الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ الجزائر: هل سيحكمها الستيني أخيرا؟

ناصر جابي ـ الجزائر: هل سيحكمها الستيني أخيرا؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د . ناصر جابي 

 كنت دائما مقتنعا بأهمية القراءة الجيلية ـ الديمغرافية للحياة السياسية في الجزائر. لما تملكه من قوة تفسير تاريخي. عندما يتعلق الأمر بمحطات سياسية مفصلية تحديدا، كما حصل أثناء الحركة الوطنية، قُبيل اندلاع حرب التحرير، التي تم فيها إبعاد جيل الحركة الوطنية السياسي، الذي يمثله مصالي الحاج، لصالح ممثلي جيل أصغر في السن، الذي أعلن الثورة المسلحة لاحقا – من ممثليه بوضياف وكريم – بعد القيام بانقلاب على الجيل السياسي المؤسس. الجيل نفسه الذي تم الانقلاب عليه، بدوره بُعيد الاستقلال من قبل جيل أصغر في السن، يمثله أحسن تمثيل بومدين والمجموعة العسكرية التي استولى على الحكم باسمها، بعد الاستقلال.

 

قراءة جيليه جعلتني أهتم بالموضوع، لأقارن الحالة الجزائرية مع حالات بدت لي متشابهة ـ عكس ما يظهر للوهلة الأولى – من المنظار الجيلي إذا ربطناه بعملية الانتقال السياسي داخل أنظمة سياسية مغلقة، أو شبه مغلقة، كما كان حال التجربة السوفييتية في السنوات الأخيرة من عمرها وهي تترنح، أو الحالة السعودية وهي تعيش مرحلة الاختفاء البيولوجي لأبناء الملك المؤسس عبد العزيز في وقت واحد، قٌبيل ظهور جيل الأحفاد، الذي وجد صعوبات كبيرة في فرض شرعيته. كما هو واضح مع الأزمات التي تسبب فيها صعود ابن سلمان على حساب ابن عمه محمد بن نايف، الموعود قبله، بوراثة العرش.
أجيال سياسية عمًرت طويلا على رأس السلطة، كما هو الحال التجربة الجزائرية، التي أصبح ينظر فيها إلى صاحب الستين حولا كشاب صغير السن عليه انتظار دوره عقودا أخرى، حتى يحق له «تسلم المشعل»، كما هو حاصل هذه الأيام جزئيا على الأقل. الستيني في الحالة الجزائرية، الذي يتميز بخصوصيات على أكثر من صعيد منها، أنه جيل مختلط ـ نساء ورجالا ـ عكس ما كان حاصلا مع الجيل الأكبر، فالستيني في الجزائر هو مرحلة ثورة التحرير، والسنوات الأولى للاستقلال، بما تعنيه من استفادة من تعليم وتأهيل وعقائد سياسية، تميزت بحضور قوي لليسار في الغالب، ناهيك عما يحمله من تجربة سياسية وخبرة في التسيير، حولته في الكثير من الأحيان إلى «كاتب» لدى صاحب القرار، احتل فيها المواقع الخلفية وراء العسكري والسياسي. أدوار، أثرت سلبا على صورته شعبيا، ومنحته قوة حضور كبيرة للغاية، لا يغادر مواقعه إلا للعودة إليها كل مرة، كطائر العنقاء، ما يثير حفيظة منافسيه من القوى السياسية الدينية والمحافظة، التي لا تفهم سر ديمومته هذه، هي التي لم تنجح حتى الآن في إنتاج من ينافسه لأسباب كثيرة.

 

ظاهرة الستيني لا ترتبط بالفضاء السياسي فقط، بل داخل المؤسسة العسكرية، نتيجة سيطرة جيل ثورة التحرير على مقاليد الأمور

 

الستيني الت\ذي وصلت وجوه ممثلة له كجيل هذه الأيام للسلطة، في وقت تعيش فيه الجزائر مرحلة انتقالية غير معلنة، سيكون دوره محدودا للغاية، ليس لعامل السن فقط ولكن نتيجة عامل الاضطراب، الذي وصل فيه إلى نوع من «السلطة»، كما تعود على ذلك كل مرة. هو الذي يشكو من ضعف كبير في شرعيته، إذا استثنينا ما يتمتع به من شرعية التأهيل والشهادة الجامعية. داخل نظام سياسي يرفض فيه الجيل الأكبر في السن، والحاكم الفعلي على زمام الأمور، تنظيم عملية رحيله من السلطة، والتفاوض حولها مع المجتمع، الذي يطالبه بذلك عن طريق الحراك، تاركا أمر تنظيمها- مكرها – إلى البيولوجيا.
بدون أن ننسى الضغط الذي تقوم به الأجيال الأصغر سنا من الشباب، التي تمثل أغلبية المجتمع، خاصة بعد دخولها إلى معمعان الحياة السياسية بقوة، بعد انطلاق الحراك. الشباب الذي يملك نظرة سلبية لهذا الجيل قد لا تضاهي ما يكنه من رفض للجيل الأكبر الحاكم، لكنها موجودة وحاضرة بين الشباب، الذي يريد أخذ فرصته السياسية، مازال لا يفهم كيف تحول هذا الستيني إلى ممثل لجيل الشباب، في الجزائر الشابة التي يحكمها الثمانيني والسبعيني. حالة عبرت عن نفسها في أكثر من مناسبة، وصلت إلى حد اقتراح أحد الأحزاب السياسية الحاضرة على مستوى الساحة السياسية – التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية – أن يمنع كل من تجاوز الستين سنة، من تولي أي منصب سياسي، خلال هذه المرحلة التي دشنها الحراك الشعبي. حراك طرح بحدة مسألة الجيل وكيف تحكم الشيوخ سياسيا في مجتمع شباب، وصلت إلى حد ترشح رئيس كبير في السن، مُقعد، لا يستطيع الكلام لسنوات إلى الرئاسة للمرة الخامسة، بدون انقطاع لتكون بذلك القطرة التي أفاضت الكأس.
الستيني الذي يستطيع، رغم كل هذا، أن يقوم بدور انتقالي كجيل، إذا عرف كيف يتخلص من «ثقافة الكاتب» التي سيطرت عليه وربط علاقات مع الأجيال الأصغر سنا، التي لا تكون فقط أغلبية المجتمع، لكنها تحولت إلى الفاعل السياسي المركزي بعد اندلاع الحراك. رغم أنه لا يملك أدوات كثيرة بين يديه لإنجاز هذا الدور، كالحزب السياسي أو الجمعية والنقابة، ضعيفة الحضور في الحالة الجزائرية، اذا افترضنا طبعا انه يريد الاضطلاع بهذا الدور التاريخي. علما بأن ظاهرة الستيني لا ترتبط بالفضاء السياسي فقط، فهي حاضرة كذلك داخل المؤسسة العسكرية، التي تعيش الإشكال الجيلي نفسه، نتيجة سيطرة جيل ثورة التحرير على مقاليد الأمور، بكل ما ميزها عقائديا وسياسيا وضعف تأهيل علمي، مقارنة بالأجيال الصغيرة في السن المؤهلة، التي يمكن أن يكون دورها أكبر من الفئات السياسية، إذا عرفت كيف تقود عملية الانتقال الجيلي داخل هذه المؤسسة المركزية المتميزة بهرميتها الكبيرة والصارمة، التي يمكن أن تعطل هذه العملية مؤقتا على الأقل. جيل يملك رغم هذا شروط مسايرة توجيه هذه المؤسسة إلى احترافية أكيدة، كأرضيه موضوعية للانتقال إلى الاكتفاء بأدوارها الدستورية، والابتعاد عن الأدوار السياسية التي قام بها الجيل الأكبر سنا – اختفى عمليا من المشهد – صاحب شرعية المشاركة في ثورة التحرير.
مقارنة بسيطة بين أبناء الجيل الستيني السياسي والعسكري، تبين لنا كيف أن المدني أكثر نزعة نحو الممارسة السياسة، كنقاشات وصراعات أيديولوجية على الأقل، مارسها في السرية وداخل أحزاب السلطة، عكس الستيني العسكري الذي لم تتم تنشئته على الأدوار السياسية التي احتكرها الجيل الكبير في السن، باسم الشرعية التاريخية ، ما قد يكون عاملا مساعدا على إبعاد المؤسسة العسكرية عن أدوارها السياسية العلنية والمستترة، التي تعودت على القيام بها، إذا وصل هذا الستيني العسكري إلى مركز القرار، على رأس هذه المؤسسة المركزية، ليقترن ذلك بنجاح الحراك الشعبي كلحظة تاريخية – جيلية تسمح للجيل الستيني بإنجاز دور تاريخي نوعي لم يستطع القيام به حتى الآن.

 

القدس العربي اللندنية  

شوهد المقال 314 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats