الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ الجزائر في مواجهة كورونا: نقاط القوة والضعف

ناصر جابي ـ الجزائر في مواجهة كورونا: نقاط القوة والضعف

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 رغم أن جائحة كورونا واحدة إلا أن طرق التعامل معها كثقافة ومجتمع مختلفة، كما القدرة على التغلب عليها ومقاومتها. اعتمادا على إمكانيات اجتماعية وتنظيمية ومالية – لا تقتصر فقط على الجوانب الصحية – لا تتشابه بين أي حالة وطنية وأخرى.

 

الحالة الجزائرية تخبرنا أن تطورا نوعيا مهما في التعامل مع الوباء قد انطلق شعبيا ورسميا، بعد انتقال الوباء من الصين البعيدة إلى أوروبا القريبة، فقد استهان المواطن الجزائري، وشكك في خطورة كورونا عندما كانت الأمور متعلقة بالصين البعيدة، رغم حضور يد عاملة صينية كثيرة بالبلد، لكن التخوف بدأ بمجرد وصول الوباء إلى إيطاليا وفرنسا، خاصة وهو يكتشف أن أول حالة كورونا معلن عنها في الجزائر كانت لإيطالي يشتغل في البترول في الصحراء الجزائرية. في حين كانت الحالة الثانية لمهندس إيراني يعمل في ولاية أدرار توفي بدون أن يتمكن من المغادرة، كما فعل زميله الإيطالي.
نحن إذن أمام عولمة قاتلة هذه المرة، بواسطة قطاع النفط، الذي يربط جنوب الجزائر ضعيف الكثافة الديموغرافية بالعالم، مثل شمالها المربوط مباشرة بأوروبا، عن طريق شبكة نقل جوي وبحري كثيفة، تضمن سيولة بشرية عالية بين ضفتي المتوسط. هذا الوضع الذي يفسر كيف كانت الحالة الأولى لوباء كورونا بين الجزائريين في ولاية البليدة، بالقرب من العاصمة، دخلت مع معمر جزائري مقيم في فرنسا نشر الفيروس بين عائلته وأقربائه بعد حضوره لزفاف أحد معارفه. ليعلن عن اكتشاف الحالة في فرنسا بعد عودته من عطلته. لتكتشف السلطات لاحقا أنها تستطيع غلق الجامعة بسهولة، لكنها لا تقدر على غلق قاعات الأفراح التي تصر عليها العائلة الجزائرية بشكل جنوني، كما حصل في عنابة الأسبوع الماضي. مدينة معروفة بشغف نسائها بامتلاك الذهب والتزين المبالغ به، في مثل هذه المناسبات، لدرجه أن العنابية قد تفضل الطلاق، إذا منعت من الذهاب إلى عرس، تستعرض فيه ذهبها على صديقاتها ومعارفها.

 

صعوبات في فرض الحجر الصحي بين أبناء ثقافة مازالت تصر على أن الفضاء الخاص ـ المنزل للمرأة والأطفال والفضاء العام للرجل

 

المقهى بالنسبة للرجل الجزائري من الأماكن، التي ستجد السلطات صعوبات في فرض الحجر الصحي عليها، حتى بعد أن استطاعت الإعلان عن غلق المساجد وتعطيل صلاة الجمعة، التي تقبلها المواطن الجزائري ورفضتها بعض الشخصيات المحسوبة على التيار الديني، في مناكفة سياسية ـ دينية واضحة، في مجتمع مازال يفضل فيه الرجل المكوث بالساعات في المقاهي يوميا، على البقاء في المنزل. وهو ما سيزيد حتما من صعوبات فرض الحجر الصحي بين أبناء ثقافة مازالت تصر على أن الفضاء الخاص ـ المنزل للمرأة والأطفال والفضاء العام للرجل، داخل مدينة، تسكنها غالبية الجزائريين، تقلصت فيها بشكل كبير الخدمات كالمطاعم والمسارح ودور السينما، لم يبق فيها إلا المقهى الشعبي وقاعات الشاي للبنات، كفضاء مسموح لهن فيه بالتدخين في مجتمع مازالت فيه المرأة تختفي لكي تدخن سيجارتها. وهو ما عبر عنه المواطن الجزائري بالنكتة والصورة هذه الأيام، بعد الإعلان عن نوع من الحجر الصحي سينطلق بشكل أكثر جدية بداية هذا الأسبوع، اكتشف أثناءه الجزائريون شقاء زوجاتهم وشقاوة أبنائهم، ليعود البعض إلى المطالعة ومشاهد الأفلام بكثافة، لم تكن معروفة لديهم، داخل هذا المجتمع، الذي عانى كثيرا من أزمة السكن، وضيق المساكن وقلة القراءة. رغم انتشار التعليم في العقود الأخيرة.
مصادر قوة أكيدة يمتلكها المجتمع الجزائري في مواجهة وباء كورونا، قد لا يكون من بينها هذه الثقافة المصرة على القرب الاجتماعي، التي تعبر عن نفسها بالإكثار من اللقاءات العامة، واحتكاك جسدي يظهر عند الجزائري قبل الجزائرية بالإكثار من البوس والعناق، لمن يعرفه ولا يعرفه، كثقافة متوسطية مشتركة مع الإيطالي وليس الصيني. أكيد أن الهشاشة والضعف التي يعيشها قطاع الصحة، ليست من نقاط القوة، كذلك التي يمكن أن تجندها الجزائر في مواجهة انتشار الوباء الذي أعلن هذا الأسبوع عن دخول البلد مستواه الثالث المقلق، بنسبة وفيات عالية تحتل بها الجزائر المرتبة الأولى دوليا، حسبما أعلن حتى الآن من معطيات دولية مقارنة، في مجتمع شاب يتميز بوضع صحي معقول، عكس المجتمعات الأوروبية الهرمة. قطاع صحي هش وغير فعال في الأوقات العادية، سيكون نقطة الضعف الأساسية في الحالة الجزائرية، حتى بعد الاستنجاد بإمكانيات الجيش، التي لم تسخر لحد الساعة، ليبقى عدم الثقة في النخب الرسمية وخطابها ووسائطها الإعلامية، من نقاط الضعف الأساسية في الحالة الجزائرية، وعدم ثقة عبرت عن نفسها في نوع من التكفل الذاتي الذي يقوم به المجتمع، بدون انتظار تدخل السلطات العمومية، التي عبرت عن الكثير من التردد في اتخاذ قرارات جريئة حتى الآن، قد تكلف الجزائريين غاليا في مواجهة هذا الوباء الخطير.
وضع يفسر كيف قرر المواطنون تعليق المسيرات الشعبية ليومي الجمعة والثلاثاء، بدون انتظار خطاب الرئيس، الذي تأخر في الظهور، كتعبير عن قدرات الحراك الشعبي التنظيمية المستقلة، بالذكاء الجماعي، الذي عبّر عنه منذ انطلاقه، واستمر من خلال الكثير من المبادرات الشعبية اليومية التي ينجزها الشباب في مدنهم وأحيائهم التي يسكنونها. لم يعد واردا، كما كان الحال في السابق، الهروب منها والتوجه نحو القرية ـ البلاد، كما كان يحصل تاريخيا. على العكس فقد عاد الفرد إلى حدود الدولة الوطنية، بعد بروز هذه الموجة من العولمة القاتلة، التي كشّرت عن نفسها بواسطة جائحة كورونا التي أعادت الاعتبار إلى الحدود الوطنية، والقدرات الوطنية من كل نوع. عبّر عنها الجزائري المقيم في الخارج بعودة قوية لأرض الوطن في هذه الأيام الحزينة، وهو يعلم وضع البلد الاقتصادي والمالي، الذي لن يكون بكل تأكيد من نقاط قوة الحالة الجزائرية في التعامل مع الوباء، بعد التدهور الكبير في أسعار النفط، وبالتالي المداخيل المالية للبلد، الذي كان أحد تداعيات انتشار الفيروس دوليا، رغم خطاب التطمين الذي مازالت تصر عليه السلطة، مقابل المطالبة بالانتقال إلى مستوى أعلى في التجنيد التي يطالب بها أخصائيو الصحة والكثير من الناشطين، قبل فوات الأوان، وإعادة تكرار السيناريو الإيطالي المجنون.
ونحن نعيش على المباشر دروسا كثيرة في التعامل مع هذا الوباء مختلفة بين شعب وآخر، يفرض علينا الانتباه إلى نقاط ضعفنا الكثيرة، ونقاط قوتنا الحاضرة، على رأسها قدرات شعبنا وتجنيد شبابه، القادر على خلق المعجزات، إذا عرفنا كيف نتعامل معه ونقنعه في هذه الأوقات الصعبة.
 
جريدة القدس العربي اللندنية  

 

شوهد المقال 198 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

عبد الباقي صلاي ـ ماذا عن رجالات الدولة الأَكْفَاء الذين ظلمتهم العصابة؟!

عبد الباقي صلاي  حملةُ الأيادي النظيفة التي قادها  "أحمد أويحيى"  عندما تَسنّم القرار الأول في الحكومة الجزائرية أواسط التسعينيات من القرن الماضي،والتي على إثرها
image

نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

نجيب بلحيمر   كما كان متوقعا اكتفت الخارجية الفرنسية بالتذكير بحرية الصحافة للرد على قرار الجزائر استدعاء سفيرها لدى باريس احتجاجا على بث وثائقيين سهرة
image

نجيب بلحيمر ـ النقاش الحرام

نجيب بلحيمر   هل نقد بعض القرارات في ميدان السياسة الخارجية للجزائر والاختلاف حولها يمثل جريمة ؟ في الجزائر يجيب كثير من الناس بنعم، وقد
image

عثمان لحياني ـ فلتان وتلف

 عثمان لحياني  مثلما كانت هناك عملية مأسسة وتبني لخطاب الكراهية المبني على تمزيق الجغرافيا ووضع الحجر في الشقوق ، مثلما يبدو واضحا أنه تم
image

العربي فرحاتي ـ إذا عرف ..من رخص ؟ ..بطل العجب !

د. العربي فرحاتي  لشعورهم بالنقص في شرعية من انتخبوهم..الباديسيون الجدد يكملون ما نقص من شرعية السلطة التي انتخبوها من هجومات الاعلام الفرنسي لسلطتهم ..حيث
image

وليد عبد الحي ـ قرارات ترامب بين النرجسية والمؤسسية

 أ.د.وليد عبد الحي  أزعم ان عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة لم تشهد في تاريخها تنازعا حادا بين " شخصية الرئيس" من
image

العياشي عنصر ـ خبايا "تحقيق فرانس5"

 د. العياشي عنصر  بعد مرور لحظات الصدمة والغصب لابد من التفكير بتأني وبمنهجية حول هذا التحقيق وتحليله وتفكيكه ثم إعادة بنائه حتى يتسنى لنا فهم
image

محمود بلحيمر ـ لولا الحراك لواصل الكثير من الناس التبوّل في سراويلهم كلّما سمعوا اسم السعيد

محمود بلحيمر   بالنسبة لي لا مقال يُنشر في "الواشنطن تايمز" ولا وثائقي يُبث في قناة فرنسية ولا أي عمل إعلامي أو دعائي يُغير من موقفي
image

زهور شنوف ـ معڤال وبوحميدي.. عار "قُبلة الشيخوخة" في الشارع! #الجمعة_67 #الحرية_للمعتقلين

زهور شنوف   في الاسبوع نفسه رأينا اهتماما غريبا بالحراك، على مستويات مختلفة، والحقيقة ان الاهتمام بالحراك لا يغيب ابدا لدى من ينام الجمر في بطونهم،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats