الرئيسية | من الصحافة | عثمان لحياني ـ الجزائر: المضمار الصحيح

عثمان لحياني ـ الجزائر: المضمار الصحيح

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
عثمان لحياني 
 
الجزائر، هذا البلد ــ القارة، الفائض بالنفط والغاز، والمزدحم بالشباب، والمكتنز الثروات، والذي أنفقت حكوماته على الأقل في العقدين الماضيين ما يزيد عن 980 مليار دولار أميركي، يوجد فيه 200 سرير للإنعاش فقط بحسب ما أعلن وزير الصحة عبد الرحمن بن بوزيد. نعم 200 سرير فقط (موصول بأجهزة التنفس والأجهزة الخاصة)، 40 منها في العاصمة التي تعد ستة ملايين نسمة. هذه كارثة أكبر من مصيبة كورونا نفسها، وصدمة الرأي العام من هذه المكاشفة لا تقل عن صدمة علم الرأي العام بأن مجموع الشقق والعقارات التي نهبها المدير العام السابق للأمن العام عبد الغني هامل بلغت (35 شقة وعشرات العقارات)، تكفي وحدها لإقامة أكثر من هذا العدد من أسرة الإنعاش، وربما مستشفيات كاملة.

 

ظهر الآن أن البلد مكشوف الظهر، ونظامه الصحي منهار، كجزء من نظام سياسي متداعٍ أنتج خريطة كبيرة ومتسعة لكل أنواع الخراب. وفي الحقيقة النظام الحاكم كان يعتد بالترسانة الأمنية أكثر من اعتداده بالمستشفيات، والنفخ في أعداد القوة الشرطية وتجهيزها أكثر من تكوين الأطباء، بل ودفعهم للهجرة (ستة آلاف طبيب جزائري في فرنسا وحدها). كما أن الانخراط في سباق تسلح لم يكن متوازياً مع سباق البحث العلمي والابتكار.

إذا تجاوزنا قصة المستشفيات، يبدو أن البلد متأخر جداً حتى في إنجاز نظام الرقمنة والحكومة الإلكترونية التي يفترض أن تكون الأنسب للعمل ولإدارة الشأن العام وتسهيل الحياة والدراسة وغيرها في مثل هذه الظروف أو في حال تعقدت الأوضاع أكثر. تأخر يحدث مقارنة بدول كانت حتى وقت قريب أقل مستوى وبنية تحتية من الجزائر. إذا كان من حسنة واحدة لأزمة وباء كورونا، فهي إعادة وضع الرقمنة والصحة العامة، ليس على سلم الأولويات الحكومية وسياسات تدبير الشأن العام، ولكن في ترتيب دعامات الأمن القومي. هذا زمن بات فيه مصل بحجم قطرة أغلى من دبابة. صحيح أنه قد يكون من اللاموضوعية المقارنة بين مصل ودبابة، وبين ثكنة ومركز بحث، إذ لكل منهما مجالهما الحيوي ودورهما في منظومة الأمن القومي لأي بلد، لكن الواقع يثبت أن قواعد السلامة والسلم تغيرت، مثلما تغيرت قواعد الحروب التي باتت تُخاض بزرّ وطائرة لا يتجاوز حجمها حجم كلاشينكوف.

لعل كورونا الذي يزاحم أزمة أسعار النفط، سيعيد الكثير من الأمور إلى نصابها، لعله يعيد الاعتبار للاهتمام بالنظام الصحي كما تعديل السلوك المجتمعي وأخلقة الفضاء العام، وتوجيه الأهمية القصوى للبحث العلمي والابتكار، مثلما يفترض أن تعيد أزمة النفط الجزائريين إلى الحقل والمزرعة والفكاك من اقتصاد الريع النفطي الذي تتبخر وارداته بشكل سريع.

المجد اليوم للعلم، والإنسان الذي في المختبر هو من سيدخل التاريخ، أكثر من القوة ورجال الاستعراض، والسباق الحقيقي الذي يتوجب أن تخوضه الجزائر بعد التعافي من الأزمة هذه، هو دخول المضمار الصحيح وسباق رفع موازنة البحث العلمي لتقليص الهوة. الفجوة قد يملأها مصل بحجم قطرة ولا تملأها دبابة بحجم بيت.

 

العربي الجديد اللندنية  

شوهد المقال 288 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats