلاً، ليضطر إلى ترقيع الحلول مجدداً، بحيث يمنع أي مساهمة أو مشاركة لباقي الأطياف السياسية والقوى المجتمعية في إنتاج المخارج والحلول وصياغة الخيارات. كذلك كان الشأن في ما يتعلق بالدساتير، بعد كل أزمة أو اختلال سياسي أو انتفاضة شعبية، إذ يلجأ النظام الحاكم، بغض النظر عن تعدد الفاعلين في النظام، إلى إعادة صياغة تعديلات دستورية بنية إجراء تغييرات هيكلية في بنية المؤسسات السياسية وتحرير القضاء والإعلام، وتوسيع هوامش الحريات، لكن لا المؤسسات تحررت من الهيمنة ولا القضاء استقل، ولا الإعلام تحرر، ولا البلد استقرّ على خيار.

مع كل ما أتاحته ثورة فبراير السلمية من نقاط توافق بين الجزائريين على المسألة الديمقراطية ومحددات التغيير وإنهاء هيمنة الأجهزة ومؤسسات الظلّ، وتحرير المؤسسات واستعادة الشرعية الشعبية واستبعاد الجيش عن الحقل السياسي، والحفاظ على الوحدة الوطنية وقيم ثورة نوفمبر، فإنّ السلطة القائمة، سواء قبل انتخابات ديسمبر/كانون الأول أو بعدها، عاجزة أو رافضة لفكرة جمع الجزائريين على طاولة نقاش واحدة لصنع المستقبل معاً، وتضييق بالقدر الممكن نقاط الخلاف والاختلاف، وهو ما يتيح للسلطة التفاوض مع المجموعات السياسية من منصة "أب العائلة الذي يوزع الغنيمة".

يحكم "منطق الغنيمة" سلوك النظام السياسي في الجزائر في تعامله مع البلد ومشكلاته، ويحتكم إلى كراسة من الحلول الرديئة التي لم تحافظ على قيم الجزائر الثورية، ولم تمكّن الجزائريين من بناء جزائر جديدة، وأضاعت على البلد كثيراً من الوقت والمقدرات. وطالما أنّ منطق "الغنيمة" هو الذي يحدد الخيارات ويرسم ملامح المستقبل الغامض، فإن التوافقات بين الجزائريين ستبقى مؤجلة، وتبقى الاستحقاقات الدستورية مجال احتراب في الماضي، أكثر منه تحفزاً لصناعة المستقبل.

 

العربي الجديد اللندنية 

 

شوهد المقال 493 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه
image

رشيد زياني شريف ـ ماكينة الإعلام، مخلب العصابة

د. رشيد زياني شريف  مرة أخرة، ومن جديد، تتوّحد كافة وسائل الإعلام، المكتوبة منها والمرئية، المعربة والمفرنسة، "العلمانيةّ و"الإسلامية"، الحداثية والمحافظة، في الدفاع كلها عن الجلاد

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats