الرئيسية | من الصحافة | عثمان لحياني ـ الجزائر... الفقر يصافح صانعه

عثمان لحياني ـ الجزائر... الفقر يصافح صانعه

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عثمان لحياني 

 يحدث أن يلتقي الفقر بصانعه في قصر المؤتمرات في العاصمة الجزائرية، فعلى شاشة كبيرة شاهد الرئيس عبد المجيد تبون والوزراء في الحكومة ومحافظو الولايات ورؤساء المقاطعات خلال مؤتمر ضمهم جميعاً، تقريراً مؤلماً يصوّر مناطق الفقر ومشاهد بؤس لا تحتمل في الجزائر النفطية، فوصفها تبون بأنها لجزائريين يعيشون في "ظروف تشبه ما قبل الاستقلال (عن فرنسا عام 1962)".

الفكرة من هذا العرض هي وضع صنّاع الفقر من المسؤولين الحكوميين أمام ما فعلوه، وملامسة نتائج سوء التدبير وإخفاق السياسات المتلاحقة، وهو إقرار صارخ من الدولة بوجود "جزائريين لم يحصلوا بعد على الاستقلال ولم يمسسهم من نعمته شيء، وُلدوا في جغرافيا النسيان وظلوا في طيه". لكن ثمة سؤالاً مطروحاً: هل فعلاً كان هؤلاء المسؤولون بحاجة إلى تقرير تلفزيوني حول الفقر ومظاهره القبيحة كي يصابوا بالدهشة، وهم من صنّاع هذا الفقر بسبب سوء تسييرهم للشأن العام؟

لم يفهم الجزائريون بكاء رئيس الحكومة وتأثر وزراء وولاة بما تضمنه التقرير، رغم أن القنوات المحلية، ناهيك عن الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، تنقل يومياً صوراً ومشاهد فقر وبؤس وحرمان وأطفال يقطعون مسافات للوصول إلى المدرسة، وعائلات ما زالت تجلب الماء على الدواب من بعيد. ليس ثمة سوى تفسير واحد هو أن هؤلاء المسؤولين الحكوميين (جميعهم يعملون منذ عقود في الدولة) لم يعتادوا فتح أعينهم على هذا الواقع القبيح بل يطربهم المديح وقصائد التملق.

في الحقيقة إن هذه المشاهد، وبغضّ النظر عن كونها مسيئة لصورة الجزائر كدولة متمتعة بكل المقدرات التي تسمح بعيش الجزائريين حياة كريمة، خصوصاً أنها أنفقت 980 مليار دولار في عقدين، إلا أنها نتيجة منطقية لواقع وجود الشعب في واد والحكومة في واد.

ثمة سؤال آخر: صنّاع الفقر في الجزائر من المسؤولين الحكوميين كحكام الولايات والمقاطعات الحاضرين في القاعة والمستمرين في مناصبهم، هل يمكن أن يكونوا أيضاً صنّاع حلول للفقر والمشكلات الاجتماعية، أم أن المشكلة ليست في الموظفين بقدر ما هي متعلقة بسياسة الدولة التي لا تضمن توزيعاً عادلاً للثروات والعدالة الاجتماعية، واستمرار هيمنة سياسات إعادة تدوير المشاكل وتجزئة الحلول على جرعات منذ الاستقلال.

سمع الجزائريون من تبون، وهو في بداية ولايته الرئاسية، خطاباً حاداً بشأن ضرورة تغيير هذه المشاهد البائسة في المدن والبلدات، وتشديداً على المسؤولين ومهلة سنة لإنهاء ذلك. الحكم على النوايا ليس عدلاً، لكن إلى أن يصدق ما يثبت ذلك، يحق التحفظ لأن ذاكرة الجزائريين تحتفظ أيضاً لبوتفليقة في بداية عهدته حديثه عن "العزة والكرامة" وإخراج الجزائريين من حالة الفقر، ناهيك عن أن التغيير لا يصنعه إلا أهل التغيير الحاملين لأفق سياسي متجدد ومسار تنمية جديد، ولأجل ذلك كان حراك فبراير/ شباط 2019.

العربي الجديد  

شوهد المقال 192 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فوزي سعد الله ـ من قلب الوباء...نتذكَّر عظماء العشَّابين المسلمين في الأندلس والأطباء

فوزي سعد الله   لم تتوفر عند أهل الأندلس شركات متعددة الجنسيات لإنتاج الدواء واحتكاره بدافع الجشع لتعظيم الأرباح.كانت الأندلس تتداوى ذاتيًا بمختلف الأعشاب والفواكه وما نفع
image

محمد هناد ـ تبرعات المسؤولين السامين في الجزائر

 د. محمد هناد  طبعا، من حق سلطات البلد أن تطلب من السكان الإسهام، ماليا، في مواجهة الوباء الحالي. لكن المثل الذي جاءنا من الرسميين (عسكريين
image

وليد عبد الحي ـ أولوية السيناريو الأسوأ في مواجهة " كورونا"

 أ.د. وليد عبد الحي  في مقال سابق هنا : عن السيناريو الأسوأ يتعزز بهدوء .. السيناريو الاسوأ يتعزز بهدوء وليد عبد الحي عند المقارنة بين نسب الاصابة
image

عثمان لحياني ـ نحن الأفارقة.. وفرنسا العريانة

 عثمان لحياني  هل كان على الجزائريين والأفارقة انتظار أزمة كورونا وتصريحات أطباء فرنسيين بشأن اجراء تجارب لقاح مضاد لفيروس كورونا أولا على الأفارقة
image

وفاة الأديب العماني مبارك العامري ..رحمه الله

الموت هو مرحلة الواقع الوحيد الذي لايتغير في هذه الحياةوهو يوم موالي لما بعده...لكن من أثره باقي وفعله قائم "لايموت"مرهق ومؤلم جداً هذا الخبر ومع
image

رضوان بوجمعة ـ ذهب بوتفليقة و بقي النظام الذي فرضه...

د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 174   يمر اليوم عام كامل على تنحي عيد العزيز بوتفليقة من رئاسة الجزائر بعد 20سنة من ممارسة الحكم،
image

عثمان لحياني ـ مراجعات الضرورة ..الصحافة والثرثرة

عثمان لحياني  وجدت نفسي أسأل مجرد سؤال ، كم حظي بونجمة وولد عباس مثلا من مقابلة في القنوات والصحف وبكم حظي عالم النازا نور الدين
image

العربي فرحاتي ـ في هذه الذكرى ..كم كنا سنكون سعداء ؟؟

د. العربي فرحاتي   نحن اليوم على مسافة سنة كاملة من فرض تطبيق المادة ١٠٢ من الدستور على الشعب والالتفاف على مشروع الحراك وتحريفه عن
image

عثمان لحياني ـ من ثقب ابرة .. بوتفليقة

 عثمان لحياني اختار بوتفليقة لنفسه هذه النهاية غير موفقة سياسيا برغم تاريخ حافل ، بعدما أرسى على مدار 20 سنة تقاليد حكم هي خليط سياسي
image

السعدي ناصر الدين ـ فكرت..ترددت..ثم قررت ان أقول : المحاكمات الجائرة للأحرار

 السعدي ناصر الدين  كانت الجمعة 56 المصادفة لـ13مارس2020 فرصة كبيرة لتوسيع وتعميق النقاش الذي بدأ في اوساط الثورة السلمية قبل ايام لوقف المسيرات من اجل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats