الرئيسية | من الصحافة | عثمان لحياني ـ الجزائر .. عودة "الشياطين" تطرد الملائكة

عثمان لحياني ـ الجزائر .. عودة "الشياطين" تطرد الملائكة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عثمان لحياني 

 

في الجمعة الثانية من الحراك الشعبي في الجزائر شهر مارس الماضي، رفعت مجموعات من الشباب شعاراً حظي بكثير من الانتباه، وكان يعبّر بعمق عن انبعاث روح الأمل لدى الشباب الذي كان مهووساً بالهجرة والهجرة السرية إلى الخارج، يقول الشعار "نبقاو هنا ما نحرقوش، فقنا وباصيتو بينا"(سنبقى هنا ولن نهاجر، استفقنا من غيبوبتنا وستعانون من استفاقتنا).
مرّت أكثر من سبعة أشهر من الحراك بعثت الكثير من الأمل في إمكانية حياة أفضل وتصحيح السياسات، وكان اللافت فيها التوقّف التام والصفري لرحلات الهجرة السرية، وصولاً إلى الأسبوع الأخير الذي حمل معه أخباراً غير سارة، بترشح رموز نظام عبدالعزيز بوتفليقة للرئاسة، وهيجان قوارب الهجرة السرية التي تحمل دفعات جديدة من الشباب الذي قرر المخاطرة.
قد يكون من التعسف ربط عودة ظاهرة الهجرة السرية مع عودة رموز من نظام بوتفليقة إلى المشهد السياسي، وإقدام بعضهم بجرأة بالغة الوقاحة على الترشح للرئاسة (رئيس حكومة ووزير ثقافة سابق وآخرون)، لكن من المهم طرح أسئلة عن دوافع عودة الشباب الجزائري إلى ركوب قوارب الهجرة مجدداً بعد أشهر من الحراك، والإصرار على المخاطرة بما فيها إمكانية العودة في صندوق الموت، على المشاركة في الحياة السياسية عبر صندوق الانتخابات.
هذه الظاهرة التي استفحلت في العقد الأخير من حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، لم تعد إلا لأن الشباب الجزائري بدأ يفقد بعض الأمل في إمكانية حدوث التغيير المأمول، أو سبق فهمه أن النظام الذي حبس بعض رموزه، بصدد ترميم نفسه من الداخل، وإعادة إنتاج قواعد الحكم والسياسات نفسها، خصوصاً أن الجميع يفهم أن عودة شركاء بوتفليقة في صناعة الأزمة والفساد إلى المشهد من دون اعتذار، لم تكن لتحدث لو لم يكن هناك إيعاز رسمي، صب هذا الأمر مزيداً من اليأس في الكأس، ذلك أن عودة "الشياطين" تطرد الملائكة لا محالة.
قد لا يفقه الشباب الذي كان فاعلاً مركزياً في الحراك، كثيراً في التفاصيل السياسية وخطط الانتخابات، ولا يجتهد حتى في فهم المواقف وتفسيرها، لكنّ لديه حساً مرهفاً وصادقاً وذكاء جمعياً إزاء عثرات مقلقة في المسار الذي تتوجّه إليه البلاد، وثمة شعور لدى غالبية الجيل الشاب بأن هذا المسار يشوبه الشك والغموض ولا يتأسس على قواعد صحيحة، ومحكوم بالإخفاق عاجلاً أو آجلاً، دون تلك الفلسفة التي تزعم أن هذا الشباب متسرع في البحث عن حياة أفضل ويقصي نفسه من الحياة السياسية، فإن هذا الشباب نفسه كان الأكثر انخراطاً في السياسة، ووحده الذي نجح في تحرير فضاءاته وتحويل الملاعب إلى ساحة للخطاب والتعبيرات السياسية المناهضة والحاملة لرسائل مناوئة للنظام لعبت دوراً في إذكاء روح المطالبة الاحتجاجية، وعززت الشارع منذ تظاهراته الأولى، عندما أخفقت كل الفصائل السياسية والمجموعات المدنية المقاومة للنظام في تحرير فضاءاتها ومساحات نضالها.
الهجرة السرية وبغضّ النظر عن كونها خطأ وهروبا وتجاوزا للقانون لتحقيق طموح شخصي، فإنها أيضاً سلوك احتجاجي ومحاولة من شباب للإمساك بمستقبله بنفسه، فيما يختلف ميزان الكيل بشأن التغيير السياسي الحقيقي بين الشباب والأحزاب وباقي الطبقات المجتمعية، فتحسبه الأخيرة بالصندوق ونزاهة الانتخابات، ويحسبه الشباب بما هو أبعد من ذلك، وبالنسبة إليه حين تحضر الشياطين لا تجالسها الملائكة.
وثمة فرق كبير بين أن تعيش، وبين أن تبقى على قيد الحياة.
 
العربي الجديد
 

 

شوهد المقال 423 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats