الرئيسية | من الصحافة | عثمان لحياني ـ الجزائر: في صناعة العدو والصنم

عثمان لحياني ـ الجزائر: في صناعة العدو والصنم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عثمان لحياني 

 لعقود، شغلت الأنظمة العربية، وخاصة الثورية منها، شعوبها بمحاربة إسرائيل والإمبريالية، وكانت تقمع كل صوت رافض للرواية الرسمية وداعٍ للإصلاح الداخلي، بحجة أنها منشغلة بمحاربة العدو، على الرغم من أن الكثير منها لم يطلق رصاصة واحدة. وعندما انكشف غبار المعركة، كانت الأنظمة قد فعلت ببلدانها أسوأ بكثير مما يمكن أن يفعله العدو بها. لم تكن الجزائر من بين تلك الدول، وتحديداً في موضوع إسرائيل، لكن السلطة حاولت، في مختلف الفترات والمحطات السياسية التي مرت بها البلاد، أن تثبت في مخيلة الرأي العام عدواً تقنع الجزائريين بوجوده واستهدافه للبلد. ولذلك ظل الخطاب الرسمي حتى الزمن الراهن متخماً بالحديث دائماً عن "العمالة للأجنبي" و"الأيادي الأجنبية"، حتى وإن كان الأمر لا يُنكر برمته، كتحصيل حاصل لتنافس دولي مستمر على المصالح والنفوذ، ولوجود دول حريصة على تعطيل التنمية في الجزائر. لكن الوقائع دائماً ما تثبت أن السلطة وسياساتها الخاطئة والمنغلقة والرافضة لأي تقييم أو تقويم، كانت أكثر إيذاءً وتعطيلاً لتطور البلاد من أي معوق خارجي آخر.


في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة سَوَّدت السلطة والحكومة والأحزاب والصحافة المطيعة صفحة كل من خرج عن النص الرسمي أو انتقد بوتفليقة واعترض على خياراته، وحَجرت عليه سياسياً وإعلامياً، وخلعت عنه كل حق، وألصقت به تهمة العمالة للخارج. وعندما انجلى غبار عقدين من الخديعة والبهتان، كانت السلطة قد فعلت بالدولة والبلد ما لا يمكن أن يفعله بها ألد عدو، وظهر أن "الأيادي الأجنبية" لم تكن عدواً بل صديقاً وظهراً للسلطة نفسها، وسنداً لرجال الدولة وموجهاً لهم، وصانعاً في بعض الأحيان للسياسات والخيارات.

ليست صدفة أن يكون هناك تزامن دائم بين "صناعة العدو" و"صناعة الصنم". كلاهما إهانة للعقل والإنسان الجزائري. "العدو" كان عاملاً للانكفاء على الذات، و"الصنم" ادعاء عصمة سياسية على طريقة "المعممين في أنظمة الملالي"، وهذا قاد الجزائر دائماً إلى الخيبة والإخفاقات والحكم الفردي، وقد يقودها حاضراً إلى ديمقراطية مزيفة أخرى، أبرز مظاهرها طائفة من السياسيين المتملقين، وصحافة "السماء صافية والعصافير تزقزق".

البلد في أزمة شاملة نعم، وهي نتاج الزيف الديمقراطي والانفرادية في صناعة الخيارات. ومثلما يتطلب الخروج منها التعاضد والتعاون وإسناد كل جهد رسمي ومبادرة سياسية تنحو إلى الإصلاح من جهة، فإنها تتطلب، من جهة ثانية، فتح آفاق واسعة للحوار الجاد وحرية الرأي، لأنه لن يحدث الإصلاح الحقيقي دون إتاحة المساحة الكافية والوافية للمؤسسات المقابلة والهيئات المضادة كالصحافة، وتحرير المبادرة السياسية والمجتمع المدني من الاستغلال والتوجيه. ويقع جزء من المسؤولية هنا ليس على السلطة بالضرورة، ولكن على الفاعل السياسي والمدني أيضاً. الرئيس عبد المجيد تبون يقر بأن الجزائر تعيش بعض الفوضى بسبب الديمقراطية المزيفة. العدو الحقيقي للجزائريين إذن هو الديمقراطية المزيفة التي أنتجت الفوضى والفساد، وليس من الذكاء طرح السؤال حول كيف وصلنا إلى الديمقراطية المزيفة باسم "جزائر العزة والكرامة" ولا عن السبيل لتجنب إعادة إنتاج ديمقراطية مزيفة أخرى باسم "الجزائر الجديدة".
 
العربي الجديد اللندنية  

شوهد المقال 431 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats