الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ القراءة السياسية المبتورة المُولدة للعنف

ناصر جابي ـ القراءة السياسية المبتورة المُولدة للعنف

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 سأنطلق من هذه الفكرة التي دافعت عنها في دراسة لي، ضمن كتاب جماعي، سيصدر بحر هذا الشهر ببيروت. العنف السياسي الكبير والأهوال التي عاشتها الجزائر، في جزء كبير منها كانت نتيجة قراءات مبتورة للواقع السياسي، قام بها طرفا النزاع في تلك الفترة. قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي لم تر من النظام السياسي الذي دخلت في صراع معه إلا مظهره المدني المتهالك، ونظامه السياسي المضطرب، ورئيسه منقوص الشرعية، وأحزابه الضعيفة ووضعيته الاقتصادية والمالية الهشة.

 

قيادة لم تر ما هو أبعد من هذه الواجهة المتهالكة للنظام السياسي، في لحظة سياسية محددة، بَنت عليها كل استراتيجيتها للاستياء على السلطة بكل الوسائل، الشرعي منها كالانتخابات، والأقل شرعية كالعنف المسلح. لم تلحظ هذه القيادة المكونة من رجال دين تقليديين بمسارهم المهني والسياسي البعيد عن مؤسسات الدولة ودواليبها، أن هناك ما هو أكثر قوة وتعقيدا من هذه الواجهة الهشة، التي ظهر بها النظام السياسي وهو يعيش حالة اضطراب قصوى.
القراءة المبتورة نفسها قام بها الطرف الرسمي خلال الفترة نفسها، الذي لم ير في الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلا ما برز للعيان من رجال قيادتها، أصحاب التكوين الديني التقليدي البسيط، لتهمل كل القوى الاجتماعية المتنوعة، التي استطاع الخطاب السياسي الديني تجنيدها، حتى بين صفوف الفئات العصرية والحضرية تحديدا، التي استهواها خطاب الجبهة وهي في حالة صعود.

 

ما زال العقل السياسي والأمني الحاكم، يعتقد أنه أمام حركة احتجاجية منظمة من قبل ناشطين سياسيين قليلي العدد، كما كان الحال في السابق

 

ما دافعت عنه في هذه الدراسة، ان هذه القراءة السياسية المبتورة التي لا تأخذ بعين الاعتبار كل تفاصيل المشهد السياسي وخباياه، من كلا الطرفين المتنازعين وهما يعيشان حالة تشنج قصوى، هي التي ولدت العنف السياسي الكبير، الذي انطلق في الجزائر، لم يتوقف لمدة عشر سنوات تقريبا. قراءة مبتورة للطرفين يجب البحث لها عن تفسير عميق، في ما يميز النخب الجزائرية بمختلف مكوناتها وعلاقاتها ببعضها بعضا ونظرتها لنفسها وللأخر، بكل ما عرف عنها من انقسامية لغوية وفكرية. في كل مراحل التاريخ السياسي ـ الاجتماعي الجزائري.
ما يحصل هذه الأيام يشبه تماما ما حصل في بداية التسعينيات، وقد ينتح لا قدر الله النتائج نفسها، فنحن أمام قراءة مبتورة للحراك الشعبي الذي تعيشه الجزائر منذ أكثر من سبعة أشهر يقوم بها صاحب القرار السياسي الذي لم يبرح مجال القراءات الأمنية والسياسية المبتورة التي تعود عليها تاريخيا. استمر، صاحب القرار الذي سيطر عليه الطرف العسكري، على حساب الواجهة المدنية التي تعود على الحديث باسمها، في تجاهل ما أفرزه هذا التجنيد الشعبي الذي عبًر عنه الحراك. فلم ير إلا بعض الناشطين الذين يمكن سجنهم، وبعض أبناء منطقة القبائل الذين يدخلون للعاصمة أسبوعيا للتشويش على سكانها الجدد من مدمني القيلولة يوم الجمعة.. باختصار تعامل صاحب القرار العسكري برؤية أمنية وسياسية محدودة، لم تفهم انها امام «شعب جديد» مختلف تماما عن الشعب الذي تعودت تسييره قبل 22 فبراير. هي التي كانت ومازالت تفضل على الدوام تسيير الجزائري الفقير، الريفي والأمي الكبير في السن. نجحت الى حد كبير في السابق بإقناعه بخطابها الوطني وتجنيده لصالح مشاريعها. عكس» الشعب» الذي عبًر عنه الحراك. بكل خصوصياته السوسيولوجية والديموغرافية. شعب صغير في السن، متعلم، من ابناء المدينة في الغالب، منفتح على العالم، يريد تغيير نظامه السياسي بشكل جذري قبل أن يتحول الى خطر داهم على البلاد والعباد. سوء فهم يولد سوء تفاهم بكل ما قد يترتب عنه من تشنج في العلاقات بل وقطيعة سياسية وحتى عاطفية عمقها أكثر العامل الجيلي بين الجزائريين وحكامهم.
سوء فهم، يمكن التأكد من حضوره بسهولة، من خلال الاستراتيجية الأمنية السائدة كتعامل مع الحراك. خلاصتها انه يكفي اعتقال بعض الوجوه، للقضاء على هذا التجنيد الشعبي الوطني الذي يعبر عنه الحراك. قراءة لا تفرق بين هذا الحراك وما يميزه نوعيا وحتى كميا عن الحركات الاحتجاجية التي عرفتها الجزائر في السابق، كانت في الغالب مقصورة، على مدن بعينها، بل حتى احياء داخلها. عادة ما تظهر وتختفي فجأة، حتى لو انتقلت الى مدن وأحياء أخرى على شكل موجات تطرح في الغالب مطالب اقتصادية واجتماعية، كان من السهل التفاوض حولها، أو ما كان يحصل في منطقة القبائل التي تعودت هذه القراءة السياسية – الأمنية على عزلها عن محيطها الوطني بعد شيطنتها.
مازال العقل السياسي والأمني الحاكم، يعتقد انه امام حركة احتجاجية منظمة من قبل ناشطين سياسيين قليلي العدد، كما كان الحال في السابق مع الحراك السياسي المحدود الذي كانت تعيشه الجزائر، يمكن ان يعتقلوا أو يتم الضغط عليهم كمجموعات صغيرة، كما حصل مع آخر تجربة احتجاج سياسي في الشارع، قامت به «حركة بركات» ضد العهدة الرابعة للرئيس المخلوع 2014 اقتصرت في الغالب على بعض الفئات المتعلمة من أبناء الفئات الوسطى الحضرية، عجزت عن توسيع قاعدتها الشعبية لتعزل وتشيطن شهرين او ثلاثة من ظهورها.
سوء فهم آخر يمكن ان ينتج سوء تفاهم أكبر، نجده هذه المرة على المستوى الشعبي، الذي يعبر عن نفسه من خلال شعارات الحراك، مبني على قراءة تاريخية قديمة نسبيا، لما ميز الدولة الوطنية ومؤسساتها المركزية (الجيش) حتى الآن. سردية وطنية تركز على الطابع الشعبي لهذه الدولة الوطنية ومؤسساتها المركزية، في نظرة تغلب عليها القراءة اللاتاريخية. قراءة تفترض ان هذه الدولة ومؤسساتها المركزية لم تعرف تغييرات لا في عقيدتها ولا في قاعدتها الاجتماعية ولا مصالح المسيطرين على مقاليدها، ولا في علاقاتها بالمواطنين. بقيت كما كانت منذ أكثر من نصف قرن، كما تُصورها الأيديولوجية الوطنية السائدة. فماذا لو اكتشف الجزائريون ان هذه القراءة لم تعد صالحة، وأن دولتهم الوطنية قد تغيرت فعلا من الداخل، في غفلة منهم وأنها تريد ان تقيم علاقات جديدة معهم، عكس القراءة السياسية المبتورة التي يقومون بها والتي قد تكلفهم غاليا هذه المرة كذلك.

 

القدس العربي 

 

شوهد المقال 302 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان ـ على أسوار ذي قار

عادل السرحان                   على أسوار ذي قار  تفرد الملائكة أجنحةً حمراء تترنم بنشيد الشهداءوأنين القيثارة السومريةيمزق الصمت ويتعالى نشيج القصب في الأهواروكلما خرِّ  ثائرٌارتفعت الزقورة سافاًالفرسان يعتلون صهوات المجد بنعوشهم
image

بوداود عمير ـ رحيل المترجم صالح علماني

بوداود عمير  أحزنني كثيرا رحيل المترجم الفلسطيني السوري صالح علماني، الذي ترجم أزيد من 100 رواية (الصورة)؛ تعتبر من روائع أدب أمريكا اللاتينية والأدب
image

العربي فرحاتي ـ حتمية فشل الانتخابات العسكرة

د. العربي فرحاتي  رغم ما قيل عن الضوء الأخضر لإجراء الانتخابات الذي تلقته السلطة غير الشرعية في الجزائر عقب اجتماعات مخابراتية يقال أنها جمعت
image

سعيد لوصيف ـ الارتباك يتأكد في "أنا" ( Le Moi ) النظام...

د. سعيد لوصيف   في عجالة : يشير تصريح "وزير" الداخلية في خضمّ صراع الإرادات و الثورة السلمية للمجتمع الجزائري أن المجتمع كان دوما يشكل
image

أحمد سعداوي ـ المحاصصة أو الديكتاتورية ..انتهازية اكراد العراق

 أحمد سعداوي    عبّرت النخبة المدنية الكردية خلال الشهرين الماضيين عن تضامنها مع الحركة الاحتجاجية الشبابية بأشكال مختلفة، بل إننا خسرنا شباباً كرداً من بين
image

زازي سعدو ـ سقوط الأقنعة ! وزير الداخلية الفاشي .. ترجمة د. محمد وافي

 د. زادي سعدو   سقوط الأقنعة !  وزير الداخلية يمثل التجسيد الكاريكاتوري لهذه البذرة الفاشية التي لا تنتظر إلا قالب العنف لتنمو وتزهر.جواب واحد:سلمية، سلمية، سلمية ،سلمية.في
image

حميد بوحبيب ـ مثقف آخر للطعن في الحراك : أحمد بن سعادة

د. حميد بوحبيب  مثقف آخر للطعن في الحراك : بعد معڨال ، يستنجد النظام بمثقف آخر هو أحمد بن سعادة صاحب كتاب :Arabesques.Enquête sur le rôle des
image

نجيب بلحيمر ـ اغتيال الدولة

نجيب بلحيمر   ترددت كثيرا في التعليق على البيان الصادر عن وزارة الخارجية ردا على اللائحة التي أصدرها البرلمان الأوروبي بخصوص الوضع في الجزائر، وقد
image

رضوان بوجمعة ـ مصالح السلطة أهم من كيان الدولة؟!

 د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 139  بدأ العد التنازلي للموعد الذي حددته السلطة للاقتراع الرئاسي، الذي ترفضه شرائح واسعة من المجتمع، وهو ما برز أمس جليا
image

محمد مصطفى حابس ـ وداعا معلم الناس الخير .. المهندس المعماري المختص بالمساجد الجزائرية يرحل وهو في سن العطاء

محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا استعدادا و تحضيرا لتأبينيه فقيدنا العزيز المهندس المعماري نذير حمودي بنادي الترقي بالعاصمة، الذي وافاه الاجل الأسبوع الماضي في مدينة تندوف،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats