الرئيسية | من الصحافة | عثمان لحياني ـ الجزائر: صدمة النفط

عثمان لحياني ـ الجزائر: صدمة النفط

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عثمان لحياني 

 "انتهى البترول ولم تعد آباره إلا جزءاً من ماضي قد ولّى"، هذا مشهد سينمائي لنشرة أخبار عاجلة قرأتها مقدمة الأخبار الشهيرة في التلفزيون الجزائري في الثمانينات، زهية بن عروس (الجزائريون اعتقدوا أن الأمر حقيقة)، دسه المخرج محمد حلمي في فيلمه الشهير "ما بعد البترول"، الذي أُنتج عام 1986. كان ذلك الفيلم بكل مشاهده الدرامية التي تصوّر إفلاساً سياسياً واقتصادياً ومالياً وبؤساً اجتماعياً، ورسائله السياسية، رؤية سينمائية استباقية لأزمة بلد غرق في برميل نفط ونام على عائداته الريعية وأهملت سياسات حكوماته المتعاقبة كل مقدرات الإنتاج الأخرى، خصوصاً الزراعة في بلد زراعي بامتياز.


لم يمر وقت طويل على الفيلم حتى تحوّلت مشاهده إلى حقيقة، إذ لا ينسى الجزائريون ما فعلته بهم الصدمة النفطية عام 1986، عندما نزلت أسعار النفط إلى ما دون التسعة دولارات، فأفلست الخزينة، وخوت حينها رفوف المحلات، وندرت المواد التموينية وباتت الطوابير على الخبز تبدأ في الرابعة فجراً، وفي صفوف لا تنتهي أمام أسواق الفلاح (محلات حكومية تم حلها لاحقاً) للحصول على الزيت والقهوة والسكر. كانت تلك الأزمة الاقتصادية جزءاً من مقدمة طويلة عريضة لانتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1988.

تدخل الجزائر الآن أزمة نفط شبيهة بعد انهيار أسعار برميل الخام خلال الأيام الأخيرة إلى ما دون 30 دولاراً للبرميل، وتآكل احتياطي الخزينة العامة، لتبدو البلاد على حافة صدمة اقتصادية حقيقية ستكون لها تداعيات اجتماعية لامحالة، لم تدّبر لها الحكومة الجديدة ما يسعف البلد لمواجهة هذه التداعيات، فقد ضيّعت على البلد فرصة إقلاع اقتصادي حقيقي وتطوير نوعي لكل القطاعات الإنتاجية والإفلات من فكي اقتصاد الريع النفطي قبل سنوات، عندما أهدرت 980 مليار دولار أميركي خلال عقدين، من دون أن تحقق نسبة نمو موازنة لهذا الحجم من الإنفاق (لم تتجاوز 2 في المائة) ولم تحقق اكتفاءً ذاتياً في أي من المواد التموينية نتيجة سوء التدبير والفساد.
 
ثمة حقيقة مؤلمة في الجزائر، وهي أن عدداً ليس بالقليل من الخبراء الاقتصاديين وقطاعات هامة من المنتظم السياسي، كانوا ينذرون الحكومة استباقياً ومنذ عام 2012 بتوجّه البلاد إلى مخاطر أزمة حادة مستقبلاً ما بعد البحبوحة المالية، ويحذرون من عواقب إهدار المال العام في شراء السلم الاجتماعي وزيادة الإنفاق غير الرشيد على برامج غير منتجة. لكن هذه الأصوات لم يكن أحد يريد الإنصات إليها والأخذ بتحذيراتها، بل إن وسائل التضليل والدعاية شنّت عليها حملة قاسية وعنيفة. والعدو الأول للشعوب ليس الحكومات الفاسدة فحسب، بل التضليل، وكل من مارس التضليل السياسي والإعلامي في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة هو لامحالة شريك في منتجات الخراب وجزء من شبكة الحكم الفاسد.

مرّ على الجزائر درس الأزمة الأولى عام 1986، لكنها لم تكن صدمة كافية، ومرّ درس ثان بعد عشريتين من الفساد والتبذير في عهد بوتفليقة، فلربما تكون الأزمة الجديدة من الصدمة ما يدفع الجزائريين للعودة إلى الأرض، إلى الزراعة والسياحة والصيد واستثمار مكنونات أخرى في البلاد غير ما في بطن الأرض، والتفكير في خلق نسق جديد من الاقتصاد يقوم على المعرفة والاستشراف وحسن التدبير.
 
العربي الجديد اللندنية 
 

شوهد المقال 261 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats