الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ كورونا حراك وعدم ثقة

ناصر جابي ـ كورونا حراك وعدم ثقة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 أكدت مسيرات الجمعة 56 ما كان معروفا، عند خرج مئات الآلاف من الجزائريين والجزائريات في 46 مدينة للمطالبة بمطالبهم السياسية المعروفة، منذ انطلاق الحراك في 22 فبراير/شباط من السنة الماضية: عدم الثقة المطلق من قبل فئات اجتماعية واسعة في خطاب السلطة، حتى وهي تتكلم عن وباء كورونا ومخاطرة الجدية على الصحة العامة، كوباء يعرف انتشارا واسعا، في دول عديدة. سلطة متهمة من قبل الرأي العام الوطني بأنها أكثر اهتماما بوقف الحراك الشعبي من أي شيء آخر، بما فيها صحة المواطنين، التي لم تعمل الكثير للعناية بها، كما تؤكده وضعية المنظومة الصحية المتدهورة.

يحصل هذا في وقت ترفض فيه السلطة نفسها القيام بأي إجراءات جدية للتهدئة أو القبول بمطالب الحراك المقدور عليها، يمكن ان تساهم في تخفيف حدة الاستقطاب بينها وبين المواطنين بعد، منذ الانتخابات الرئاسية وتنصيب رئيس جديد. بالعكس تماما ما يلاحظ هو زيادة حدة التحرش بالحراك كل أسبوع، وارتفاع منسوب الاعتقالات، التي مست هذه المرة صحافيين، كل ذنبهم قيامهم بأداء واجبهم المهني، كما حصل مع الصحافي خالد درارني، الموضوع تحت الرقابة القضائية، بتهمة تهديد الوحدة الوطنية والحث على التجمهر، ليعاد اعتقاله 72 ساعة، بعد الإفراج المشروط عنه، وكأنه هو الذي ينادي كل أسبوع الجزائريين إلى التظاهر في الشوارع .

المطلوب من النظام وممثليه، الاقتناع أخيرا بأن الجزائريين ينتظرون إجراءات ملموسة تطبق على الأرض

 

يحصل كل هذا في غياب شبه كلي للرئيس الجديد، الذي كان يمكن ان يأخذ الكلمة هذه الأيام لمخاطبة الجزائريين وتطمينهم باتخاذ إجراءات جدية، يمكن ان يتم الإعلان عنها بسرعة، كفتح الإعلام الوطني أمام المواطنين، والحد من الاعتقالات التعسفية، التي توسعت هذا الأسبوع لتشمل طلبة أخذوا ليلا من منازلهم. إجراءات أولية ضمن سياسة تطمين طالب بها الحراك منذ أكثر من سنة. رئيس على العكس ذهب في اتجاه آخر مخالف تماما، وكأن الجزائر تعيش وضعا عاديا، يسمح بهذه الرؤية التسويفية. كتعديل الدستور الذي يعرف الجزائريون أنه يمكن أن يُخترق بسهولة منقطعة النظير، كما قام بذلك كل رؤساء الجزائر السابقين وعلى رأسهم بوتفليقة، الذي عدًل الدستور للبقاء في الحكم لأكثر من عهدتين، بواسطة رسالة وجهها للبرلمان، من دون حضوره لإلقاء كلمة أمام النواب، الذين صادقوا برفع الايدي على الاقتراح في أقل من خمس دقائق. سياسات جعلت الجزائريين يفقدون الثقة تماما في ما يقوله ويقرره السياسي الرسمي، حتى وهو يقول إن وباء كورونا خطير، وإنه يمكن أن يهلك الناس. انتشار وباء كورونا دوليا ووصوله إلى الجزائر ـ رغم محدودية انتشاره وطنيا حتى الآن ـ يتطلب من الجزائريين مواطنين وسلطة الكثير من الحكمة، قد يكون من بينها التعليق المؤقت للمسيرات الشعبية، والتفكير في أشكال احتجاجية بديلة، لا تطفئ شعلة الحراك الشعبي، كما طالب بذلك الكثير من الوجوه الحراكية الصادقة. مقابل سلطة لا يثقف فيها المواطن ويعرف بالسليقة، أنها غير صادقة، وأن هدفها الأساسي والوحيد هو إيقاف الحراك، باستغلال هذه الفرصة التاريخية التي نزلت عليها من السماء. انتشار وباء كورونا، قرار تعليق المسيرات مؤقتا الذي يجب ان يتم التداول فيه جماعيا بين أبناء وبنات الحراك، لأخذه بسرعة حتى تكون نتائجه مضمونة على مستوى الحد من انتشار الوباء وطنيا، وقبل ان تستفحل الأمور، لا قدر الله، ليكون التعليق جماعيا ووطنيا، كما كان وما يزال الحراك.
في المقابل ما هو مطلوب من السلطة يبقى هو الأساس وبحدة الاستعجال نفسها، وربما أكثر. فالمطلوب من النظام وممثليه، الاقتناع أخيرا بأن الجزائريين ينتظرون إجراءات ملموسة تطبق على الأرض، تعيد لهم جزءا ولو بسيطا من الثقة في ما يقوله ويفعله هذا النظام. إجراءات تدخل في صلاحيات الرئيس والحكومة المعينة، لا تتطلب لا تشاورا ولا مفاوضات مع أي طرف. يكفي أن يعلن الرئيس أنه قرر أن يفتح الإعلام الوطني أمام الجزائريين للحوار حول أوضاعهم السياسية، بدل الخروج إلى الشوارع للقيام بذلك كل يوم جمعة. كما يكفي للرئيس ان يأمر بالتقيد باستقلالية القضاء – حتى في ظل القوانين الحالية وقبل أي تعديل – وأن القاضي ليس في حاجة إلى تعليمات من أي جهة كانت. للحد من تغول الأجهزة الأمنية الذي تحدث عنه المحامون هذا الأسبوع، وهم يعاينون في المحاكم ما يحصل مع الموقوفين من صحافيين وناشطين سياسيين. يكفي أخيرا كإجراء مستعجل توقيف الاعتقالات والبدء في إطلاق سراح المحبوسين من شباب الحراك، رجالا ونساء.
إجراءات تطمين وتهدئة، مقدور عليها من قبل الرئيس الحالي، يمكن أن يتخذها بسرعة، في انتظار مشاريع “الإصلاحات” الأخرى كتعديل الدستور، وما ينتظر ان يأتي بعد ذلك على مستوى القوانين المنظمة للانتخابات والأحزاب، إلخ. خلال هذه الفترة المرشحة لاستقطابات اجتماعية وسياسية عالية، جراء الوضع الاقتصادي والمالي للبلد، بعد تدهور أسعار البترول، بكل ما يمكن ان يترتب عنه كإكراهات من كل نوع، في مجتمع سكت كثيرا عن مطالبه الاقتصادية والاجتماعية، لإعطاء أسبقية للمطلب السياسي الأم. تغيير النظام وبناء مؤسسات شرعية. إجراءات مطلوبة تٌخرج السلطة من منطق التسويف والتذاكي الذي ميزها حتى الآن، وهي تتعامل مع الحراك الشعبي الذي جربت معه كل ما توفر لديها من حيل وإمكانيات مادية وسياسية، فشلت كلها مع الوقت، واستمر الحراك في سلميته ووطنيته وشعبيته لأكثر من سنة. سلطة لم تتورع على اللعب على ما اعتقدت أنها نقاط ضعف تميز المجتمع الجزائري بهدف إضعاف الحراك وإخراجه عن مساره السلمي ووطنيته، كما فعلت ـ بنجاح متفاوت ـ مع كل الحركات الاجتماعية والسياسية التي عرفها المجتمع الجزائري تاريخيا. تحاول الآن استعمال انتشار وباء كورونا مقرونا بالقمع وتجنيد ما تبقى لديها من ذباب إلكتروني وإعلامي، عاد بقوة هذا الأسبوع للتهويل من آثار الوباء والظهور كذبا بمظهر من يخاف على صحة الجزائريين.
سيتخوف بعض الجزائريين من هذا الاقتراح الداعي الى تعليق المسيرات، لعدم ثقتهم في السلطة الحالية التي ستكون أمام فرصة، للالتفاف على كل الإصلاحات ومطالب التغيير، التي لم ننجح في تحقيقها كحراك حتى الآن. وليس بسبب عدم الثقة في أنفسهم وفي قدرات شعبهم الذي لن يعود، مهما كان الثمن الذي سيدفعه الى الوضعية التي كان عليها قبل 22 فبراير2019. باعتباره ذلك أهم إنجاز حققه هذا الحراك الشعبي الذي خرج فيه الجزائريون بقوة وهم مدركون، منذ الوهلة الأولى أن تغيير نظامهم السياسي لن يكون سهلا وسيأخذ وقتا بسبب ما يميز هذا النظام بالذات الذي كان دائما عصيا على التغيير.

 

جريدة القدس العربي اللندنية  

شوهد المقال 383 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats