الرئيسية | من الصحافة | عثمان لحياني ـ هذا الذي كُتب على الجزائريين

عثمان لحياني ـ هذا الذي كُتب على الجزائريين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عثمان لحياني 

           


هل كُتب على الجزائر دولة، وعلى الجزائريين شعباً، أن يوضعا على مر التاريخ السياسي بين خيارين كلاهما نكبة وفي كليهما خديعة سياسية وغش تاريخي مصطنع؟ في أزمة التسعينيات خُيّر الجزائريون بين انقلاب الدبابة، وبين تشدد جماعات سياسية متهورة انحاز جزء منها إلى العنف والإرهاب، وكان ذلك واضحاً في خطابات السياسيين والعسكريين وقتها. وفي العام 1999 وُضع الجزائريون بين خيار المصالحة الجبرية، وبين خيار تحصين الانقلابيين وإفلاتهم من العقاب، على الرغم من الخراب الذي انتهى إليه البلد بسبب خيارات الجيش والإدارة العسكرية للبلاد منذ يناير/كانون الثاني 1992.

في عهد الرئيس المستقيل عبدالعزيز بوتفليقة، ظل الجزائريون مخيّرين من قِبل النظام بين القبول بحكم فردي يتأسس ويركّز مزيداً من الفساد، وبين فزاعة الفوضى والخراب. ومنذ نهاية العام 2018، كان واضحاً أن النظام ورموزه السياسية القبيحة تتجه لوضع الجزائريين بين خياري الولاية الخامسة أو الفوضى، ورئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى كان أكثر جرأة حين هدد الجزائريين بشكل مباشر بالمحرقة السورية.

عندما يوضع شعب بين خيارين يكون في أحدهما كلفة ما، وفي الخيار الثاني ضريبة من الفساد والغش السياسي، فإن ذلك يعني أن ميزان التاريخ ما زال مختلاً. في كل محطة سياسية كان وضع الجزائريين بين خيارين جزءاً من خديعة تاريخية يشكّل النظام تفاصيلها بدقة ويرتب محدداتها والفاعلين فيها، ولم تكن تعوزه أدوات الدعاية أيضاً. كذلك في هذه اللحظة الثورية، تحصل حلقة أخرى عندما يحاول النظام ومؤسساته الحيوية والمجموعات السياسية التابعة له، وضع الجزائريين بين خياري سرديته السياسية وانتخابات مشوشة، أو الفوضى.

في الحقيقة يتحمّل النظام والجيش جزءاً بالغاً من مسؤولية التشويش على انتخابات ومسار كان يمكن أن يكون محل إجماع، لو لم يكن عملاً انفرادياً. لا أحد من الجزائريين يرفض الانتخابات التي تظل السبيل الديمقراطي الوحيد للتعبير عن الشرعية والتمثيل الشعبي، لكن المفاضلة الحقيقية الآن هي بين انتخابات تأسيسية تقطع مع الماضي وتسمح للجزائريين بالتوجّه نحو المستقبل الديمقراطي، وتحظى بكامل شروط النزاهة وتكافؤ الفرص وإشاعة الحريات وحق التعبير والتنظيم، وبين نموذج جديد لانتخابات 1995 التي أوهم النظام الجزائريين أنها ستسمح للبلاد بالخروج من شرنقة الأزمة لكنها لم تكن كذلك بشهادة التاريخ.

الانتخابات النزيهة هي نتيجة لأسس ومظاهر ديمقراطية ليست أقلها قوانين توزع الفرص بالتكافؤ وحق الأحزاب في التجمّع وحق الناس في التنظم وصحافة حرة، وعندما تغيب هذه المظاهر يصبح المسار مشوشاً بالكامل، إضافة إلى أنه وبالنسبة للكثير من الجزائريين، سيكون هناك تواجد لنفس المجموعات السياسية والوجوه والنخب الزبائنية التي كانت تحفز الجزائريين على الولاية الخامسة، وقبلها على الحل الأمني وتبرير القمع، في نفس خط الدفاع عن مشروع انتخابي جديد، وهو أمر كافٍ للتوجس من خديعة سياسية من قبل النظام.

الجزائر بلد يستحق أن يكون ثقلاً سياسياً وعملاقاً اقتصادياً وقوة إقليمية وهمزة وصل بين أوروبا وأفريقيا، الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والثروات والإنسان والتنوع والبيئة والبحر والصحراء والأراضي الخصبة والنفط، كلها عوامل تقول ذلك، والجزائريون أيضاً شعب يستحق أن يعيش في ديمقراطية لا سيد فيها غير الشعب.
 
العربي الجديد  

شوهد المقال 648 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats