الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ هل تتجه الجزائر نحو أسوأ السيناريوهات؟

ناصر جابي ـ هل تتجه الجزائر نحو أسوأ السيناريوهات؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 تعيش الجزائر هذه الأيام حالة استقطاب سياسي حاد، يمكن أن يؤدي إلى ما يحمد عقباه في الآجال القريبة، إذا استمرت الاتجاهات الثقيلة الفاعلة نفسها، بعد إعلان قائد الأركان عن إجراء الانتخابات الرئيسية في القريب العاجل، أحب من أحب وكره من كره. مهددا كل من تسول له نفسه بالكلام عن مرحلة انتقال سياسي بالويل والثبور وعظائم الأمور.

 

استقطاب سياسي مرشح للتصعيد مباشرة، بعد الإعلان عن استدعاء الهيئة الناخبة، الذي كان مقررا أن يكون في 15 من الشهر الجاري، في وقت ما زال الكثير من الجزائريين والقوى السياسية المنظمة، غير مقتنعة تماما بالذهاب إلى انتخابات رئاسية ما زالت شروطها السياسية والتنظيمية غير متوفرة، حسب هذا الموقف الشعبي الذي يعبر عنه بقوة الحراك الشعبي في مسيراته الشعبية كل أسبوع منذ سبعة أشهر تقريبا. تماما كما حصل في الجمعة الأخيرة، التي تميزت بقوة تجنيد كبيرة جدا، شبيهة بما كان حاصل في شهري مارس/آذار وإبريل/نيسان الماضيين، عبر خلالها الجزائريون في مختلف مناطق البلاد، وليس في منطقة القبائل فقط، عن تضامنهم مع المناضل السياسي كريم طابو، الذي تم اعتقاله بتهمة المس بمعنويات الجيش. اعتقال حصل في وقت كان الشارع السياسي ينتظر فيه إطلاق سراح الشباب، الذين تم إلقاء القبض عليهم أثناء المسيرات السابقة.
يوم الجمعة نفسه – يوم عطلة – الذي عرف مصادقة مجلس الأمة على قانون الانتخابات المعدل الجديد، وإنشاء الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، التي يفترض فيها أن تكون بديلا عن الإدارة في الاشراف على الانتخابات. هيئة تمت الاستعانة في تشكليها ببعض الوجوه المعروفة بمعارضتها لنظام الرئيس المخلوع، على غرار محمد شرفي وزير العدل الأسبق، الذي عين رئيسا لها. هيئة كانت قد طالبت المعارضة بها منذ 2014 على الأقل، كما طالب بها الحراك الشعبي، اتقاء لشرور التزوير الإداري المستشري، ليبقى موضوع استقلاليتها على المحك داخل نظام سياسي كان رافضا دائما لأي استقلالية، كما ظهر جليا بمناسبة تشكيل وعمل هيئة الحوار قبلها.

 

الدعوة لانتخابات في وقت يتم فيه غلق فعلي للفضاء الإعلامي، لكل الأصوات التي لا تسير في اتجاه ما تطالب به القيادة العسكرية الجزائرية

 

تسارع في الأحداث كان أكثر حضورا من قبل السلطات الرسمية، التي لم تبذل جهدا كبيرا في احترام «الشكليات» البسيطة، وهي تسارع في اتجاه الانتخابات الرئاسية التي تتعامل معها كقضية مصيرية، ترفض أن تفشل فيها للمرة الثالثة، بعد أن فشلت في تنظيم انتخابين رئاسيين قبل. الأولى عندما خرج المواطنون إلى الشارع في 22 في فبراير/شباط لرفض العهدة الخامسة للرئيس المخلوع (19 إبريل). والثانية بحجة عدم توفر مرشحين لهذه الانتخابات الغربية ـ 4 يوليو/تموز – فهل ستفشل السلطة في تنظيم الانتخابات هذه المرة كذلك، بحجة عدم وجود مقترعين بعد المقاطعة الشعبية لها. وضع خطير يؤهل الجزائر إلى دخول كتاب غينيس للأرقام القياسية، في مجال الفشل في تنظيم الانتخابات الرئاسية في وقت قصيرا جدا.
تحصل هذه الدعوة لانتخابات من قبل القيادة العسكرية، في وقت يتم فيه غلق فعلي للفضاء الإعلامي، لكل الأصوات التي لا تسير في اتجاه ما تطالب به القيادة العسكرية، في الذهاب إلى انتخابات في أقرب الآجال. منع طال كذلك النشاطات اليومية للأحزاب، التي لا تسير في الاتجاه نفسه، كما حصل مع أحزاب البديل الديمقراطي التي منعت من تنظيم لقائها في مكان عام الأسبوع الماضي. لم يقتصر المنع على المجال الإعلامي أو السياسي فقط، بل تعداه إلى القيام بحملة اعتقالات مست وجوها سياسية معروفة، كما حصل مع كريم طابو، في وقت كان المواطنون ينتظرون تطمينات وعلامات انفراج من قبل السلطة، تسهيلا لإجراء العملية الانتخابية، كما وعدت بذلك قبيل الانطلاق، في ما سمي بالحوار السياسي الذي دعت إليه. مفارقة سياسية جعلت بعض التحليلات – تبدو غريبة لحد الآن- تذهب في اتجاه القول إن السلطة الحاكمة فعليا، وعكس ما هو ظاهر ومعلن، لا تريد فعلا الذهاب إلى انتخابات رئاسية عن قريب، بل تريد التصعيد. والوصول إلى حالة يكون فيها فشل تنظيم الانتخابات مبررا ومقبولا من الداخل والخارج. في وقت ينتظر أن يزداد فيه الاهتمام الدولي والإقليمي بما يحصل في الجزائر، بعد بروز علامات عدم التوافق السياسي، والكثير من علامات الاستقطاب التي يمكن أن تأخذ منحى خطيرا في الأسابيع القريبة المقبلة، إذا استمرت الاتجاهات الثقيلة نفسها.
استشراف يعتمد على معطيات موضوعية تقول، إن الوضع السياسي الحالي غير مؤهل تماما لإنجاز عملية انتخابية هادئة، حتى بالمقاييس المتواضعة جدا. ستعيد الجزائر إن تم الإصرار على اجرائها فعلا، إلى حالة بعض الدول الافريقية المضطربة، وليس إلى حالة تونس القريبة، باعتبار أن القاصي والداني يعرف أن تنظيم حملة انتخابية شبه عادية في الحالة الجزائرية هذه الأيام يبدو مستحيلا، وبعيدا جدا عن الواقع في هذا الجو السياسي المشحون، وأن تنظيم الاقتراع في حد ذاته الذي تعودت الجزائر على إنجازه في يوم واحد في بلد شبه قارة. عملية غير ميسرة في هذه الأجواء المشحونة سياسيا، بما يميزها من تجنيد شعبي، سيكون اكثر حضور في المناطق التي عرفت بموقفها المتحفظ والرافض للعملية الانتخابية في العهد السياسي السابق، كما هو حال منطقة القبائل، والمدن الكبرى والمتوسطة وحتى المهجر. مناطق تكون الثقل الديموغرافي للجزائر، سيلتحق بها بدون شك الشباب الذين عبروا على الدوام عن رفضهم للعملية الانتخابية، بالشكل الذي كانت تتم به سابقا. هم الذين نجدهم داخل الحراك على رأس الرافضين لإجرائها بشروطها التي تقترحها السلطة. علما بأن غياب المواطنين- المقترعين، يمكن أن يعوضه بسهولة حضور المترشحين، حتى لو كانوا من الصف الثاني من القيادات السياسية في هذه المحطة الانتخابية. يمكن كذلك أن نتصور أن قيادات الصف الأول من الشخصيات الوطنية البارزة، لن تغامر بدخول عملية انتخابية غير مضمونة العواقب، خاصة بالنسبة لتلك الوجوه التي انتظرت طويلا هذه الفرصة التي قد تكون الأخيرة في مسارها السياسي، وانطلاقة جديدة في التاريخ السياسي للجزائر ستكون في أشد الحاجة لكل أبنائها العقلاء.

 

 

القدس العربي 

 

شوهد المقال 208 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats