الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ لماذا لن تتحرر الصحافة عن قريب في الجزائر؟

ناصر جابي ـ لماذا لن تتحرر الصحافة عن قريب في الجزائر؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 بعد سجن الصحافي خالد درارني جاء الدور هذا الأسبوع على الموقع الإلكتروني لراديو «مغرب» و»مغرب إمرجان» اللذين حجبا عن المستمع الجزائري، الذي لم يعد قادرا عن الاستماع لهما من داخل التراب الوطني. بعد تجربة بث على النت لمدة سنوات. تجربة راديو مغرب على «الويب «التي كانت من التجارب النادرة في هذا البلد، الذي ما زالت فيه الدولة تحتكر البث الإذاعي كلية، لم ترخص فيه للمبادرة الحرة حتى الآن، عكس ما هو شائع في الكثير من دول العالم والمنطقة كقاعدة عامة.

 

قرارات تعيد إلى الواجهة مسألة حرية الصحافة في الجرائر، خلال هذه المرحلة الحساسة من التاريخ السياسي للبلد. بعد سنة من الحراك الشعبي الذي كان مطلب حرية الإعلام على رأس أولوياته تماما، مثلما كان الحال مع استقلالية العدالة ومسألة الحريات بصفة عامة.
حرية إعلام لم تكن يوما من الأيام مضمونة في الجزائر، البلد الذي دخل مرحلة الأحادية الإعلامية مباشرة بعد الاستقلال. لغاية المصادقة على دستور 1989 دشنت أثره تجربة إعلامية مستقلة في الإعلام المكتوب، عرفت بدورها الكثير من أشكال التضييق الرسمي، زيادة على ما دفعه صحافيوها كثمن باهظ الكلفة على يد الإرهاب اثناء العشرية السوداء. لينتظر الجزائريون سنة 2012 حتى «يستفيدوا «من حق تكوين قنوات تلفزيونية مستقلة، ظهرت بشكل مشوه. على شكل مكاتب أجنبيه تبث من الخارج كلها، لا أعتقد أنه موجود ما يشبهها في دول أخرى. تجربة ظهرت كأحد تداعيات الربيع العربي، كما كان الحال مع الصحافة المكتوبة، التي ظهرت نتيجة لأحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 التي هزت النظام السياسي في العمق، من دون أن يتغير فعلا.

 

مؤسسات إعلامية جزائرية لا يقرر فيها رئيس التحرير محتوى ما يكتب قبل أن يهاتف «من يهمه الأمر»

 

تجربتان تاريخيتان أكدتا للجزائريين أن لا استقلالية للإعلام من دون تحرير الفعل السياسي، وتغيير النظام بشكل جذري. درس فهمه الحراك الشعبي جيدا عندما أصر على تغيير النظام السياسي، كمطلب مركزي، وأولوية مطلقة قبل المطلب الاقتصادي والاجتماعي على أهميتهما، فقد تيقن الجزائريون بعد معايشة طويلة لنظامهم أن التغيير السياسي هو «رأس الخيط» الذي يجب الانطلاق منه في أي عملية إصلاحية لهذا النظام الريعي، الذي يهيمن فيه السياسي على الاقتصادي.
وهي القناعة التي أكدتها تجربة الإعلام نفسه، الذي ظهر بشكل مشوه، نتيجة ظروف الولادة التي تميزت بتداخل بين المال والإعلام والسياسة، تعلق الأمر بالمال العمومي، الذي استعمل لشراء الذمم عن طريق الإشهار الحكومي والخاص، أو عن طريق المال الفاسد الخاص، الذي طفا على السطح بقوة لاحقا، من خلال تجربة التلفزيونات الخاصة، التي احتكرتها بشكل يكاد يكون تاما الأوليغارشية المالية والسياسية، استعملتها كوسيلة هيمنة سياسية إضافية، زيادة على المال والسياسة، لدرجه أن الكثير من مالكي هذه القنوات هم الآن في السجن ومنهم من ينتظر على الباب، بعد تهم الفساد التي لاحقتهم. لم يعان فقط المواطن من هذه التجربة الإعلامية الممسوخة، التي سمح بها النظام السياسي، تحت ضغط أحداث سياسية مست استقراره، عرف كيف يفلت من تبعاتها كل مرة، بقدر ما عانى منها كذلك الإعلامي والإعلامية، كما عانت منها المهنة بدرجه أكبر. هي التي تدهورت شروط القيام بها بشكل مفجع، ليس على مستوى ظروف العمل فقط، بل على المستوى الأخلاقي والقيمي في المقام الأول، كما تلخصه هذه النكتة المعروفة داخل الوسط الإعلامي، التي لم تعد تضحك أحدا، لمسؤول إعلامي من أصحاب المشاريع المستقلة «أنا لا أملك خطا افتتاحيا، أنا أملك خطا هاتفيا يربطني بأصحاب القرار الفعليين، خارج الجريدة».
تجربة إعلامية المخيف فيها أنها تكاد تترسخ كتجربة مقبولة وعادية عندما يتعلق الأمر بالمهنيين الشباب، الذين لم يعرفوا تجارب أخرى، جعلتهم يقتنعون أن ما يعيشونه من ظروف وعلاقات عمل وقيم مهنية هو القاعدة. بعد أن تحول العمل الإعلامي إلى نوع من السخرة، أصبح فيه الحصول على الأجر يحتاج إلى معجزة تتطلب إضرابا عن الطعام، بل محاولات انتحار يتم تصويرها على المباشر، من داخل مقرات هذه المؤسسات الإعلامية، كما حصل في المدة الأخيرة. مؤسسات إعلامية لا يقرر فيها رئيس التحرير محتوى ما يكتب قبل أن يهاتف «من يهمه الأمر». من دون أن يطلب منه ذلك دائما، بعد أن تحول «الاستئناس» برأي أصحاب القرار إلى عادة حميدة يصر عليها الكثير من أبناء المهنة. تجربة إعلامية لم تتمكن من إنتاج مؤسسات جماعية للدفاع عن المهنة والمنتسبين لها، كالنقابات المهنية، التي كان يمكن أن تساهم في رفع جزء ولو بسيط من الغبن الذي يتعرض له الصحافي، في مهنة طاردة تعرف عدم استقرار مهني كبير، لم تستطع المحافظة على تراكم مهني عابر للأجيال، كان يمكن أن يحميها من التلوث الذي تعيشه، يكاد أن يتحول إلى قواعد مهنية مقبولة، بالنسبة لأجيال لم تحصل على ما كان يمكن أن يسعفها من تكوين جامعي، قبل أن تلتحق بمؤسسات إعلامية حديثة السن، غاب التأطير والتكوين من أبجديات تسييرها اليومي.
مهنة ما زالت تحتفظ، رغم كل هذ الاتجاهات الثقيلة السلبية، على بعض الفرديات والتجارب المحدودة الناجحة نسبيا، ارتفع منسوب التحرش بها في الآونة الأخيرة، لإسكاتها – كجزء من مشروع للتضييق على كل الحراك، بعد قرار توقيف المسيرات الطوعي، بعد ظهور أول حالة لكورونا – إما بالسجن أو الإغلاق في هذه الجزائر الجديدة، التي وعد فيها المواطنون بصون الحريات والدفاع عنها، بعد آخر انتخابات رئاسية، سيكون من الصعب أن تتحقق من دون تغيير جذري في مؤسسات النظام، وآليات تسييره، وطرق حصوله على شرعيته، يستطيع السياسي أن يحصل فيها على شرعيته من الانتخابات الشفافة التنافسية، وليس نشرة الثامنة للتلفزيون، أو افتتاحية الجريدة المرتشية، في بلد تحولت فيه المؤسسات الإعلامية بمختلف أشكالها إلى بوق غير فعال، لا في الدفاع عن البلد، ولا النظام السياسي ذاته غاب عنه المراسل الأجنبي، وغادره من يريد أن يحترم مهنته من أبناء البلد، ضمن لعبة دولية تحولت فيها وسائل الإعلام إلى قوة ناعمة ضاربة، تبقى في يد من يحسن التعامل معها ومنحها حريتها التي لا يمكن أن تعيش وتزدهر من دونها.

 

شوهد المقال 507 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats