الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ لماذا لن أشارك في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

ناصر جابي ـ لماذا لن أشارك في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. ناصر جابي 
 
 
لن أكون الوحيد الذي لن يشارك في هذه الانتخابات ـ اللغم التي دعت إليها السلطة في الجزائر. الكثير جدا من الجزائريين والجزائريات، لن يشاركوا فيها مثلي، هم الذين يخرجون بالملايين للتنديد بشروط إجرائها، طول أيام الأسبوع، بأشكال متعددة، في كل ولايات الوطن، منذ الإعلان عن تحديد تاريخها. مواطنون قالوا لا لهذه الانتخابات التي يتوجسون منها كل الشرور، بما فيها إعادة إنتاج النظام السياسي القديم، المرفوض شعبيا.
بوادر رفض، تحققت فعلا على أرض الواقع، بمجرد انطلاق اقتراع المهاجرين، في أول أيام هذا الأسبوع، الذي يسبق انطلاق الاقتراع على التراب الوطني المقرر يوم 12/12 /2019. فقد رفض المهاجرون الجزائريون، هذه المرة القيام بالأدوار التي تعوّد النظام على منحهم إياها. الترويج للانتخابات في أيامها الأولى عن طريق الصور التي يبثها التلفزيون العمومي لقوافل العمال الجزائريين المتقاعدين، الذين يدلون بأصواتهم وهم يبكون خوفا على مصير البلد، تحت زغاريد نسائهم. مستغلا في ذلك إحساسهم أكثر من غيرهم، بهشاشة وضعيتهم كجيل أول للهجرة، انقرض بيولوجيا تقريبا، لن يكون حاضرا بالتأكيد للتصويت في هذه الانتخابات، التي تعوّد تاريخيا على المشاركة فيها بقوة، كجزء من عقيدة وطنية قبل كل شيء، كما تخبرنا سوسيولوجيا الانتخابات الجزائرية بذلك.
صور لم تكن حاضرة هذه المرة، في اليوم الأول للاقتراع، لتظهر بدلا عنها الوقفات الاحتجاجية المنظمة من قبل جزائريي المهجر، ضد هذه الانتخابات. مهاجرون تغيروا من كل النواحي، ليس ديموغرافيا فقط، بل وفي مستوياتهم التعليمية، ونظرتهم لأنفسهم وللعالم، وفي العلاقة التي يقيمونها مع بلد المهجر وبلد الأصل، والعقيدة الوطنية ذاتها التي تكونت نواتها الأولى، بين جزائريي المهجر بالذات بداية من عشرينييات القرن الماضي. كالعادة النظام كان الوحيد الذي لم يفهم كل هذه التحولات. كما تعوّد ألا يفهم ما حصل ويحصل من تحولات داخل المجتمع الجزائري ككل. وهو ما يفسر استمراره في مواقف الإنكار الذي يلازمه منذ انطلاق الحراك الشعبي في 22 فبراير/شباط 2019.
حالة إنكار هي التي تفسر لماذا ستحاول السلطة القيام بتمرير مشروع هذه الانتخابات ضد إرادة الأغلبية الساحقة من الجزائريين، تحت الإكراه، كما تفعل منذ شهور، بعد أن أغلقت أبواب الحوار والإعلام العمومي أمام كل رأي مخالف. وضع فرض على قوى اجتماعية وسياسية مكرهة، اللجوء إلى التهديد بحركات احتجاجية مبتكرة وجديدة كالأضراب العام، الذي بدأ في إيجاد مناصرين له، عكس ما كان حاصلا منذ شهور عندما ظهرت بوادر التلويح به، ليس في منطقة القبائل فقط التي تملك شروط القيام به، بل في الكثير من مناطق البلاد الأخرى، التي قد لا تتوفر موضوعيا على شروط إنجازه بنجاح، إذا استثنينا بعض المدن الكبرى التي تتوفر على شرط التأطير السياسي والجمعوي في حدها الأدنى.

 

ليبقى التحدي الأكبر هو ما سيحصل على الأرض، قُبيل الاقتراع في الجزائر ذاتها وهي تعيش حالة تشنج، المتسبب فيها، النظام السياسي نفسه

 

تطورات تثير قلق الكثير من الجزائريين، الذين يتخوفون على مسار حراكهم السلمي الذي يعتبرونه من شروط نجاحهم الأساسية حتى الآن. سلمية يمكن أن تتعرض إلى تحديات هذا الأسبوع، جراء تسارع الأحداث، قبيل هذه الانتخابات الملغمة التي تريد السلطة فرضها تحت طائلة الابتزاز. مستغلة في ذلك الفرصة الممنوحة لها من قبل البرلمان الأوروبي للتجييش، ضد فرضية التدخل الأجنبي، بعد مصادقته على لائحته، التي اتخذ فيها مواقف معهودة من الاعتقالات والحريات السياسية والدينية، في الكثير من الدول وليس الجزائر فقط.
لم يكتف النظام السياسي بهذا الاستعداء الخارجي، بل زاد عليه بمحاولة خلق حالة تشنج داخلي وهو يستدعي الأزمات الداخلية المعروفة، وهو يكتشف فجأة أن حركة الماك الانفصالية، في منطقة القبائل، تريد أن تخترق الحراك عن طريق طالب ـ نعم طالب واحد- بعد أن نسي الجزائريون منذ سنوات هذه الحركة ورموزها التي فشلت في تمرير خطابها ومشاريعها، التي بقيت في حالة عزلة كبيرة، بين الجزائريين منذ نشأتها.
لم يكتف النظام بخلق حالة الاستعداء الخارجي والتشنج الداخلي، فأضاف لهما كعربون مصداقية إضافي محاكمة لبعض رموز الفساد في الأسبوع الأخير للحملة الانتخابية، من خلال فتح ملفين – تمويل الحملة الانتخابية للرئيس المخلوع، وملف تركيب السيارات – تورطت فيهما الكثير من الوجوه التي تحسب على النظام. لعل هذه المحاكمة تجند من لايزال متحفظا حتى الآن للذهاب إلى الانتخابات، التي يعد النظام بأن تكون بداية القطيعة مع عهد بوتفليقة.
محاكمة قد تكون لها تداعيات عكسية تماما، عما كان مقررا لها رسميا، قد يختصرها هذا السؤال الذي يطرحه المواطن الجزائري بإلحاح. لماذا يحاكم فقط من جمع الأموال لحملة بوتفليقة، ولا يحاكم بوتفليقة نفسه كأول مستفيد من العملية ومقربوه بمن فيهم الأخ المستشار ووزير الداخلية ـ رئيس الوزراء الحالي الذي جمع التوقيعات الكاذبة ـ ست ملايين توقيع ـ وغيره من الأزلام الذين دافعوا عن العهدة الخامسة باستماته لآخر دقيقة، مازالوا قابعين في مواقعهم الرسمية لحد الساعة، من دون نسيان الآثار المدمرة على مستوى الرأي العام، وهو يكتشف الحجم المهول للفساد الذي نخر مؤسسات النظام ككل وليست وجوها فقط، يراد لها أن تستعمل كشماعة لحملة انتخابية، حتى لو كانت مذنبة حقا، كما بينت ذلك التحقيقات الأولية.
هذه بعض الأسباب التي تجعلني لن أشارك في هذه الانتخابات، كأغلبية الجزائريين الذين سيقاطعونها، وأنا على يقين في المقابل أن بعض الجزائريين على قلتهم سيشاركون فيها لأسباب كثيرة، قد يكون من بينها الخوف بصدق على مصير البلد، بعد أن اقتنعوا كليا أو جزئيا بالخطاب الرسمي الداعي للانتخابات، أو تأييدا للمرشحين أو غيرها من الأسباب التي تفسر مشاركتهم. جزائريين من حقهم أن يعبروا عن رأيهم بكل حرية، من دون إكراه أو عنف لفظي، من قبل من يرفض المشاركة، مهما كانت مصداقية حججهم، كما بدر للأسف في اليوم الأول من الاقتراع في المهجر، حتى لو كانت حالات محدودة ومتحكما فيها لحد الساعة.
ليبقى التحدي الأكبر هو ما سيحصل على الأرض هذه الأيام، قُبيل الاقتراع في الجزائر ذاتها وهي تعيش حالة تشنج، المتسبب فيها، النظام السياسي نفسه، الذي رفض أن يكون هذا اليوم، يوم عرس وطني، كما كنت أتمنى أنا وغيري من الجزائريين المتفائلين، نقترع فيه بقوة، على رئيس، لا يهمنا كثيرا من يكون كشخص، بقدر ما تهمنا طريقة انتخابه التي أردناها شفافة وتنافسية، تكون، بداية القطيعة مع النظام السابق، نحو جزائر جديدة، يكون فيها لصوت المواطن قيمة .

 

القدس العربي اللندنية  

شوهد المقال 464 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats