الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ هل هناك إسلاميون داخل الحراك في الجزائر؟

ناصر جابي ـ هل هناك إسلاميون داخل الحراك في الجزائر؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 نجح الجزائريون في الحفاظ على وحدة شعاراتهم السياسية، ومطالبهم لمدة سنة كاملة، اتفقوا خلالها على رفض الدخول في أي صراعات عقائدية، بعد أن اقتنعوا أنهم أمام لحظة سياسية موحدة، لن يسمحوا بأن تُخترق من قبل قراءات أيديولوجية وثقافوية، عانت منها الجزائر الكثير. رغم هذا الإجماع الحاصل بين أبناء الحراك إلا أن ما يحصل هذه الأيام من اصطفاف أيديولوجي حاد، يمكن ان يعيد النظر في هذه القناعة الجماعية التي كرستها يوميات الحراك ودافعت عنها بشراسة.

محاولة اختراق أيديولوجي طفت على السطح بقوة، بعد التصريحات الأخيرة لرئيس حركة مجتمع السلم الدكتور عبد الرزاق مقري، التي اتهم فيها قوى علمانية قال عنها إنها متطرفة، تريد ركوب الحراك. ليضيف أن هذه القوى مخترقة من قبل الماسونية الدولية وفرنسا، مشيرا إلى أن هذا يميز جزءا من حراك العاصمة على الأقل، الذي تدعمه قوى إعلامية ممولة من الخارج، مرتبطة بهذا التيار العلماني المتطرف، الذي لا يريد الذهاب الى الانتخابات، ويرفض الحوار السياسي، لأنه مدرك لحجمه الجهوي المحدود.

الحراك الجزائري تحول مع الوقت إلى الفاعل السياسي المركزي الذي يتخوف منه الكل ويطلب وده الجميع

 

توصيف يعرف الجزائريون من يقصد به الدكتور مقري، داخل الساحة السياسية التي قد تكون هذه الحروب الإعلامية بداية تنافس انتخابي سابق لأوانه بينها. اعتمادا على قراءات مختلفة للساحة السياسية، والسيناريوهات الممكنة المتولدة عنها. في وضع سياسي هش، يتميز بضغط سياسي قوي للحراك الشعبي، واضطراب في أداء السلطة الفعلية، التي لم تعد تملك أدوات عملها السياسي القديمة، وعلى رأسها أحزاب الموالاة، والمركزية النقابية، وجمعيات المجتمع المدني المدجن، ما يفرض عليها بسرعة البحث عن بدائل جديدة، قد يكون بعضها من داخل الحراك نفسه، كما بدأ يظهر ذلك بعض المؤشرات، ومن خارجه بعد إعادة تشكيل الخريطة السياسية، لتتكيف مع ميزان القوى السياسي الجديد المضطرب وغير المستقر. هجوم مباغت قام به الدكتور مقري على حلفاء الأمس، داخل صفوف المعارضة، لا نجد له تفسيرا، إلا بقرب الاستحقاقات الانتخابية التي ستحصل نهاية السنة، داخل هذه الساحة السياسية المضطربة وهي تبحث لها عن إطار قانوني وسياسي جديد لن تتوضح تفاصيله، إلا بعد المصادقة على التعديلات الدستورية الجديدة، هذا الصيف، وما سيأتي بعدها من قوانين منظمة للعمل الحزبي والانتخابات.
لفهم سر هذا الهجوم المباغت الذي قام به الدكتور مقري على بعض القوى الفاعلة على الساحة السياسية، ومحاولة شيطنتها، يجب عدم الاكتفاء بما يحصل في الجزائر، بل في الخارج كذلك، في المنطقة العربية تحديدا، ليس هذه السنة بل منذ 2011 التي عرفت بروز ظاهرة الإسلام السياسي الإخواني، في أكثر من حالة عربية، دون الجزائر. بعد النجاحات التي حققها إخوان تونس ومصر وحتى المغرب. استثناء جزائري إخواني لا يريد مقري أن يتكرر معه بعد حراك 2019. وهو على رأس حركة مجتمع السلم، خاصة أن الرجل مقتنع أنه الحزب السياسي الوحيد، الذي فلت من السقوط الحر، كما حصل لأحزاب الموالاة، بعد أن نجح في النزول من قارب بوتفليقة في الوقت المناسب 2012. والوصول الى قيادة الحركة بعد تنافس كبير مع قيادات حزبية موالية للسلطة بشكل مفضوح، مازالت حاضرة داخل مؤسسات الحركة، تنتظر فرصتها للانقضاض على الرجل في اول هفوة له. قد تتوفر بمناسبة أي استحقاق انتخابي، أو سياسي مهم في هذا الجو السياسي المضطرب.
مقابل حالة صحية جيدة يتمتع بها الحزب، لوح بها الرجل أكثر من مرة، وهو يستعرضها في الجزائر والخارج، في وقت تعيش فيه قيادة الحركة الإخوانية العالمية الكثير من الاضطراب، بعد فشل التجربة المصرية، التي جعلت مقري وزملاءه في الحزب، يتوجهون شرقا نحو تجارب أكثر بريقا في القارة الاسيوية تركيا – ماليزيا، يمكن أن تستفيد منها المدرسة الإخوانية في الجزائر، رغم اختلاف الشروط الاجتماعية والثقافية والتاريخ السياسي. باختصار مقري مقتنع أنه أمام فرصة تاريخية لن تتكرر إذا ضاعت، لابد من اقتناصها، ستفتح أبواب السلطة المُوصدة، أما حركة مجتمع السلم التي لا ينافسها في الوصول إليها، إلا هذه القوى العلمانية المتطرفة، المسيطرة على الكثير من مقاليد السلطة المالية والسياسية والإعلامية، التي راكمتها في مدينة الجزائر القريبة، والتي تريد أن تسيطر على حراكه القوي والرمزي داخلها، في حي ديدوش مراد تحديدا.
حراك لم يتمكن التيار الإسلامي بمختلف مدارسه من تسجيل حضور قوي ومتميز داخله، بما فيها حركة مجتمع السلم، التي لا تشارك فيه إلا بشكل محدود، لم يستطع التأثير فيه، ومن باب أولى توجيهه، كما هو حاصل لكل الأحزاب السياسية الأخرى بمختلف توجهاتها الفكرية والسياسية، لما يميز الحراك من مدّ شعبي قوي يتجاوز الظاهرة الحزبية الضعيفة أصلا في الحالة الجزائرية. حركة مجتمع السلم (حمس) التي كانت ومازالت في أكثر من خطاب حول الحراك وحول انطلاقته الأولى، وتبنيه لاحقا، يتراوح بين القول بأنها كانت من المنادين به، وآخر يرفض ذلك ويتخوف من الخروج إلى الشارع، عكس ما فعل التيار الإسلامي الجذري في بداية التسعينيات، ودفع ثمنه غاليا. «خطاب مزدوج» اشتهرت به المدرسة الإخوانية في الجزائر والمنطقة العربية، جعلها محل شك وريبة من القوى الشعبية التي لم تستطع الانغراس بين صفوفها، كما بينه الكثير من المحطات السياسية، التي عاشتها هذه الحركة السياسية، والتي عرفت الكثير من الانشقاق والتنافس بين قياداتها المتشابهة سوسيولوجيا، ديموغرافيا وفكريا .هي ابنة الفئات الوسطى والمدن الصغيرة والمتوسطة الداخلية، التي تريد مقايضة شهاداتها العلمية، بمواقع سياسية داخل مؤسسات النظام السياسي، كخيار وحيد أمامها، لا تنافسها في التقرب منه، إلا هذه القوى العلمانية المتطرفة، صاحبة الحظوة، كما جاء على لسان رئيس الحركة.
التنافس الذي عبر عن نفسه من داخل الحركة نفسها بواسطة الانشقاقات، التي يمكن ان توظفها السلطة الفعلية لإضعاف كل التيار الإسلامي الإخواني، الذي فشل في إنتاج وجوه سياسية وطنية تحظى بالشرعية والقبول بين أبناء التيار، داخل الأحزاب وخارجها. كما ظهر جليا في المحطة الأخيرة للانتخابات الرئاسية التي دخلها بن قرينة المعروف بقربه الكبير من مراكز السلطة. ليبقى التنافس الأكبر مع الحراك وفعالياته التي فشلت كل القوى الحزبية في التقرب منها، ومن باب أولى السيطرة عليها لمدة أكثر من سنة من عمره، تحول مع الوقت إلى الفاعل السياسي المركزي، يتخوف منه الكل ويطلب وده الجميع، رغم كل محاولات الاختراق من السلطة والأحزاب التي تتهم بعضها بعضا بمحاولة ركوب الحراك العصي على الجميع حتى الآن.

 

القدس العربي اللندنية  

شوهد المقال 623 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ ميلاد

خديجة الجمعة  واقترب ميلادي فما هي إلا أيام تفصلني عنه. أحببت عيد ميلادي، لأنه ليس فقط عيد ميلاد يغنى به . لا بل وبالصدفة البحتة .
image

الذكرى السنوية الأولى لرحيل الدكتور الشيخ عشراتي

الوطن الثقافي   منذ سنة بالضبط خسرت البيض ركنا من أركانها، وارتاح الكثير من الجبناء لرحيل قلم أزعجهم كثيرا، لمس الراحل كل النقاط بكل شجاعة، ولم يخش
image

أحمد سليمان العمري ـ كورونا المتحوّر: هل اللقاح فعّال ضد الطفرة الجديدة؟

د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف  يُعتبر عيد الميلاد هذا العام في بريطانيا هو الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية. قبل أيام من نهاية الفترة الانتقالية لخروج الأخيرة
image

وجيدة حافي ـ ما ذنب الحُكومة إذا لم يتحرك الملك والرئيس

وجيدة حافي كل الشعوب العربية تُطالب بإسقاط حُكوماتها وتغيير وزرائها عند أي زلة أو خطأ بسبب فشلهم في تحقيق التنمية
image

عفاف الصادق ترشة ـ هالة عبسي وتغيير نظرة المرأة السوفية للرياضة

عفاف الصادق ترشة    المتتبع للتغيرات الإجتماعية الحاصلة خلال السنوات الأخيرة في الجنوب الجزائري وفي ولاية الوادي تحديداً ، تأثيراً ملموساً على نظرة المجتمع السوفي الصحراوي "
image

رشيد زياني شريف ـ سخرية الأقدار؟ بل "كلُ نفسٍ بما كسبتْ رهينةٌ"

د. رشيد زياني شريف  يوم 16 يناير 2020، يصادف الذكرى 29 لعودة بوضياف من منفاه، على رأس المجلس الأعلى للدولةHCE بعد انقلاب 11 يناير 1992،
image

مريم الشكيلية ـ وجوه متشابهة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان  يا سيدي....الحزن توأم الشتاء وبملامح خريفية......عندما يغزوك الحزن تنكمش مشاعرك ويتقلص فرحك...كذا الشتاء يجعلك متشبثا" بدفئ سترتك ويديك متشابكة وكأنها تشعل
image

.شكري الهزَّيل ـ ذباب الاستبداد والفساد!!

د.شكري الهزَّيل تبدو الأمور أحيانا كثيرة خارج النص واحيانا بكامل نصها وأخرى بلا نص ولا معنى ولا فحوى عبر ازمان تزمَّنت زمانها وأماكن تمكَّنت مكانها
image

عفاف الصادق ترشة ـ منصات التواصل الإجتماعي مكان للصراعات الثقافية الإفتراضية

عفاف الصادق ترشة   مع بروز ما سمي بمنصات التواصل الاجتماعي إكتسح مفهوم الثورة السلوكية لرواده والذي عكس الغطاء الخارجي لثقافة ومجموعة التوجهات الفردية المنحازة بواقع الثقافة
image

وليد عبد الحي ـ المقاومة الفلسطينية والجهة الخامسة خلال السنوات الاربع القادمة

أ.د.وليد عبد الحي تتعامل الدراسات المستقبلية مع متغير تسميه المتغير " قليل الاحتمال عظيم التأثير"(Low Probability-High Impact ) ،أي المتغير الذي يكون احتمال حدوثه محدودا لكن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats