الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ محامون من ذهب في الجزائر

ناصر جابي ـ محامون من ذهب في الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 يخطأ من يحاسب الحراك الشعبي في الجزائر على المستوى السياسي فقط، وهو يقوم بجرد لما حقق وهو القليل، وما لم يحقق حتى الآن وهو الأكثر الذي ينتظر. منطق حساب سيبقى قاصرا، إذا لم نوسع مجال الجرد إلى ما تحقق فعلا ومنذ الشهور الأولى للحراك، على مستوى السلوكيات الفردية الجماعية للجزائريين، الذين عبروا عن نزعة قوية للتغيير، بل تغيروا فعلا كأفراد وجماعات. نسجوا خلالها علاقات تجاوزت المهنة والموقع الاجتماعي والجغرافي، دخل نظام سياسي كان يفضل على الدوام «المواطن» الأناني، الذي لا يهتم إلا بما يعنيه، حتى إن كان محاميا مهمته اليومية الدفاع عن الناس.

 

يمكن عد التغيير الذي مسّ الكثير من الفئات المهنية، كالمحامين والقضاة وحتى الصحافيين جزئيا، وأساتذة الجامعات على قلته، من مكاسب هذا الحراك، غير قابلة للكتمان، وهي حاضرة وحاضرة بقوة في يوميات الجزائريين. على غرار المحامين، ومهنتهم من المهن الحرة الأولى التي عبرت عن وقوفها مع مطالب الشعب قبل القضاة بفترة طويلة، رغم ما قام به القضاة من احتجاجات وخروج للشارع في مسيرات، هم الذين كانوا ومازالوا الى حد كبير يحسبون على قطاع العدالة كبيروقراطية دولة ونظام سياسي قبل كل شيء.
المواقف المشرفة للمحامين في الدفاع عن مناضلي الحراك الشعبي، في كل ربوع البلد، انطلق مباشرة بعد الاعتقالات الأولى التي مست عشرات الشباب في الأسبوعين الأولين للحراك، في شهر مارس2019. نتيجة الاحتكاكات الأولى مع قوات الأمن، كانت تحصل عادة، إما في بداية المسيرات، أو في أواخرها، عندما يقل عدد المتظاهرين. وهي الاعتقالات التي مست شباب العاصمة في البداية، قبل ان تتوسع إلى باقي المدن الأخرى، لما مثلته مسيرات العاصمة من قيمة سياسية رمزية. اعتقالات توسعت، بعد افتعال أزمة الراية الأمازيغية، التي استعملت كعملية تحرش واختراق للحراك الشعبي، ضمن حرب هوياتية أفشلها الشعب الجزائري. اعتقالات تعسفية شملت عدة مدن، ومست الشباب والشابات في العاصمة والكثير من المدن الداخلية، التي تبنى شبابها الراية الأمازيغية، منذ بداية ظهورها كراية توحد ولا تفرق الجزائريين، لم يتعاملوا معها كراية منافسة للراية الوطنية، كما صورها الخطاب السياسي الرسمي المتشنج ذلك.

 

المواقف المشرفة للمحامين في الدفاع عن مناضلي الحراك الشعبي انطلقت مباشرة بعد الاعتقالات الأولى التي مست عشرات الشباب

 

اتساع دائرة الاعتقالات، التي شملت وجوها سياسية وتاريخية معروفة، فرض تحديات جديدة على هيئة الدفاع، التي التحق بها الكثير من المحامين من مختلف مناطق البلاد من الجنسين. ليس نتيجة فقط لاتساع رقعة التدخل، بل كذلك لخطورة الاتهامات التي توسعت لتطال هذه الوجوه التاريخية، على غرار تهمة تهديد الوحدة الوطنية، والمس بمعنويات المؤسسات، وغيرها من التهم الخطيرة. توسع في هيئة الدفاع عبّر عن روح هذه الوثبة المهنية، التي بادر بها محامو الجزائر لأول مرة في تاريخ المهنة، بهذا الشكل الواسع والعفوي، ما يكون قد ساعد على تحسن العلاقة بين المواطن وقطاع العدالة ككل، الذي شوهته ممارسات النظام السياسي لعقود في عين المواطن، الذي يكتوي يوميا بنار ممارساته داخل قصر العدالة ،عندما يفرض عليه حظه العاثر التوجه مكرها نحوها.
لن تفيدنا الدراسات العلمية الغائبة، في فهم هذه التحولات، التي يعيشها عالم المحاماة في الجزائر، الذي عرف توسعا كبيرا في أعداد الملتحقين بالمهنة، بعد التوسع الهائل في انتشار التعليم وفروع الحقوق تحديدا، التي عادة ما تفتح كأول فروع في أول جامعة جديدة. توسع يكون قد ساهم في منح طابع شعبي لهذه المهنة، التي لم يكن الانضمام لها ميسرا دائما في السنوات الأولى للاستقلال، بسبب قلة الإطارات أساسا، حافظت اثناءها، ولغاية السنوات الأخيرة، على ما تركته التجربة الفرنسية بنخبويتها المعروفة وطابعها المغلق. مهنة عرفت لاحقا توسعا ديموغرافيا كبيرا، يكون قد أثر سلبا على أدائها، وحتى على صورتها التي شوهها ما لحق بها من ممارسات، في مجتمع بدأت تغيب فيه مقاييس الانتقاء، ليس في المحاماة كمهنة فقط، بل في كل المهن النخبوية المشابهة، وهو ما حتّم على نقابات المحامين الوطنية والمحلية الاضطلاع ببعض أدوار الدفاع عن مهنتهم، ومحاولة تسييج الانضمام إليها بشروط قابلة للتطبيق على أرض الواقع، داخل فضاء مهني لم تترسخ داخله سلوكيات «طبقية»، ولم يعرف فرزا لارستقراطية مهنية، على غرار ما هو حاصل في بعض التجارب الدولية والعربية المعروفة.
التوسع الديموغرافي الذي ارتبط بالتأنيث والتشبيب، الذي عرفته المهنة، قد يكون عامل تفسير للحيوية الكبيرة التي رافق بها المحامون الحراك الشعبي، ليس بتبني مطالبه كفئة مهنية فقط، بل بالقيام بالدور المطلوب منهم كمهنة تبقى مهمتها الأساسية الدفاع عن ضحايا التعسف، الذي طال شباب الحراك والوجوه السياسية المعروفة، لنكون هنا امام دور قام به النظام السياسي في هذا التجنيد للمحامين بدون قصد منه. فالشطط الذي ميًز الاتهامات كتهمة تهديد الوحدة الوطنية، لمن رفع الراية الأمازيغية، التي تم توجيهها للشباب وخروجها عن المعقول، يفسر هذا التجنيد القوي للمحامين، الذين لم تترك لهم أي فرصة في العودة إلى الوراء، حتى إن أرادوا ذلك فعلا. في مواجهة نظام سياسي ومؤسسة قضائية تابعة له، لم يفهم إن ما كان مقبولا ومتاحا أمامه قبل 22 فبراير، لم يعد مقبولا بعده. وهو ما جعل المحامون يتجاوزون أدوارهم التقليدية المتمثلة في الدفاع القانوني، نحو أدوار سياسية، عبّر عنها الكثير منهم بالخروج كمواطنين وحقوقيين في مسيرات مع أفراد عائلات المساجين الشباب، وبعض الوجوه السياسية. زيادة على الأدوار الإنسانية المرهفة في المواساة والمؤازرة والدعم النفسي للشباب المسجون، الذي عاش تجربة الحبس لأول مرة في حياته.
تجربة مهنية سمحت لبعض المحامين، بالتحول الى وجوه معروفة، ليس داخل المهنة فقط وبين الأقران والزملاء، على المستوى الوطني وحتى الدولي بالنسبة للبعض، بل اجتماعيا كذلك لدى عموم الجزائريين، الذين أصبحوا اكثر افتخارا بهم كجزء من نخبة مهنية وسياسية جديدة، ولدت من رحم هذه التحولات التي عاشها ولا يزال المجتمع الجزائري. سمحت لها لحظة الحراك بالبروز على السطح، لتسطع كالذهب في سماء الجزائر الجديدة.

 

القدس العربي اللندنية 

 

شوهد المقال 516 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats